التحاور مع غازي صلاح الدين العتباني, وزير الثقافة والاعلام السوداني, امر لا يخلو من الاثارة, فجانب انه طبيب طلق مهنته ليلج عالم السياسة الصاخب, فهو محاور لبق, واسع الثقافة, وسياسي محنك , وهو فوق ذلك صريح لدرجة لا يعرف معها التردد في الاعتراف بالخطأ او التقصير وان غلّف ذلك احيانا بحنكة ممزوجة برحابة وسلاسة لا تتفق والصرامة التي تظلل للوهلة الاولى قسمات وجهه. في ثنايا الحوار الذي امتد طويلا في مكتبه بالخرطوم, تذرع في معرض دفاعه عن اخفاقات الانقاذ بأن (ميراث الفشل) الذي تركه العهد الديمقراطي كان كبيرا, رغم ان سلطة الانقاذ اكملت عشر سنوات لا ينسجم معها (التحاجج) باسباب كهذه. ودافع عن الدستور الذي يعتبره اسلاميا يحفظ لغير المسلمين حقوقهم وعن حملات التعبئة التي تحمل الطابع الديني الحماسي معتبرا ان الخطاب الوطني السياسي له غايات وامكانيات محدودة, لكنه ايضا يسلم بأن عبارة (الدين افيون الشعوب) يمكن ان تكون صحيحة اذا اسيىء استخدامها. و اعرب عن تطلعه الى مرحلة يستقر فيها المجتمع السوداني على ثوابت ثقافية تنتفي معها الحاجة الى وجود وزارة للاعلام. وكشف ان وزارته تخطط لفتح المجال امام الاذاعات الخاصة ثم في وقت لاحق امام محطات تلفزة خاصة. واعترف بالتقصير في جهوده كوزير في كسر القيد الحكومي على الاعلام المرئي والمسموع لكنه عزا ذلك الى ضرورات مرحلية مؤقتة (ربما تنتفي بعد بضع سنوات) . واسهب في الحديث عن ملابسات اعتقال بعض المعارضين احيانا, خاصا بالذكر المحامي المثير للجدل غازي سليمان ملمحا الى ان امثاله يمكن ان يكونوا (حصان طرواده) لخدمة التمرد وجهات اجنبية. واقر علنا بأن الثقافة لم تنل الاهتمام اللائق في ظل هذا العهد مشيرا الى ان انفاق الدولة على مجال الثقافة لا يتجاوز (0.036) من الانفاق العام, لكنه بدا متفائلا بامكانية تجاوز هذا الواقع. ووجه هجوما ناريا الى الولايات المتحدة وقال انها لن تتجرأ على الدخول في السودان والا فإنها ستفشل كما فشلت في الصومال. وكان مدخل الحوار التالي نصه مع الطبيب الوزير هذا السؤال: كيف تحكم في هذه الوزارة بعقلية الطبيب ام السياسي؟ ــ الانسان يصعب ان ينزع نفسه من بيئته وثقافته ويمكن القول انني افكر بكلا العقليتين وهذه تركيبة صعبة ولكنها مفيدة احيانا, بمعنى ان دائما مفاهيمنا للسياسة لا تحقق فيها المعايير العلمية في العادة ولكن تستجيب للظروف والطواريء وللموجات وللامزجة اكثر من استجابتها لقواعد العلم, ولكن العقلية العلمية تضيف شيئا للسياسة, تعطيها عمقا ومعنى واحتراما اكثر, وانا حريص ان افكر بطريقة علمية وانا امارس السياسة. ولكن المفارقة ان طبيبا يشغل منصب الاعلام وفي الصحة رجل سياسي أليس من المفروض والمنطقي وضع الرجل المناسب في الاختصاص والمكان المؤهل اليه؟ ــ اعتقد الفرق هو فرق نماذج, في بعض الدول العربية يركز على موضوع الوزير باعتباره الشخصي المتخصص في الناحية الفنية في الوزارة, ولذلك يأتي وزراء لا يكاد ان تميز بينهم وبين الوكلاء في الوزارات, بمعنى انهم يأتون بما يكرهون او يحبون في المجال المعين. اما النموذج الاخر, فهو كما يقال الوزير الشامل, الوزير الذي يمكن ان يكون وزيراً للدفاع, للخارجية, للصحة وهذا اعتبره تجنباً واضحاً في البلاد الغربية, وانا اميل شخصيا الى هذا النوع من التعاطي في الشأن العام لان السياسي أو الشخص القائد, يستطيع ان يعبئ وان يلهم الاخرين من حوله وان ينظم الاخرين من حوله, لا ان يكون متميزا عليهم في الناحية الفنية بالضرورة. وتجربتنا ان الاطباء الذين قادوا وزارة الصحة لم تكن تجاربهم اكثر تميزا عن غيرهم. السيد الوزير انتم اليوم في جمهورية اسلامية ام علمانية, وبالتالي كيف يمكن وصف هذه الجمهورية؟ ــ نحن ننطلق من مبادئ الاسلام في صورة واضحة في الدستور ونعبر عن ذلك تصريحا وتعميما, بمعنى اننا نؤمن بأن القيم الاسلامية يمكن ان تطبق في العصر الحديث وان تستجيب لدواعي وتحديات الحداثة ولكن بالطبع نحن نعي ان الدستور يتيح للاخرين ان يجدوا حقوقهم, فهو دستور في نظري اسلامي ولكنه يعطي مساحة للاخرين في معيشتهم وحقوقهم, وهذا يعيدنا الى العهد الذي اقامه الرسول (عليه الصلاة والسلام) في المدينة, عندما اسس نظامه فقد تعاون مع اليهود وتعاون مع غير اليهود ومع غير المسلمين وكانت لهم حقوق في ذلك المجتمع, هذا هو هدفنا وهذا مسعانا. ولكن هناك تعبئة اسلامية, وكل الامور والشؤون تدار على خلفية دينية فقط, الا يشكل ذلك خطرا مباشرا على النظام؟ ــ هذا يعتمد على تعريفك لما هو ديني, نحن نعتمد ان الحياة كلها دين على مختلف الصعد, الرياضي, الصحي, الاجتماعي والسياسي, وفي اعتقادنا ان الاسلام دين شامل. يعني لا اظن ولا اخشى من ان التعبير ديني.. فالتعبير الديني قد يكون موحدا ومساهما في وسائل استجماع الارادة وحشد الارادات, نحن نواجه تحديات خطيرة في السودان, لا نستطيع بارادة واحدة واهنة وضعيفة ان نرد على هذه التحديات, لذلك كان لابد من أن نعبئ الشعب السوداني الذي اثبت قبل مئة عام انه استطاع ان يعبأ بدعوة ثورة دينية اقامها الامام المهدي واستطاع ان يطرد الجيوش التي كان يديرها البريطانيون.. لهذا قد يمكن استخدام التعبئة الاسلامية ليس للارهاب او للعنف أو القتال الداخلي ولكن التعبئة للناس حتى ينتجوا اكثر وحتى يتوجهوا في نياتهم الى الله سبحانه وتعالى فينقلب ذلك الى ارادة وعزم في داخلهم اكثر من استجابتهم لدواعي المادة فقط. ولكن لماذا لا يكون الخطاب خطابا وطنيا, بعيدا عن التعصب والمذهبية خصوصا وان المجتمع السوداني, كما نقر مجتمعاً تعددياً وقد برهنت الحروب وبناء المجتمعات ان الخطاب الوطني يمكنه ان يحقق منجزات عظيمة كما هو الحال في معظم الدول؟ ــ الخطاب الوطني له مقاماته وله ايجابياته ونحن نخاطب خطابا وطنيا عندما نحتاج او عندما تستدعي ارادات المجتمع المسلمون فقط.. لدينا خطاب وطني قومي عندما نتحدث عن الحرب.. ولكن هذا الخطاب له غايات محدودة وامكانات محدودة, انت تعلم ان الدعاوى الوطنية كانت دوما تهدف إلى الاستقلال ولكنها بعد الاستقلال كانت تقف لتسأل ما هو البرنامج الوطني الذي يقوم على (السودانية) مثلا, ماذا تقول الثقافة السودانية في الاقتصاد؟, لا تقول شيئا محددا, ماذا تقول الثقافة السودانية في القضايا والعلاقات العالمية؟, ولكن انت عندما تنتقل الى مستوى اخر من الخطاب الملتزم, هنا يأتي دور الدين, انت تجد ان الدين له طروحات على مستوى الحياة كافة, يمكن ان تستفيد من الحكمة, حتى التطور الديني يتحدث عن حقوق الانسان عن بناء المجتمع, عن حق المرأة والاقليات عندئذ لا يجديك الخطاب الوطني لانه في الغالب سيكون مقتبسا من النماذج الغربية ومغلفا بغلاف وطني. ولكن يقال ان الدين هو افيون الشعوب, فهل انتم تستخدمون الدين لتسكين او تخدير الشعب او الهائه عن مشاكله وهمومه؟ ــ طبعا يمكن ان يساء استخدام الدين, هذا وارد جدا وهناك امثلة تاريخية عدة على ذلك ووارد في حالتنا ان نسيء استخدام الدين ولكن الاهم من ذلك ان تكون واعيا, لذلك من المنطقي قد يكون ان الدين افيون الشعوب. اذا استخدمنا الدين للتعويل على الغيب وتخدير الشعوب باسم الدين, باسم الولاء, باسم القداسة والمنجزات التاريخية للحكم, اذ يمكن الاساءة باستخدام الدين واستخدام المال بالسياسة, ولكن هذا لا يمنع بأنه يمكن استثمار الدين استثمارا صحيحا, وهذا ما حدث في تجربة الرسول (عليه الصلاة والسلام) ونحن نحاول ان نتأثر به, ولا شك هناك مزالق خطيرة يمكن ان ننزلق اليها, وهذا وارد. هناك خوف من ان تصبح هذه السلطة أثيرة هذا الشعب, بعد ان عبأته, ماذا اعددتم انتم في حال سيطرة المتطرفين على شؤون الدولة او اذا تحكموا بارادة الشعب؟ ـ الضمان في هذه الناحية هو الطرح الواعي لما يبغيه الاسلام, يعني انت اذا عبأت الشعب جيدا, وان نمط الاسلام لا يستجيب لدواعي الحداثة ولا يستجيب للمشاكل الحقيقية وقلت له ان الانتخابات حرام, وان خروج المرأة الى العمل في حدود الشرع والوقار حرام وكذا وكذا حرام, ان اقفلت وسددت عليهم ابواب الحياة كافة فسينقلبون عليك يوما, ولكن نحن ننطلق دوما من اراء في الديمقراطية في حقوق المرأة والاقليات, لنا رأي في العلاقات الدولية, وهذا كله تضمنه الدستور, حتى لا نترك مجالا لأي احتكار او تعريف لأي حق من قبل اي مجموعة. ولكن هناك خشية من ان هذا التوجه قد يدفع الفئات الاخرى الى الانعزال او التقوقع الى ردة الفعل على الفعل, هل انتم في خطابكم تحاولون ان تكون المشاركة واسعة, واليوم سمعنا الدكتور رياك مشار, ينتقد ويقول ان الحكومة السودانية حتى الآن لم تلتزم وتنفذ تنفيذا كاملا اتفاقيتي السلام في الخرطوم, هذا فضلا عن اصوات الجنوب وفي الشمال والشرق والغرب يعول على هذا الخطاب, فما هو ردكم على هذه الانتقادات لابل المطالبات؟ ــ نحن ولا شك ننطلق ونعمل من قاعدة انه لا يمكن ان تدعي مواطنا او تدعوه للعمل اذا لم يشعر انه مواطن من الدرجة الاولى وله كامل الحقوق والواجبات كما لأي مواطن اخر, وهذا واضح وثابت في الدستور الذي يؤكد على المواطنة, انا اعلم ايضا ان هناك قوانين اجتماعية تعمل بقوة وبفاعلية اكثر من الدستور, فالدستور الامريكي مثلا لا يوجد احد مستثنيا من امكان الوصول الى رئاسة الدولة ولكن عمليا نعلم ان القانون الاجتماعي يعمل بفاعليه اكثر من الدستور, فلا يمكن لمسلم او زنجي ان يصل الى رئاسة الدولة في امريكا.. هذا شيء يعالج بالتعليم وبالتنوير وبالتأهيل للمجتمع وهذه عملية متدرجة وناضجة.. نحن حريصون على الا نحتكر رؤية واحدة للاسلام فنحن واعون ان هذه من النقاط التي يمكن ان نضرب من خلالها, حيث نعطي للاخرين فرصة الانعزال والتقوقع والتطرف وينقلبون ضدك, ولذلك نحن نقول لتكن الشريعة هي المصدر الموحي لنا, ولكن نحترم تعدد التشريعات ونسمح بالتعددية الفكرية والتنظيمية, وما ذكرته عن انتقاد رياك مشار هو نفسه خير تعبير عن الامكانات المتاحة للاخرين ليقولوا ما يريدون. وهذا الذي ينتقده رياك مشار, ان صح فهو ليس من خطأ الاسلام ولكن من خطأ الحكومة, عندئذ يمكن ان يأتي الناس ويقولون هذه الحكومة لا تلتزم الدستور الذي هو اسلامي, ويجب ان تغير نحن نقبل هذا. من المآخذ على السلطة في السودان, انها حتى الآن لا تزال دون هوية واضحة لجهة الولاء, اي اما ولاؤها للجيش او للمؤتمر الوطني خصوصاً وان المؤتمر الوطني قد يكون جامعاً, فيما الجيش مؤسسة قد تطغى على توجيهات الحكومة. ــ توجهاتنا واضحة جداً, المؤتمر الوطني هو الآن الحاكم. هذا نظرياً ولكن الجيش ايضاً يلعب دوراً اساسياً في ادارة الشؤون في البلاد. ــ الجيش يحرس الدستور ويحرس الحكومة انطلاقاً من حراسته للدستور لكن اذا تغيرت هذه الحكومة وجاءت حكومة اخرى فهو ملزم بحراستها ايضاً من ناحية واجباته في الدستور. لا عضوية للقوات المسلحة في نظام سياسي, لا عضوية للقوات المسلحة على الدستور الذي يمكن ان يتغير. ولكن لماذا الحكومات بحاجة الى حراسة الجيش طالما انها تعمل من اجل (مصلحة المجتمع) لماذا الجيش هو احد العوامل المؤثرة في تكوين السلطات. ــ هناك محاولات لاضفاء دور على الجيش السوداني كالجيش التركي ولكنني اؤكد لك ان هذا ليس في تفكيرنا, نحن لا ننفعل بالنموذج التركي, ولكن اذا جاءت حكومة شرعية فواجبات الجيش ان يحمي هذه الحكومة ويحمي المؤسسات اضافة الى حدود الدولة, بمعنى ان الجيش لا يفرض مضامين الدستور, لا يفرض على الشعب آليات التغيير الديمقراطي. انتم كوزير للاعلام الجيش حامي وحارس الاعلام ماذا وكيف تفكرون به؟ ــ الاعلام حتى الآن في السودان عندنا واقصد الاعلام الرسمي على مستوى الاذاعة والتلفزيون مقيد, ولكن ليس هذا بالتصور النموذجي. انا اتصور ان المجتمع عندما يستقر على ثوابت يكون الاعلام ثقافة للمجتمع اكثر منه ايديولوجية لدولة لذلك لابد للمجتمع ان يكون هو المعبر الثقافي والاعلامي الاول, وبالتالي تزول الحاجة الى وزارة اعلام اطلاقاً. فعلى مستوى الصحافة نحن الى عهد قريب كانت الصحافة مملوكة من قبل الدولة, الآن ليس للحكومة صحيفة واحدة لذا نحن في سياستنا ماضون الى فتح المجال امام الاذاعات الخاصة, بعد قليل وربما نتطور في المستقبل القريب الى فتح المجال امام التلفزيونات الخاصة. تقرون بتقييد الاعلام, سؤالي من الذي يقيد الاعلام, ولماذا لم تعمل انت كوزير للاعلام من اجل كسر هذه القيود, وجعل هذه المؤسسات الاعلامية تعبر عن هموم المواطن ومشاكله وليست بوقاً للسلطة؟ ــ عندما ذكرت مقيداً, قصدت مقيداً بسياسات السلطة واقصد مثلاً ان القانون حتى الآن ينص على ان البث الاذاعي والتلفزيوني محتكر, هذا طبعاً ورثناه من الماضي, حتى عندما كانت حكومات حزبية. ولكن اصبح لكم عشر سنوات في السلطة, فلا يمكن ان نتكلم عن موروثات او (تركة) من العهود الماضية؟ ــ انا متفق معك والمسألة هي قضية تتدرج, وهذا موجود في معظم الدول الغربية. ولكن لماذا نتطلع الى الاعلام في العالم العربي ولا ترون ما يجري في دول عالم الغرب او المتحضر؟ ــ نعم لقد قلت لك واعترفت لك بالتقصير, ولكن حتى الآن هو كذلك لأسباب منها ان هذه التجربة توارثناها من الماضي, حتى عندما كانت هناك حكومات ذات اتجاهات ليبرالية ــ ديمقراطية على النمط الغربي, كان الاعلام محتكراً لجهاز الدولة.. نحن نظن اننا نحتاج لهذا الوضع لبضع سنوات اخرى لاننا مجتمع فيه قدر من الهشاشة والخصوصية, فنحن دولة تمتد على مليونين ونصف مليون كيلومتر مربع, وفيها تنوعات وتعدديات تعبر عن نفسها بعنف احياناً كالحروب بين القبائل وعلى شكل تمردات, لذا يمكن ان يلهب الاعلام هذه الاوضاع (الهابا) لا يمكن ان يتصوره انسان. كما يمكن ان يساهم في اطفائه؟ ــ ولذلك نحن نرى الآن في حدود احتكار الاعلام المرئي والمسموع, مع الاشارة لو انك ترى هذه الوسائل او تسمعها, فترى ان الاحزاب المعترف بها من قبل الدستور, تمارس دورها ولها آراؤها وتعبر عنها سواء في التلفزيون او الاذاعة, حتى ان هناك من لا يعترف بالدستور ويوالي المجموعات المتمردة على السلطة خارج السودان, يسمح لها احياناً بالتعبير عما تريده في التلفزيون السوداني.. ولكن اتفق معك المثال حتى هذه الدرجة, اي ما ان يستقر المجتمع ويتماسك على مسلمات الوفاق الوطني, وارجو ان لا يكون ذلك بعيداً, هو الاحرى بأن يعبر عن نفسه طوعاً وليس بتوجيه من السلطة الحاكمة. ولكن طالما انتم تسيرون وتوجهون الاعلام, كيف تتمكن المعارضة من ايصال صوتها, فهل يجب ان تنال رضى المسؤولين التابعين للسلطات ام ان هؤلاء يتمكنون من اعطاء فرصة للمعارضة للتعبير عما تريده؟ ــ الاحزاب المسجلة وفق الدستور, لديها كامل الحرية مثل الحزب الرسمي, مثل المؤتمر الوطني, هذا في مجال الصحافة المقروءة بات غير تابع لنا, حتى ان قانون الانتخابات العامة ينص على انها يجب ان تعطي فرصا متساوية لكل المرشحين, سواء لرئاسة الجمهورية أو مرشح لدائرة انتخابية على مستوى الوطن والولائي, تتاح له الفرصة نفسها, الوقت ذاته الذي يتاح لمرشح السلطة, وفيما عدا ذلك ولا شك اخبارهم تتناولها نشرات الاخبار, واذا ما كان لديهم نشاط. معالي السيد الوزير, تتكلم عن حرية تعبير, وبالامس المحامي غازي سليمان يحتج على منع عقد الاجتماعات حتى في دار نقابة المحامين كيف تبرر ذلك؟ ـ غازي سليمان يرفض الدستور, يريد ان يعمل خارج اطار الدستور وهذا نوع من السخرية عندما يحاول ان يخدعنا, نحن لا ننخدع ولسنا سذجا, نحن نقول له هذا الدستور, تعال وسجل ومارس حقوقك كاملة بسلم, لا تمارس العنف, ولكن لا تقول لي انا أمالق وأؤيد حركة التمرد لجون قرنق التي لا تعترف بالدستور وانها تسعى الى اسقاط السلطة, وان احتلال السودان, وهي معبر للدوائر التي لا تريد خيرا للسودان.. وتطالبني بأن أتعامل معك. ولكن السيد الوزير, لماذا غازي سليمان وغيره من المعارضة يحتجون, لولا وجود ثغرات, ومنها كما يقولون ان هناك أحكاما وقوانين تقيد العمل السياسي, فهل أنتم تستمعون لهذه المعارضة ولماذا لا تأخذون برأيها اذا كانت محقة وديمقراطية؟ ــ المعارض من الداخل, كغازي سليمان, اذا كان حصان طروادة أو طابورا خامسا طبعا لا نعتبر هذه ميزة ولا ايجابية, بمعنى انه يخدم أغراض جهات خارجية, وهذا ليس مدحا في شأننا.. نحن على المستوى الشخصي يمكنك ان تعبّر عما تريد في مطلق الحرية ولا تعاقب, أمثال غازي سليمان لا يسمح لهم بالكثير من دول الجوار بأن يعبروا حتى على المستوى الشخصي, ولكن فنحن نقول لهم (سب) الدستور وكل ما تشاء عن الحكومة وهو يقول ولا يمنع ولكن لا تقل لي انني على الرغم من انف الدستور ورغم انف الحكومة سأنشيء تنظيما لاسقاط الحكومة وللتعامل مع المتمردين خارج الدولة. ولكن كيف يمكن لشخص يريد ان يعمل وان يغيّر الدستور ولا يستطيع الاجتماع مع عشرة أشخاص؟ ــ لم يمنعه أحد من الاجتماع, ولكن اذا وجدت شرطا قانونيا فلابد من ان يلتزم كل مواطن بهذه الشروط. السيد الوزير.. هل نجح الاعلام في السودان في ابراز القضية السودانية, وأقصد الحصار المفروض على السودان وقصف معمل الشفاء ونتائجه؟ ــ الى حد ما عندما خرجت الفضائية السودانية, خصوصا في منطقة الخليج ولاسيما بين السودانيين المغتربين وبين اخواننا العرب, بدأ هؤلاء يتعرفون على القضية السودانية, واستطعنا ان نكف عنّا الكثير من الاذى, ولكننا لا نزال أمام منازلة القوة للاعلام المضاد, هذا الاعلام الذي يستند على الحضارة الغربية التي ترى فينا خطرا دائما بالنسبة لها.. احيانا ايضا استخدمنا ثقل الخصم في ان نصرعه, كما فعلنا ابان قصف معمل الشفاء ونجحنا في ذلك في صورة واضحة, ولكن درجة نجاح الإعلام السوداني يمكن القول انها تتجاوز مقدراته, ولكن في الاطار الكلي هي اضعف من ان تواجه الاوروبي والامريكي. هل الاعلامي أو الصحافي في السودان, لديه حرية عمل ونقد, خصوصا وانه تنامى الينا انكم تراقبون الرقابة المسبقة على مراسلي الوكالات الاجنبية ولاسيما منهم السودانيون؟ ــ يقال لنا هذا من اناس كثيرين, يأتون الينا في السودان, هناك مساحة للحرية قد يصلون بها الى درجة التشهير والوقاحة السياسية أكثر منها الى المهنية السياسية.. على كل عندما تقوم اذاعات وتلفزيونات خاصة سيكون هذا شأننا, أي الحرية المطلقة, وهذا بدأ على مستوى الصحافة, وما قول وتصريحات الذين ذكرتهم كغازي سليمان سوى صورة واضحة عن حرية العمل والتعبير للصحافة. من الاعلام الى الثقافة, ماذا حققت على مستوى الثقافة؟ ــ وجدت ارثا, ولا أقصد على مستوى الادارة, إنما على مستوى المفاهيم العامة لدى الحكومات جميعا بما فيها حكومة الانقاذ الوطني, أي انها لا تعطي أولوية للثقافة, هناك عدم وعي داخل الحكومات لأهمية الثقافة التي من شأنها ان تشكل تنمية وتربية المواطن, لا بل تشكل قناعات المواطن ورغبة المواطن في التمرد على السلطة هي تعبير ثقافي في مستوى من المستويات, انسجام الانسان مع مجتمعه هو ايضا تعبير ثقافي. ولكن هذه المسألة مغيبة تماما عن أذهان الحكومات والثورات, وأنا اقر وأعترف بأن الثقافة في السودان لم تنل حظها في العهد الحالي, على الرغم من اننا أقمنا هذا العام نشاطات عدة فأعلنا هذا العام عام الثقافة في السودان, وأنشأنا مشروعات قومية كمشروع المكتبة الوطنية ومشروع صالة العرض الوطنية ستخصص لعرض أعمال الفنانين التشكيليين السودانيين, ولديهم أعمال رائعة, أنشأنا فرقا قومية في الموسيقى والفنون الشعبية وبدأت هذه الفرق تعزف خارج السودان, أنشأنا مجلسا للتخطيط القومي للثقافة ويضم رجالات من نخبة المثقفين وهو يشكل حلقات وسط ووصل بين الحكومة والمجتمع والان نخطط لحركة ثقافية فاعلة نشطة في العام 1999, وارجو أن يأخذ العمل الثقافي في حيزه لان لاعمل اعلامي من دون ثقافة, لاتنمية من دون ثقافة, لا ديمقراطية من دون ثقافة, لاتطور من دون ثقافة. لاحظنا خلال تجوالنا وفي الادارات والمقرات عامة, غياب اي مظهر ثقافي, السيد الوزير, المطار بحاجة الى اعمال الفنانين التشكيليين الطرقات تبدو صحراء, أين هو مسعاكم ولماذا لم تقوموا باقامة اي نصب أو تمثال أليس هذا تقصير منكم؟ ــ ولاشك ان هذا تقصير, وانا اعترف بذلك, وهذه المسألة كما ذكرت لاتشغل اي حيز في تفكير المسؤولين, كل الحكومات بما في ذلك الانقاذ: يعني انا راجعت الانفاق على الثقافة ووجدت ان متوسطها كان في السنوات العشر الماضية 36%, أي ما يعادل 0.036 بالألف من الانفاق العام, طبعا هذا شيء معيب ومحرج ولكنني أحاول واعتقد أنني بدأت في تحقيق بعض مانفكر به ولو على مستوى مجلس الوزراء. هل تتوقع ان تستجيب السلطات السودانية لهذا التوجّه في ظل المشاكل التي يعاني منها المجتمع وما أكثرها في السودان؟ ــ نعم, انا اؤكد لك ان مجلس الوزراء والسلطات المعنية بدأوا يشعرون بأهمية الثقافة واتوقع في الموازنة المقبلة ان تتضاعف هذه النسبة من الانفاق ونسعى لاستنهاض الامكانات المجتمعية الخاصة, من خلال صندوق دعم الثقافة بحيث يقوم بتمويل المشاريع الثقافية بالاشتراك مع المساهمات الحكومية, والتي يجب ان تزيد عما هي عليه وهذا الدعم نتأمل ان يحصل من القطاعات الخاصة, من الصناعيين من رجال الأعمال. السيد الوزير, تقول وتعترف انه من دون ثقافة لايمكن ان يتطور المجتمع, في منظار الطبيب, هل استطعت تشخيص حالات المرض في المجتمع السوداني, وهل الدواء متوفر؟ ــ كل أمراض المجتمع السوداني (ويضحك) هذه لاتحتاج الى طبيب تحتاج الى مؤرخ, ولكن بما انني اتعاطى واعيش حالات المجتمع ولاشك استطعت تشخيص بعض اوجه المعاناة, ولكن لا استطيع القول إنني احيط بها كلها. من الوصفات سؤالي لك هل يمكن ان تتحقق الديمقراطية في مجتمع ديني؟ ــ يمكن أن تتحقق بصورة أفضل من مجتمع لاديني, الذي يمكن ان يتحول الى مجتمع اباحي, بمعنى ان تطور المجتمعات الغربية وقيامها ومنشآتها كان نتيجة التأثير بالقيم المسيحية, ولكن مع تطور هذه المجتمعات بدأت تتخلى عن هذه القيم.. ولكن لابد من التنويه الى ان هناك فارقا في النظرة الى الديمقراطية بين مجتمع غربي ومجتمع اسلامي متدين, بمعنى ان واحدة من اوجه الخلاف بينهما هو ان الديمقراطية في المجتمع الغربي لا مرجعية لها, بمعنى انها يمكن ان تتخذ أي قرار ولو كان ضد الانسانية بإجراء ديمقراطي, وأعطى مثالا ان مبادىء وقوانين اخلاقية اخترقت الان في الغرب وكل ذلك باسم الديمقراطية, ايضا العلاقات الجنسية الشاذة هذه ابيحت بقرار ديمقراطي, وهذا لايمكن ان نراه في الديمقراطيات الاسلامية أو المسيحية. هذه نتيجة الثورة الصناعية وما اعقبها من تطور في المجتمعات الغربية؟ ــ هناك ظاهرة التيارات النازية, وهذه لايمكن ان تؤطر في اطار التطور الديمقراطي. ولكن ألا يوجد في السودان مثل هذه الظواهر؟ ــ أنا اتكلم عن ظواهر تقنن وتصبح جزءاً مشروعا من تفكيرنا واخلاقنا وهو الذي يحصل الان في اطار الحضارة المادية, اي ظاهرة شاذة قد يقنن, قتل الرحم يقنن, العلاقات الشاذة تقنن, الاجهاض يقنن, النازية والتيارات العنصرية تقنن. ولكن في المقابل حق المرأة تقنن, وحق المرأة الى القيادة يقنن حقوق الانسان تقنن. ــ نعم, انا التقي مع الديمقراطيات الغربية في هذه التوجهات, ونحن نقول ان عناصر الديمقراطية الرئيسية هي: المحاسبة, الشفافية وغيرها من العناصر التي نؤمن بها ونطبقها ولكن بحرص أكثر وبتشديد اكثر على ضرورة التزام بهذه المفاهيم التي يأخذ بها الاسلام, لابل قد تنجح في اطار اسلامي أكثر من اطار غربي لاديني, لان محصلتها النهائية هي تدمير المجتمعات اللادينية, بينما نحن نعمل دينياً للحفاظ على هذه المجتمعات وابعاد عنه كل ما يخل بها. ولكن مادور الاقليات في هذه المجتمعات الا يخشى ان تهاجروا أو تترك هذه البلدان؟ ــ نحن الان في دستورنا نتحدث عن المواطنين وان المواطن اساس الحقوق من دون النظر الى لونه أو انتمائه أو عرقه وعمليا المسيحي في السودان له من حقوق ماليس للمسلم في الولايات المتحدة الأمريكية, المسيحيون في السودان لديهم مناصب عليا: نائب رئيس الجمهورية مسيحي, على مستوى الوزارات على مستوى النواب والولاة.. والمسيحي يستفيد من الاجازة يوم الجمعة كما يأخذ عطلته الاسبوعية يوم الأحد, بينما في أمريكا لا إمكانية لديك لاقامة أو للذهاب الى صلاة الجمعة وليس لهم أي نائب في الكونجرس الأمريكي. السيد الوزير, يقال انكم لجأتم الى هذا الوضع لإعطاء أو لاظهار صورة جيدة عن النظام السوداني الحالي, المتهم والملاحق للتعصب وللارهاب, في محاولة للرد على اتهامات الغرب ورداً على الحصار الأمريكي؟ ــ طبعاً هذا حكم على النوايا, وأنا لا يمكنني ان أحكم على النوايا, ولكنني أؤكد لك ان هذا قائم كان قبل الحصار ومنذ مجيء ثورة الانقاذ, ولكن أنا اسألك ماهي حقوق الأقليات الان في أوروبا, حتى انهم يمنعون المرأة من ارتداء (الخمار) , ولايسمح لهم بأمور عدة, حتى على مستوى قانون الأحوال الشخصية, فكيف يقال ان الأقليات مضطهدة عندنا. السيد الوزير ألا تتخوفون من نشوب حروب طائفية كتلك في كوسوفو أو في لبنان, خصوصاً وأن الاراضي السودانية مهيأة لذلك؟ ــ أنا لا أرى ذلك, فالأمور كما تتطور, تتجه الى الأحسن, هناك الان اتفاق على الدستور في الوقت الذي فشلت فيه الأحزاب من وضع دستور جامع وخاص لحقوق الجميع.. طبعاً التحديات امامنا والمخاطر موجودة ولكنني لست قلقاً مما سيحدث, وبالعكس نحن نعمل للمضي الى مجتمع أكثر استقراراً ولكن في اطار من القيم والظواهر المجتمعية الصحية. ولكن ألا تخشون من ان يستغل الغرب ولاسيما الولايات المتحدة هذا الحال, كما حصل في كوسوفو, ويدخلون من باب حماية الاقليات, خصوصاً وان الجنوب لايزال مسرحاً للاقتتال, السيد الوزير بكل صراحة ماذا اعددتم لاقفال الطريق امام هكذا محاولات؟ ــ هذا أصبح خبزنا اليومي, قدرنا ان نكون في حال تصدي مستمر وقد نجحنا في أحيان كثيرة من التصدي لهذه المحاولات, كما حصل في مصنع الشفاء للأدوية, عندما أثيرت قضية الرق أيضاً استطعنا النجاح, حتى ان المنظمة الدولية لحقوق الانسان طردت العقيد جون قرنق من اجتماعاتها, بعد ان تبين ان لاصحة لهذه التجارة, خصوصاً وان المستهدف كان العرب, وبالفعل استطعنا انهاء هذه المسألة وردها على أصحابها, وبالتالي النتيجة كانت طرد (منظمة التضامن المسيحي) , وهي بعيدة كل البعد عن المسيحيين من المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة. في سؤال أخير: الجنوب نازف, الشمال منسلخ وفي الشرق مشاكل, كيف ترى المستقبل في السودان؟ ــ هذا تعبير مبالغ فيه, لا أظن ان الجنوب ينزف, أنت زرت منطقتي آبار النفط في (هجليج) , هذه كانت منطقة نزاعات قبل خمس سنوات واليوم هي منطقة تعطي زخماً ودفقاً للحياة, باتت مورداً رئيسياً للبترول وللتنمية وستكون وهي الان من أفضل المناطق التي تعيش بسلام, وأنا أوضح ان الجنوب الان أقل نزفاً مما كان قبل سنوات, ونحن نعاني الان من مشاكل حدودية, من اختراقات أوغندية, ولكن الحمد لله لقد شغل الان بنفسه في أماكن أخرى.. أيضاً على الخط الشرقي هي ظاهرة حدودية أي مع اريتريا التي اعلنت قيادتها انها ستعمل على تغيير النظام في السودان وانها على استعداد لتقديم السلاح والعون لكل من يريد ان يغير أو يقاتل النظام السوداني.. أيضاً قالوا انهم سيقطعون الطرقات لم يستطيعوا, قالوا انهم سيضربون خطوط النفط وفشلت حتى الان.. يأخي هذه ظواهر خارجية أكثر منها داخلية. الان المجتمع في السودان أكثر استقراراً.. الان الجنوب في السودان أكثر استقراراً ودخولاً في السلام, لا بل لأول مرة منذ العام ,1956 بقي الجنوب عالة على الوطن, أما اليوم فهو يساهم في الاقتصاد الوطني, ولكن ولاشك الخطر داهم ومستمر خصوصاً اذا نظرنا الى تفكير بعض الدول المحيطة والمجاورة, حتى الأمريكيين. هذا الذي نرمي اليه, الدخول عبر هذه البوابات أو النوافذ لغرب السودان؟ ــ أنا أقول لك انها فاشلة, وأنا اسخر أمامك الان وعلى العلن وفي الاعلام من الولايات المتحدة الأمريكية, جاء رئيسها وجاءت وزيرة خارجيتها واعلنا دعمهما هذه الدول لاسقاط النظام في السودان.. هذه الدول التي كانت تعول عليها أمريكا بعضها (ماسك بخناق البعض الان) . ولكن أنت السياسي والطبيب, هل فعلاً الأمريكيون عاجزون في السودان؟ ــ نعم عاجزون, عجزوا في السودان عجزوا في الصومال وصولاً الى دول عدة وحتى فيتنام. ولكن الم تر ماذا فعلوا في يوغسلافيا, بحجة كوسوفو وحماية أهلها وهو واجب؟ ــ أنا أرجو ألا يدفعهم الجنون الى فعل في السودان ما فعلوه في يوغسلافيا. حاوره في الخرطوم: طوني شاميه