سمي العاهل المغربي الجديد محمد بن الحسن ولياً للعهد غداة ميلاده في 21 أغسطس ,1963 وكان ذلك في وقت بدأت فيه أولى المواجهات بين المغرب والجزائر تطفو عسكريا على رمال حاسي بيضا وتيندوف , ومحاكمة سياسية كبرى تحت شعار مؤامرة يوليو مازالت تحرك الألسنة الحذرة خلف الأبواب الداخلية, وعبر الإعلام المعادي في الخارج, فيما كانت القبضة الحديدية للجنرال أوفقير قد تقوت لترسم صورة أخرى لمغرب فتي يبحث عن طريقه وسط خليط من الخصوم الايديولوجيين. وكان قرار تعيين ولي العهد مباشرة بعد ميلاده مفهوماً للجميع آنذاك والتحوط من أية مفاجأة تهدد العرش المغربي واستمراره, وتأسيس وتطبيق تقليد دستوري يضمن لولاية العهد دورها الكامل كمؤسسة تباشر أمور البلاد الى جانب الملك وتحت رعايته. ومحمد بن الحسن الذي تولى مهامه الدستورية كملك للمغرب بعد وفاة والده عصر يوم الجمعة الماضية هو السادس من بين الملوك العلويين, وهم محمد بن الشريف ومحمد بن اسماعيل ومحمد بن عبدالله ومحمد بن عبدالرحمن ومحمد الخامس حيث للمغاربة تقليد راسخ في تسمية الولد البكر باسم محمد تيمناً بالنبي الكريم. وقد تحمل تبعات البيعة ومسؤولياتها في وقت يعرف فيه المغرب استحقاقات مهمة بينها استفتاء الصحراء الغربية التي استرجعها الملك الحسن الثاني من اسبانيا دون ان يتمكن من حصول موافقة المجتمع الدولي على هذه العودة, والملفات الكبرى الموروثة صفيت أو هي على الطريق, وإذا كان المغرب الان يتجدد ويتقوى بنفس الطموح الذي ألهب مشاعر ملك علوي سابق كالمولى رشيد الذي ثبت أركان الدولة العلوية ومهد لها الاستمرار والدوام, إلا ان في البحث عن طرق لتحقيق سعادة الأفراد لا حد هناك للكمال. وبنفس الروح الأبوية التي أعدت الملك الحسن الثاني, تربى ولي العهد سيدي محمد, فالنظام الداخلي للمعهد المولوي الذي تعلم فيه يعني الانعزال عن القصر, والاعتماد على النفس, وخوض معترك الحياة, لذلك ازدهرت شخصية الأمير وتأكدت عصاميته البارزة وحين حصل على دكتوراه الدولة في أكتوبر 1993 من جامعة صوفيا أنتيبوليس (نيس) الفرنسية بتقدير مشرف جدا مع تنويه بطبع الرسالة التي كانت حول موضوع (التعاون بين الاتحاد الأوروبي وبلدان المغرب العربي) لم يسع الملك الحسن الثاني إلا أن قال: (إني سعيد بأن يكون ابني أكير إحاطه وإلماما مني بميدان في مثل هذه الأهمية) , وهي عبارة تعني الشيء الكثير ليس فقط بالنسبة للأمير, بل لعموم الشباب المغاربة الحريصين على خدمة بلادهم بالعلم والعمل. لقد عرف عن الملك الراحل عندما كان وليا للعهد استماتته في الدفاع عن قضية استقلال بلاده برفقة والده محمد الخامس, ومساهمته في كل عمليات التعبئة الوطنية بفكره وممارساته, وإذا كان يقال في الأدبيات السياسية أن الاسكندر الأكبر قلد في أفعاله أخيل, وأن قيصر قلد الاسكندر, فلا ريب أن كل من يقرأ كتب السيرة سيرى في سيرة الملك محمد بن الحسن نجاحه في تقليد سلفه الحسن الثاني وفي استكناه ورشف ماء التاريخ الجاري في الجذور والأعماق. تسلم الملك محمد بن الحسن المسؤولية الأولى وللمغرب حضور جيوستراتيجي مؤثر في عالم اليوم بعدما عمل الملك الحسن الثاني على إخراجه من عزلته وتخلفه ببصيرة نافذة وقدرة فائقة على قراءة وتحليل معطيات عالم متحول, وإذا أمكن للملك الجديد أن يضفى طابع الضرورة التاريخية على موقع المغرب في هذه الشبكة من القضايا الضاغطة, فسيكون قد ترجم بصيرة الوالد منهجيا ورسم ملامح اختيارات الغد وقناعاته عن مغرب مفتوح على التعدد, وعلى محيط عالمي واقليمي يعترف بالعوائق قبل الإنجازات. وعرف عن الملك الجديد نشاطه في ادارة القوات المسلحة منذ توليه مهمة المنسق لمكاتب ومصالح الأركان العامة, والقيام بزيارات عديدة خارج البلاد لتمثيل والده الراحل, غير أن مؤلفه (التعاون بين الاتحاد الأوروبي وبلدان المغرب العربي) , وهو موضوع رسالته للدكتوراه يكشف عن الكثير من أفكاره السياسية والاقتصادية, حيث يرى التعاون بين المجموعتين الإقليميتين الأوروبية والمغاربية يوجد في منعطف تاريخي حاسم فالأوروبيون يمتطون رسميا مركبة (ماستريخت) بحثا عن دور متقدم في فضاء (نظام دولي جديد) تبدو مجالات الفعل والتأثير داخله رهينة المركبة المقلة) , بينما يجد أبناء المغرب العربي أنفسم على متن (قاطرات) متقاطعة السبل فلا هي موحدة الوجهة كما تقتضيه (معاهدة مراكش) , ولا هي معدلة على زمن مركبة (ماستريخت) التي تقل الأوروبيين أو ما شابهها من تجمعات, وهكذا فإن المؤلف الأمير وولي العهد وقتها يعترف بان العلاقة بين الفاعلين على ضفتي المتوسط تبدو وكأنها تراوح مكانها مدا وجزرا دون اندفاع وفق مسار محدد. وربما أمكن من خلال هذه الملاحظة المبكرة, التمييز بين (السياسي) التقليدي حينما يكون بصدد سرد الوقائع وان بذل جهدا تحليليا في تقديمها, أو حينما يكون في لحظة تدوين لأفكاره وآرائه حول القضايا التي تواجهه أو تواجه محيطه السياسي والتاريخي, وبين (السياسي) الذي يوظف خبرته وتجربته العملية لمقصد أبعد وهو التصدي لإشكالية أو سؤال على قدر من الاستعصاء فكريا وعمليا, فيضيف بالإجابة عنه قيمة معرفية جديدة في حقل علم السياسة, أو يفتح بإجابته أمام العقل السياسي أفقا ومسلكا يمكنه من الخروج من دائرة وحدود مرحلة سياسية وتاريخية ما, وهي حالات نادرة في تاريخ السياسيين لأن سير هؤلاء قرينة الحكمة والمعرفة ضدا على توقعات أفلاطون في (الجمهورية) , ولاعجب أن تكون نظرة هذا النوع من السياسيين أوسع وأشمل, فالملك محمد بن الحسن نشأ وتربى منذ نعومة أظفاره في ظل رعاية ملكية خاصة تعود جذورها ومقوماتها الى قرون من الزمن, وهو سليل وولي عهد عقل سياسي استثنائي, ولذلك أمكن تخيل جسامة المسؤولية التي كان يستشعرها إزاء الأوساط الأكاديمية والسياسية وعالم الاقتصاد والأعمال التي استقبلت الكتاب بحفاوة شديدة في المغرب وخارجه. ولعل أهم ما في الكتاب الذي يلخص فكر كاتبه هو الأيمان بحتمية ارتباط المغرب مع دول المغرب العربي, وايجابية ذلك بالنسبة لأوروبا, ورغم أن هذه الفكرة قد قالها العاهل الراحل به انهيار المعسكر الاشتراكي, وبروز اتجاه لدى دول المجموعة الأوروبية بالاهتمام بدول أوروبا الشرقية في اطار استراتيجية إعادة ترتيب البيت الأوروبي, وكذلك به بناء الاتحاد المغاربي, فإن جذورها (الفكرة) في التفكير الاستراتيجي المغربي تعود في الانضمام للسوق الأوروبية المشتركة, لكن اتجاه تفكير ولي العهد آنذاك سوف يتركز ضمن وجهة أساسية هي التأسيس على حتمية مصير أوروبا نحو غربها أو جنوبها: المغرب العربي, وبالتالي حتمية التعاون بين الدول المغاربية.