انتهت موجة المظاهرات الطلابية العارمة والمفاجئة في ايران, ولم تنته تداعياتها, وما زال تحت الرماد نيران غضب مشتعل , وتفاعلات تحت السطح قد تنذر بتجدد موجة الغضب المطالبة بتسريع عجلة الاصلاح, وتوسيع هامش الحريات العامة. وعلى الضفة الاخرى من نهر التفاعلات مع الحدث الايراني يرصد الباحث الهولندي رونالد برادير بمعهد السياسة الدولية بلاهاي مكاسب وخسائر الفصيلين المتناحرين ما بين الاصلاحيين الموالين للرئيس محمد خاتمي والمتشددين المناوئين لتوجهاته. وفي حواره مع (البيان) يجيب الباحث الاوروبي عن تساؤلات فجرتها مظاهرات الطلاب الايرانيين : في بداية الحوار سألناه: * من هو الرابح ومن الخاسر بين الاصلاحيين المعتدلين والمحافظين المتشددين؟ ـ منذ قدوم خاتمي بدأ صراع قاس على السلطة خاصة من المتشددين في قطاع القضاء والذين بدأوا منذ اللحظة الاولى لنجاح خاتمي وضع العقبات امام سياسته الاصلاحية, حتى البرلمان ايضا قام بتعطيل الكثير من خططه وسياساته الاصلاحية, والقرارات التي اتخذها المتشددون بشأن الصحافة ومنع المظاهرات, انما تعد اختبارا لخاتمي وللقوى الاصلاحية التي يعتمد عليها ويعمد لارسائها ويبقى الآن امام انصار حركة الاصلاح الامل الوحيد في الانتخابات البرلمانية التي ستحدث في 18 فبراير من العام المقبل 2000 والذين يراهنون على ان الانتخابات لو تمتعت بالحرية والنزاهة فإن خاتمي سيجد حوله الانصار الذين يساندونه في سياسته الاصلاحية, فخاتمي يمثل جماعات وانصارا يؤيدونه في رؤيته لاجراء الاصلاحات في النظام السياسي الاسلامي من الداخل, ويرى خاتمي انه ليس من العدل ان يكون القرار السياسي مركزا في يد حفنة صغيرة, بل يجب توسيع رقعة القرار والتمثيل السياسي. ان محمد خاتمي ليس بالشخصية السهلة التي يمكن ان تستسلم بسهولة فعند الضرورة واذا اضطرته الظروف قد ينضم الى خامنئي وقواته العسكرية ليستمد قوة جديدة من حزب الله لو حدث ذلك فمن المتوقع ايضا حدوث حمامات دم. غير انه وبصورة حيادية يجب ان نعطى خاتمي حقه ففترة توليه للسلطة لا تزال قصيرة, رغم ذلك شهدت ايران تطورات ملحوظة ويساعده في هذا المتغيرات الحضارية والثقافية والاجتماعية التي شهدتها ايران, فايران 99 الآن غير ايران 79 والفارق شاسع, فنسبة 75% من المواطنين البالغ عددهم 65 مليون نسمة اعمارهم اقل من 34 سنة. * لكن هل من المتوقع ان يحتفظ الطلاب بالروح المعنوية التي بدأوا بها تحركاتهم بعد مواجهتهم بهذا العنف..؟ ـ الطلاب الآن اقل تفاؤلا عن بداية المظاهرات, خاصة بعد اعلان خامنئى ان (المحاربين منهم الآن ضد الله) وهو الامر الذي يؤدي بهؤلاء الى عقوبة الاعدام, ورغم ذلك فإن الغالبية مستمرة في معارضتهم للفساد والرشوة المتفشية في اوساط المؤسسات الحكومية, ويطالبون بالديمقراطية واذا كانت مظاهرات الطلاب شهدت نوعا من الاستراحة, فإن ذلك لن يعني انهم توقفوا للنهاية. * ما هو التقييم السياسي للاوضاع في ايران, وهل يمكن اعتبار مظاهرات الطلاب امرا عارضا انتهى ام له تداعيات؟ ــ اعتاد المراقبون السياسيون والمجتمع الدولي على خروج المفاجآت من ايران, فهي في العرف الدولي بلد المفاجآت ففي عام 79 جاءت الثورة الاسلامية التي كانت غير متوقعة لكل العالم, وفي 97 كانت مفاجأة اخرى للعالم عندما جاء خاتمي للحكم خاصة وانه كان قد رشح نفسه للرئاسة دون ان يستند على خلفية سياسية كبيرة, ونجح خاتمي بوعوده في الانفتاح السياسي والديمقراطية وحقوق المرأة والمساواة وحرية الصحافة في ان يكسب 20 مليون صوت والذين يشكلون 70% من مجموع اصوات الناخبين الايرانيين, والآن تأتي مفاجأة اخرى في سيطرة المتشددين على القرارات واظهار خاتمي بعدم القدرة على المواجهة, في حين تعارض الغالبية العظمى من الشعب قرارات المتشددين ويؤيدون القرارات الاصلاحية, ويتهم جانب منهم خاتمي بعدم الوفاء بوعوده الاصلاحية, وتقف الشرطة ضد المتظاهرين ويتشابك الموقف, غير انه من المؤكد بقاء معارضة الطلبة في ايران مستمرة ضد الحكومة, لكن يوجد فارق بين معارضة الثورة الاسلامية منذ 20 عاما وما يحدث الآن فمن الواضح ان الشعب هذه المرة يساند مظاهرات الطلاب مساندة كاملة, على الرغم ان بعض شرائح المجتمع تتوخى الحذر واوضحت المعارضة المضادة التي قام بها المحافظون في طهران خلال الايام الاخيرة انها عديمة التأثير, تلك التي احاطتها الشكوك, حيث افادت المعلومات ان النسبة الكبرى من هؤلاء كانوا من العسكريين الذين ارتدوا الزي المدني وموظفي الحكومة, دفعتهم الحكومة الى الشوارع. ويوجد اليوم فارق بين المظاهرات والمعارضة المسلحة من الطلاب التي قامت في الماضي ضد ثورة الخميني والتي كانت في حينه خطأ كبيرا لانها لم تكن متوازنة القوى وادت لاعتقال الطلبة ومقتل العديد منهم, اما مظاهرات الطلبة اليوم فمختلفة لانها بتأييد من الغالبية العظمى من الشعب لذلك يجب على الطلاب ان يحافظوا خلالها على عدم تفاقم الموقف اكثر من هذا اذا ارادوا تحقيق اهدافهم, ولو لم يتسامح جنود حزب الله مع الطلاب في المعاملة ستقع حمامات دم رهيبة. لاهاي ـ سعيد السبكي