بعد سبعين عاما من النضال رحل عاهل المغرب الملك الحسن الثاني تاركا بصمات واضحة على مسيرته السياسية داخليا وخارجيا.. تمكن خلالها من وضع بلاده على اعتاب القرن المقبل بثبات حضاري فيما اسهم بالتقارب العربي ـ العربي علاوة على جهوده الواضحة في بدء مسيرة السلام العربي ـ الاسرائيلي.. لكنه تمكن بحنكته وصموده وشجاعته من النجاة من عدة محاولات اغتيال ومواجهة الصعاب بارادة صلدة. وبرحيل الملك الحسن الثانى ط فقدت أفريقيا بل والعالم بأسره قائدا واصل مسيرة العطاء بثبات وعزم ورمزا كبيرا من رموز السلام. وزعيما عظيما ترك لافريقيا وللعالم ميراثا عظيما لا يقدر بثمن. ولد الحسن الثانى فى 9 يوليو 1929 لاسرة متدينة فهو سليل الاسرة العلوية التى تحكم فى المغرب منذ القرن السابع عشر الميلادى. حفظ الحسن الثانى القرآن الكريم وحصل على الابتدائية عام 1941 ثم دبلوم الشهادة الثانوية عام 1947. وفى عام 1951 حصل على ليسانس الحقوق وعلى شهادة الدبلوم العالى فى القانون المدنى من كلية بوردو فى 1952. ثم عين وزيرا للدفاع فرئيسا للوزراء. وعين الحسن الثانى قائدا أعلى ورئيسا عاما للجيش الملكى فى المغرب عام 1957 ثم وليا للعهد عام 1957 وتولى العرش عقب وفاة والده فى 26 فبراير 1961. دخل الحسن الثانى الميدان السياسى وعمره 14 عاما فكان يخطب فى المؤتمرات والمهرجانات وفى ذات السنة اقتحم مدينة طنجة والقى فى حفل دبلوماسى خطبة نارية أصبح بعدها فى نظر الاستعمار الفرنسى العدو الاول له. نفى مع والده 1952 وبعد عودة الملك من المنفى تولى (الامير الحسن) تأسيسس أحدث جيش للمغرب وتمكن من القضاء على ثورة الريف. وعينه الملك محمد الخامس رئيسا لهيئة أركان حرب القوات المسلحة وقام بحكم هذا المنصب بتولى المفاوضات الفرنسية المغربية التى جرت فى يوم 26 ابريل 1956 الخاصة بجلاء القوات الفرنسية وأشرف شخصيا على عملية الانقاذ وكارثة أغادير 1960. وفى سبتمبر 1961 اشترك الحسن فى مناقشات الجمعية العامة للامم المتحدة وألقى خطابا عن تصفية الاستعمار. حاول الحسن الثانى عام 1965 اقامة نظام ديمقراطى فى المغرب وباءت محاولته بالفشل. وكان من أشد المؤمنين بالتضامن العربى وان المغرب جزء لا يتجزأ من العالم العربى وهو يجيد العربية والفرنسية والانجليزية وكان له اطلاع واسع فى القانون وكان يهوى الفروسية والتنس والموسيقى الكلاسيكية. سجل له التاريخ الموقف البطولى فى قيادة شعبه الوفى فى المسيرة الخضراء من أجل المطالبة بالصحراء الغربية وكانت المسيرة تتحدى تهديدات أسبانيا. وعمل على توحيد المغرب واستقلاله حيث حرر اقليم طرفاية عام 1958 واقليم سيدى ايلنى عام 1969. واعتبر الملك الحسن من دعاة السلام فى العالم وبفضل مجهوداته استطاع المغرب ان يقوم بدور طليعى فى المنظمات الدولية. وفى عام 1969 دعا الى عقد اول مؤتمر اسلامى احتضنته المغرب برئاسته بعد احراق المسجد الاقصى. وفى عام 1972 ترأس القمة الافريقية التاسعة التى عقدت بالرباط. وفى عام 1974 ترأس القمة العربية بالرباط وقد كان له خلال هذا المؤتمر الدور الاكبر فى اتخاذ القرار التاريخى الذى اعتبر منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعى والوحيد للشعب الفلسطينى. وفى 16 اكتوبر 1975 اعلن تنظيم المسيرة الخضراء التى فاجأت العالم واعتبرت حدث القرن شارك فيها 350000 متطوع من الرجال والنساء انطلقوا من جميع جهات المملكة نحو (الصحراء المغربية) لصلة الرحم مع اخواتهم فيها. وهم مسلحون بكتاب الله عز وجل وتم على اثرها جلاء الاستعمار الاسبانى عن الصحراء المغربية. وحفاظا على وحدة المنظمة الافريقية اعلن الملك امام القمة الافريقية 18 بنيروبى اجراء استفتاء بالاقاليم المسترجعة. وفى عام 1982 ترأس مؤتمر القمة العربى الذى عقد بفاس والذى مكن الملوك والقادة العرب من الاتفاق على خطة موحدة للسلام بشأن القضية العربية وقد ترأس الملك اللجنة السباعية التى انبثقت عن المؤتمر لتقوم بشرح مقررات القمة العربية والتعريف بها لدى اعضاء مجلس الامن. ومن مؤلفاته كتاب (التحدى) الذى تم طبعه بست لغات هى العربية والفرنسية والانجليزية والاسبانية والتركية والصينية. لكن مسيرته لم تخل من الصعاب والمواقف التي تتطلب شجاعة استثنائية حيث قال الملك الراحل لصديقه الملك خوان كارلوس ملك اسبانيا (عندما جلست على العرش قال الناس انني لن ابقى اكثر من ستة شهور) . وتميزت فترة حكمه الاولى بالتوتر وشهدت محاولتي انقلاب داميتين. وتمت الاولى في العاشر من يوليو 1971 عندما تعرض قصر الصخيرات (25 كلم جنوب الرباط) حيث كان الملك يحتفل بعيد ميلاده الثاني والاربعين, لهجوم شنه عسكريون راح ضحيته مئة قتيل لكن الملك نجا باعجوبة. اما المحاولة الثانية فقد دبرها في 16 اغسطس 1972 الجنرال اوفقير شخصيا عندما قاد هجوما جويا ضد طائرة البوينج التي كانت تقل الملك الحسن الثاني من فرنسا الى المغرب الا ان الملك نجا من الموت مرة ثانية. ومع (المسيرة الخضراء) الى الصحراء الغربية, المستعمرة الاسبانية السابقة, التي نظمت في السادس من نوفمبر ,1975 تمكن الحسن الثاني من التوافق مع المعارضة وايجاد الاجماع حول شخصه. وفي 1992 جعل الاصلاح الدستوري الاول من الحسن الثاني رسميا ملكا بصلاحيات ليست مطلقة من خلال حمله على تعيين الوزراء (بناء على اقتراح رئيس الوزراء) وهذا ما لم يكن يحصل في السابق. واعطى الاصلاح الدستوري الثاني في 1996 المغرب غرفتين تمثلان الشعب هما مجلس النواب ومجلس المستشارين. وفي فبراير 1998 عين الملك المعارض الدائم الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي رئيسا للوزراء وطلب منه تشكيل (حكومة تناوب) . ــ الوكالات