الكوارث الطبيعية التي تشهدها الأرض ليست هي بطبيعية, كما انها ليست بكوارث أيضا, وتتناقض الآراء التي تتناول هذه المسألة, وفي هذا التناقض نفسه تكمن المشكلة . فالكوارث وبالنسبة لغالبية الناس تستدعي الى ذاكرتهم صورا ومشاهد مرتبطة بأحداث احدى الأزمات التي مرت بهم, وتعيد المرء الى التفكير ثانية في الطريق الذي يؤدي الى التنمية. ان متطلبات الحياة اليوم ليست كتلك التي كانت في السابق وعلى الأقل بالنسبة لمعظم ضحايا الكوارث. وتسمية هذه الكوارث أو وصفها بأنها (طبيعية) يوحي بأن مشكلة أو مسؤولية هذه الحوادث هو من شأن الطبيعة. ولكن الأمر ليس كذلك في حقيقته, فمشكلة هذه الكوارث هي انها كوارث من صنع الانسان وليست من صنع الطبيعة. تتزايد خسائر شركات التأمين الناجمة عن وقوع الكوارث باضطراد على مدى السنوات العشر الماضية في منطقة المحيط الكاريبي, خاصة وان تلك السنوات كانت دائما من المناطق التي تهب عليها الأعاصير الممطرة والمدمرة. ونتساءل لماذا ذلك؟ والجواب هو ان كل اعصار يعمل على خلق وضع من أوضاع التخلف دون ان تكون هناك الامكانية للتعافي التام من مثل تلك الأوضاع. والخلاصة هي ان هذه الأعاصير لا تأتي دائما بصورة متكررة أو بقدرة هائلة على التدمير, لكن المجتمعات البشرية هي التي أصبحت أكثر هشاشة وحساسية أمام هذه الأعاصير. فالتنمية المتواضعة تعتبر نذيرا مسبقا وخلفية حتمية لحدوث الكوارث, إذ ان الكوارث تكون أكثر تأثيرا على الفقراء والمجتمعات الفقيرة. والواقع يقول ان الكوارث الطبيعية هي ظاهرة ذات طبيعة متكررة, أكثر من كونها صورة عادية أو عابرة على المنحنى البياني للتنمية الاقتصادية في أي بلد. في العام كان لحرائق الغابات في جنوب شرق آسيا تأثير مباشر على صحة 70 الف شخص, كما تضرر 300 مليون انسان آخر بالفيضانات. ولمواجهة الفيضانات حققت بنجلاديش تقدما كبيرا على نظم الانذار المبكر لديها, واعتمدت في ذلك على أجهزة للتنبؤ بالطقس عن طريق الاقمار الصناعية, كما عملت على توظيف طاقات محلية لثلاثين ألف متطوع تابع لجمعيات الهلال الأحمر يعملون على امتداد السهول والضفاف البنجالية. ولكن وعلى الرغم من توفيرها لكل ذلك, الا ان حدوث الفيضانات أدى الى وقوع ضحايا يقدر عددهم بــ 150 ألفا في السنوات العشر الأخيرة. وفي العام الماضي قامت منظمة الصليب الاحمر الدولية بتقييم لأوضاع ما يقارب 20 مليون شخص من ضحايا الكوارث, وتوصلت الى ان نتيجة مفادها ان مليونا من هؤلاء كانوا ضحايا ما يسمى بالكوارث الطبيعية. وفي الفترة التي سيعيشها مواليد اليوم فإننا على الارجح سوف نرى زيادة قدرها 40 سنتيمترا أو أكثر في مستوى سطح البحر. وهناك ثلاثة بلايين شخص على هذا الكوكب يعيشون في مناطق ساحلية تتأثر تأثرا شديدا بالفيضانات. وربما نواجه نقصا شديدا في مياه بعض من انهارنا الرئيسية. ان تكرار وخطورة هذه الحوادث سواء كانت جفافا أو أعاصير سوف تتزايد وتيرتها, فالوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة من المتوقع لها ان تتضاعف في الجيل المقبل. وظل المهتمون بهذا الأمر ينادون بالعمل على مواجهة الانتشار الكبير لمرض الملاريا وكل الأمراض المعدية الأخرى ذات الحساسية المناخية. واذا كانت هذه التبدلات المناخية تعتبر واقعا حقيقيا, فإننا بالتالي نتساءل كمجتمع دولي.. هل نحن نقوم الآن باعداد أنفسنا اعدادا حقيقيا للتعامل مع ذلك الواقع؟ اذا ما اعتمدنا ميزانيات مجابهة الكوارث الراهنة كمؤشر, فإن الاجابة على ذلك السؤال ستكون بــ (لا) . فالمساعدات الدولية الخارجية للتنمية قد تدنت في العام 1997 بنسبة 22.0% من الناتج المحلي الاجمالي للدول المانحة, وهو أدنى مستوى لها حتى الآن. كما ان المساعدات الانسانية التي قفزت عام 1994 الى 5.3 بلايين دولار كانت قد انخفضت الى 2.2 بليون دولار عام ,1997 مع ان هذه الارقام قد ارتفعت بسبب ظروف الحرب في كوسوفو. وهذا الوضع يؤكد النقطة الأساسية لهذه الأزمة, وهي العلاقة المتبادلة بين احتياجات الطوارىء من جهة وأزمات الدول المانحة من جهة اخرى. فما الذي يمكن عمله إذن؟ أولا: يجب ان تصبح قضية الحد من الكوارث جزءا تلقائيا من انظمة التخطيط التنموي, وهذا لا يعني فقط البنى الأساسية, وإنما يعني ايضا العمل على تقوية المجتمعات وتنمية مقدرتها على التكيف مع الكوارث واستعادة قدراتها الطبيعية بعد زوالها ايضا. ويعني هذا المفهوم العمل على زيادة الطبيعة النيابية للحكومات والتركيز على اللامركزية في ادارة الموارد وفي اتخاذ القرار بالنسبة للادارات المحلية, حيث يبدو على المستوى العملي ان هناك تفاعلا داخليا بين مصدر المخاطر وقابلية التأثر السريع بها. وهذا يقودنا ايضا الى ضرورة ان يتم التحرك على المستوى الاقليمي لدرء آثار ونشوء الكوارث الطبيعية. فمياه الأمطار التي تتجمع في طريقها الى الانهار والتي تحمل المفتاح المسبب للعديد من الكوارث, لا تعرف الحدود الوطنية أو السياسية, والأهم من ذلك التركيز المتزايد على ضرورة تقليص ظاهرة الفقر بين السكان وليس فقط البحث عن خلق الفرص ومجالات الثروة لهم. إن تمويل اعادة التأهيل للمناطق المتأثرة والتي تتدفق بشكل غالب على حكومات البلدان المتأثرة بالكوارث يمكن ان تربط بالسياسات التي تؤكد على أهمية الحد من آثار الكوارث. وعلى المدى البعيد يجب ان يتم التركيز على حُسن الادارة الحكومية لهذه العمليات وعلى الشفافية والاعتماد على التحرك الذاتي وفوق كل ذلك تخفيف حدة الفقر. ثانيا: يجب ان توحد الجهود بشكل أفضل وعلى كل المستويات في عمليات الاستعداد لمواجهة الكوارث. ويقدم لنا اعصار (ميتش) مثالا نموذجيا لما نحن بصدده, فعندما دمر هذا الاعصار عدة مناطق في امريكا الوسطى, كان عمال الاغاثة المحليين قد باشروا واجباتهم خلال ساعات, لكن وبعد اسبوع فقط بدا الارهاق وقلة الحيلة واضحين عليهم, اذ لم تعمل الأنظمة الوطنية الاخرى على خلق الروابط الضرورية معهم لدعمهم, كما ان النظام العالمي لمواجهة الكوارث يبدو قليل الحيلة للتدخل في الأطر الوطنية لمواجهة الكوارث. ان هذه النظم موجودة بالفعل على الورق بينما تتسرب الموارد التي تعمل على تفعيلها وتنفذ سريعا. ولكن الاجراءات التي لا تخضع للاختبار العملي والتي تنشر في الكتيبات الدعائية لأنشطة الاغاثة تنافق نفسها وتُظهر الامور وكأنها مكتملة أو تسير على أحسن وجه ويضيّع ذلك الاسلوب الاعلاني وقتا قيما محسوبا على الوعي بحجم المشكلة. ان الدروس الأساسية المستفادة من أساليب العمل الحالية هي ان النظم هذه تحتاج لأن تتم ممارستها بشكل عملي وان تصمم بالطريقة التي تلبي الاحتياجات وتتفق مع طبيعة الكوارث المحلية. وان الاستعداد والجاهزية لمواجهة الكوارث والقائمة على قاعدة المجتمع المحلي وقدراته الخاصة لا تكفي لتحقيق نتائج جيدة, خاصة اذا كان المستقبل يحمل نذرا بكوارث اكبر وأكبر. وأخيرا, فإن علينا التحدث بصراحة عن (فيروس نقص الانتباه) الذي أصيب به المجتمع الدولي. اذ يبدو علينا اننا نفتقد القدرة على المواجهة والتركيز على اكثر من كارثتين او ثلاث من الكوارث الكبرى في وقت واحد. ومثالا على ذلك, شهد الشهر الماضي 113 عملية اغاثة للهلال والصليب الاحمر حول العالم. ولا تشمل هذه الارقام العمليات والاعمال التي تتم في مناطق الحروب. ولكن وسائل الاعلام والبرامج السياسية لا ترى الا كوسوفو وفيضانات الصين وربما بنجلاديش, أما اعصار ميتش والذي يعتبر اكبر كارثة طبيعية تضرب شواطىء أمريكا الوسطى خلال مائة عام, والذي من الممكن ان يعمل على اخراج مسيرة السلام الهشة في تلك المنطقة عن مسارها, يتعرض للنسيان. صحيح ان المفاوضات تتواصل حول مشروعات اعادة التأهيل, ولكن الاحساس بطبيعة الاحداث الطارئة والالتزام بضرورة تنفيذ الاشياء يبدو انه قد انجرف بعيدا مع مياه الفيضانات. بيتر ووكر مدير سياسات الكوارث في جمعية الهلال والصليب الأحمر الدولية:خدمة (لوس أنجلوس تايمز)