بغياب عاهل المغرب الراحل الملك الحسن الثاني تنطوي حقبة تاريخية بكل ما تحفل به من رموز وزعامات وتحالفات, فهو, بجميع المقاييس والاعتبارات, زعيم عالمي وليس عربيا او اقليميا فحسب , ولعل خصومه هم اكثر من يعترف بقدرته على وضع المغرب في مفترق طرق على خارطة العالم المعاصر, حتى غدت بلاده الخيار الدولي لاهم المحطات السياسية والاقتصادية, مثلما هي محطة كبرى للمجموعات العربية والاسلامية والافريقية. وفوق هذه المهمات, فتح الملك الراحل اول فرصة للمصالحة بين الانظمة ومعارضيها, فلأول مرة في التاريخ العربي تتسلم معارضة عربية مقاليد السلطة سلمياً, وقد حدث هذا في المغرب برغبة من الملك الذي لم يتحرج من الاعتراف بسجنائه السياسيين ومن ثم الافراج عنهم رغم التهم الكبيرة الموجهة لهم, وتقديم تعويضات مالية لمن قضى نحبه في السجون. ويتفق الجميع على ان الحسن الثاني هو من نوع غير عادي من الزعماء وعلى نسق يتجاوز اللياقات والشكليات ورسم خطاً جديدا من التعاون الوثيق المثمر بين بلده ومختلف دول العالم على تباين توجهاتها, كما وضع سياسة جديدة وواعية في اطار المنطقة كلها تنسجم مع تصوره واسلوبه السياسي الذي حقق له موقعا مميزا في صناعة القرار التاريخي العربي. وقد ظل هاجس الملك الحسن الثاني حتى ساعة رحيله هو كيفية الخروج من الجمود العربي, والتصدي للخلافات الجديدة التي نشأت بعد ازمة الخليج الثانية, فهو منذ جولته العربية في نوفمبر 1992 التي شملت الرياض ودمشق والقاهرة وابوظبي وعمان في مبادرة لتنقية الاجواء وقيام مصالحات لم يفقد الرغبة في بلورة مواقف عربية جديدة تلائم الاوضاع والمستجدات الدولية, وكان لافتا ان جولة العاهل الراحل تزامنت مع المفاوضات الثنائية العربية ــ الاسرائيلية, وتغيير الادارة الامريكية بعد فوز الديموقراطيين في انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة, ذلك ان الملك الحسن الثاني كان من بين الزعماء القلائل الذين يستقرئون الاحداث جيدا, بل ان كل المبادرات السابقة له, لجهة استضافة المغرب مؤتمرات قمة عربية, اتخذها وسط ظروف عربية ودولية معقدة وازمات, وظل على اعتقاده كما قال مرة: (ان السياسة مثل الفلاحة لها مواسمها) . ان هذا التشبيه الرشيق, يفيد ان الثمار الناضجة لا يمكن قطفها الا في اوانها ويقول المسؤولون المغاربة ان العاهل المغربي اعتاد عدم اتخاذ اية مبادرة اذا لم تكن قد تهيأت لها الظروف الملائمة, ومن هنا عمل على ايجاد ارضية تمهد لمعالجة الشروخ في العالم العربي, وكان ينتظر حتى تتهيأ الظروف الملائمة. وقد تحدث الحسن الثاني كثيرا عن الجروح العميقة التي افرزتها ازمة الخليج, وقال صراحة اكثر من مرة, ان العالم العربي يحتاج الى فترة طويلة قبل ان يعالج تلك الجروح, ورغم ذلك اتسمت تصريحاته بنبرة تفاؤل بأن جهدا دؤوبا من شأنه معالجة الانقسامات التي تعصف بالعالم العربي. ويقول متابعون للشأن المغربي ان فكرة الملكية باتت راسخة في عمق الوجدان الشعبي بالمغرب بفضل اختيارات الحسن الثاني التي فتحت المجال امام التعددية الحزبية والتنوع السياسي مع ما يتبعها من حرية التعبير, فالنظام الملكي يعتبر في المغرب, بصرف النظر عن مواقف بعض العقائديين والمتحمسين للديمقراطيات الشعبية, النظام الاكثر ملاءمة للوضع الراهن. وخلال عام 1992 اتخذ الملك الراحل قرارات على جانب كبير من الاهمية احدثت تطورا بالمغرب بينها تعديل الدستور الذي قاد فيما بعد الى التحول الكبير بتولي المعارضة مسؤولية الحكومة, بل ان الملك الذي يوصف عادة بالموحد هو الذي جعل التنوع المغربي كلا متماسكا, وهنا تكمن اهمية الملك من خلال شخصه وما يجسده من الناحية الدينية كونه امير المؤمنين بنص الدستور, كما يكمن الطابع الدنيوي والروحي للملكية المغربية. وقد اثبت بالاختيار الاقتصادي الحكيم الذي اقره غداة الاستقلال, والمتمثل في اعطاء الاولوية للزراعة بهدف تمكين بلاده من تحقيق اكتفائها الذاتي الغذائي انه قائد ينظر الى المستقبل برؤية ثاقبة, فالمغرب اليوم بين عدد قليل من الدول تكاد تكتفي ذاتياً من انتاجها الزراعي, بل انها تصدر انواع الفواكه والخضر الى اوروبا, وكان الاسلوب الذي نهجه للارتقاء بالمغرب ان جعله بلداً عصرياً مهماً. ومع ان الملك كان يؤكد انتماءه للمعاصرة الا انه ظل متمسكا بقوة بمبادىء الاسلام نتيجة تكوينه الذي جمع مابين المعارف الانسانية لكتاب النهضة الاوروبية وامهات نصوص الثقافة الاسلامية في اطار توليف خلاق بين معارف الشرق ومعارف المغرب, جعلت منه زعيماً وفقيها ومفكرا وفيلسوفا وراعيا كبيرا للثقافة والفنون, فبقدر ما كان الملك الحسن الثاني تحدوه الرغبة في العصرنة ومسايرة التطور التكنولوجي والعلمي الا انه في الوقت نفسه كان يشعر بأن التمسك بالتقاليد العائلية والتاريخية والاجتماعية يشكل صمام الامان بالنسبة لبلاده. الرباط ــ رضا الأعرجي