امن لبنان من الامن المائي في الشرق الاوسط) .. من هذه العبارة المختصرة لواقع الحال, ينطلق الخبراء والسياسيون والاستراتيجيون لتلمس المسقبل اللبناني على ضوء (الامن المائي الاقليمي) . في هذا المجال, وحسب رأي الباحث في (المركز اللبناني للدراسات) فؤاد بولس فان نهر الليطاني يحتل المكان الابرز اذ انه رغم كونه نهرا لبنانيا مئة في المئة, فان هذا لم يمنع دخوله دائرة الصراع العربي ـ الاسرائيلي, فمنذ مطلع القرن الحالي وتحديدا عام 1905 وضع اول مخطط (مشروع WIL BUSH) لتحويل مياه الليطاني الى الحاصباني فبحيرة طبرية. وكررت سبحة المطالبات بجعل الليطاني جزءاً من اراضي فلسطين قبل قيام دولة اسرائيل, وتتابعت المطالبات بمياه الليطاني, في غضون ذلك كثر الباحثون والكتاب اللبنانيون والعرب والأجانب الذين يؤكدون تحويل الليطاني فعليا الى داخل اسرائيل لتأمين حاجاتها المائية. لكن وفي المقابل يلفت بولس الى ان هنالك مقالات عدة تنفي حدوث مثل ذلك التمويل, وهي تستند الى عدم وجود تقارير محايدة (كتقارير الأمم المتحدة) تؤكد ذلك أو تنفيه. الا ان من المؤكد ان حاجة اسرائيل الى المياه لاجدال حولها, كما ان اطماعها التاريخية في مياه الليطاني لا تحتمل الشك وان كان البعض يحاول ان يخفي الاطماع وراء اصابع الادعاء من مثل ما نقرأه في تقارير صادرة عن بعض الباحثين خاصة الاسرائيليين لجهة التأكيد. ان تحقيق المشاريع على ضفتي الليطاني لا يبقي من مياهه الا 100 مليون متر مكعب سنويا, وتاليا فان لا مصلحة لاسرائيل(!) في هذه الحالة لمثل هذه الكمية الضئيلة لان حاجتها لا تقل عن 600 مليون متر مكعب سنويا. الحاجة الاستراتيجية والتكتيك يقول المهندس جورج حاتم ان هذه الحاجة الاسرائيلية أوصلت أزمة المياه في منطقة الشرق الأوسط وستوصلها الى أكثر فأكثر الى منعطف بالغ الأهمية حيث ان معظم بلدان هذه المنطقة مهددة بان تسجل مواردها المائية عجزا ضخما في مقابل تلبية احتياجاتها. هذه هي الحالة خاصة في اسرائيل والاردن والاراضي الفلسطينية حاليا, في حين يعتقد بعض الخبراء ان المشكلة نفسها قد تمتد أواخر هذا العصر الى بعض المناطق السورية ايضا. وتبين الدراسات ان اجمالي هذا العجز قد يبلغ حاليا ما يقارب ملياري متر مكعب في السنة. وتظهر ان هذه الأزمة ليست حديثة بطبيعة الحال, إذ ان العديد من الخبراء كانوا يحذرون من الوصول إليها منذ سنوات عديدة. والأمر الذي يزيد الوضع تعقيدا أكثر, حسب واضعي تلك الدراسات, هو ان أكبر نسبة من الموارد المائية في تلك البلدان المهددة هي موارد (دولية) , أي ان مصادرها هي أنهار تمر عبر أراضي عدة دول, ولا تعترف بطبيعة الحال بالحدود أو الفروقات السياسية. ويعني ذلك ان أي قرار يجب أن يؤخذ بخصوص تلك الموارد, يجب أن يأتي نتيجة مباحثات واتفاقيات ما بين الدول المعنية. اسرائيل والأمن المائي ويعطي المهندس حاتم هنا مثالا حيا على ذلك, فيقول: (حين كانت مشكلة المياه والموارد المائية أيضا موضع اهتمام, بسبب قلتها من جهة, ولانها تمر في بلدان عدة. في الوقت نفسه, من جهة أخرى, فقد طلب الرئيس الأمريكي الراحل ايزنهاور في أوائل الخمسينات القيام بدراسة لتوزيع تلك المياه الاقليمية على دول المنطقة, فولدت آنذاك (خطة جونستون). لقد شكلت هذه الخطة محور استهداف مائي اسرائيلي استراتيجي لمياه لبنان وما زالتو خاصة وانه سبقها. ويشير الدكتور وليد عربيد (الاستاذ في معهد الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية في باريس), مخططات صهيونية تبحث عن وضع المياه اللبنانية وتغذية بحيرة طبرية. وهنا يتساءل د. عربيد قائلا: هل من الضروري التذكير بان اول مخططات اسرائيل كما رسمها دير ميلك عام 1944, كانت تلحظ استخدام مياه الليطاني وانه خلال غزو لبنان (عام 1982) كانوا يقولون ان الهدف الخفي لهذه العملية هو السيطرة على النهر؟ لقد تردد كثيرا ان اسرائىل تحفر قناة لمجرى يؤدي الى الليطاني بالقرب من قلعة (الشقيف) وذلك لجلب المياه عبر وادي الحاصباني حتى بحيرة طبرية. ولكن: ليس هناك من برهان اكيد لوجود مثل هذه القناة, كما يعتقد الخبير الامريكي جوهن كولارز. وينطبق الوضع ايضا على مياه الاردن والليطاني, وهو ما لحظته الحركة الصهيونية, فعملت على ان تدخل في المجال الارضي ما يأتي: في عام 1948 كانت اسرائيل تشرف على ينبوع, دان, وفي عام 1967 استولت على نهر بانياس ـ وفي عام 1967, ايضا استولت على نبع الحاصباني وهي منذ عام 1982 تحتل جزءا من مجرى نهر الليطاني. وتقول الكاتبة والباحثة اليزابيث بيكار في مقالة لها: عندما نتفحص معضلات اقتسام المياه في حوض الاردن في وقتنا الحاضر, لا يمكن الا ان نصدم بواقعية المخطط المقترح في الولايات المتحدة عام 1953 (مخطط جونستون الذي اشرنا اليه) ان البلاد العربية رفضت في بادىء الامر انسجاما مع وضعها السياسي وجود اسرائيل في المنطقة. لذا تكتب الباحثة الفرنسية فرنسوان سيبو في صحيفة (لوموند) (ان وضع مختلف البلدان في هذا الجزء من الشرق الاوسط غير متجانس, فاذا كان اللبنانيون والسوريون غير متأثرين في الوقت الحاضر بنقص المياه, الا انه من الواضح ان الضفة الغربية من الاردن والجولان وجنوب لبنان المحتل في اسرائيل, تمثل مناطق ذات اهمية حيوية لاسرائيل) . لذلك الكلام نكهته التحذيرية خاصة عندما نتذكر ان 67% من استهلاك اسرائيل في المياه يأتي من خارج حدود 1948, و35% من الضفة الغربية في الاردن, ومن روافد الاردن و22% من هضبة الجولان. لذلك ـ يقول عربيد, فانه اذا استمرت اسرائيل باحتلال هضبة الجولان الغزيرة بالمياه, بما فيها جزء من لبنان (الشريط المحتل) فانها تكون قد امنت السيادة على ثلاثة عناصر تؤلف مجرى الاردن العالي, اي على نهري الحاصباني في لبنان, وبانياس في سوريا, وعلى ينابيع (دان) في اسرائيل وهذا ما سعت اليه اسرائيل منذ قيامها بضم سبع قرى لبنانية عام 1949. لذلك, يرى المعلق العسكري الاسرائيلي زئيف شيف, فان ضم الجولان الى اسرائيل في 14 سبتمبر عام 1981, قدم فائدة مائية استراتيجية مزدوجة (بالنسبة للعدو) فعمدت اسرائيل, كما يفسر رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق اسحق شامير, الى ترجمة احتلالها للجولان (عبر قرار قضائي) . والمبرر الاساسي للتثبيت الاسرائيلي بالجولان هو ان هذه الهضبة تسمح لاسرائيل بالسيطرة على مصادر مياه رافدي الاردن, الحاصباني وبانياس, والتي تساهم في ثلثي منسوب النهر بتقديم ما يقارب من 12.5 مليون متر مكعب في السنة, واضافة الى ذلك, فانه بدءا من جنوب الجولان يمكن التحكم تماما ببحيرة طبرية التي تقدم ربع المياه التي تستهلكها اسرائيل, كذلك فان الهضبة السورية المحتلة تؤمن السيطرة على نصف شواطىء اليرموك. رفض لبناني لتوزيع المياه لذلك تعتبر اسرائيل ان اعادة توزيع, حتى ابسط الموارد القائمة هو رهان على لاشيء, بل بالعكس من ذلك فهو مضاد للمشاريع الجماعية بالنسبة الى المياه المتوافرة. وهنا تطرح برأي الدكتور عربيد فكرتان: الاولى وهي استيراد المياه, والثانية تشغيل منشآت مشتركة عربية ـ اسرائيلية على اساس اقامة محطات لتحلية مياه البحر على شاطىء المتوسط. تعتبر الفكرة الثانية هي اقتراح تجميع مياه اليرموك بقصد تغذية الاردن والضفة, ان سحب المياه من تركيا في انابيب تحت البحر وانشاء قناة تسمح بتموين سوريا والاردن والضفة من الانهار التركية, والسماح لاسرائيل بسحب مياه الليطاني في مقابل الكهرباء, واخيرا استيراد المياه من النيل الى قطاع غزة بواسطة قناة تعبر سيناء, كل هذه المشاريع ستفرض على الاردنيين والفلسطينيين ان يعدلوا عن مطالبتهم باليرموك. مواقف عربية وقبل الوصول الى الموقف اللبناني, يمكن الاشارة الى مواقف عربية بذلك الشأن, اذ ان الكثيرين من الاخصائيين على اقتناع بان رغبة العرب من اردنيين وفلسطينيين تنطوي على حق شرعي بالنسبة الى المشاريع المائية الاردنية التي تستخدمها اسرائيل في الوقت الحاضر, ويريد الفلسطينيون اعترافا بمبدأ السلام في مقابل الارض واقامة ادارة فلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية. هذه هي الشروط لكل مفاوضة حول موضوع المياه. ويؤكدون ان الاكثر اهمية بين كل هذه الحالات هو مراقبة الموارد المائية, مشددين على ضرورة الاتفاق على حصة دنيا مقدارها 220 مليون متر مكعب سنويا. ان وضع الاردن يحتم القول بان توزيع الموارد المائية يجب ان ينتقل من حالة عدم التوازن الى المباشرة باستخدام المياه بصورة عادلة. ويفكر الاردنيون ان جيرانهم اغتصبوا حق بلادهم, عدا ان وسائل الضغط التي تملكها العاصمة الاردنية محدودة جدا, لذا, يمكن القول ان الاردن لايملك الكثير ليخسره. اما سوريا فانها تطلب الاعتراف الدولي وتحديد الحدود الاسرائيلية ـ السورية, كما تطالب بحقوق الفلسطينيين, ولعل بإمكان سوريا البحث فيما اذا كانت الشروط المسبقة يمكن ان تتحقق, وذلك من دون اسقاط الاصرار الاسرائيلي على الاحتفاظ بالجولان, والذي يعود الى اعتبارات تتعلق بالمياه أكثر مما تعود الى متطلبات الأمن الذي تعرض للصواريخ العراقية أثناء أحداث الخليج, لاسيما ان العديد من القادة العسكريين الاسرائيليين كان قد قلل من الأهمية الأمنية لهضبة الجولان, أو ان تفوق اسرائيل في الجولان مياه لا أمن, وهذا ما تطمع به. الموقف اللبناني أما بالنسبة الى لبنان, فإنه يعارض كل اقتراح يقضي بتوزيع مياه الليطاني, بينما كل مشاريع تحسين حوض الاردن والمدعومة من اسرائيل تتناول نهر الليطاني. ويؤكد لبنان ان موارده المائية ليست للمساومة, ويجزم الخبراء اللبنانيون بأن البلاد في عجز مائي حتى الآن. والسبب في ذلك, يقول الباحث بولس هو ان لبنان مثل بقية الدول المجاورة سوف يقع في دائرة العجز نفسها التي تعاني منها سائر البلدان المحيطة, مما يجعل الامن اللبناني المائي, سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي, معرضا للاهتزاز. ويضيف بولس انه, وبحسب تقدير رئىس مجلس ادارة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني, فإن الكمية المتوافرة حاليا لا تتعدى الثلاثة آلاف متر مكعب سنويا, فيما تشير تقارير الى 3200 مليون متر مكعب. أما الحاجة الى المياه فسوف تبلغ مع حلول القرن المقبل نحو 4500 مليون متر مكعب, وبناء على ذلك فإن لبنان عام 2000 سوف يقع في عجز مائي, وليس في فائض على اساس ثلاثة آلاف مليون متر مكعب من المياه المتوافرة سنويا. وإذا اعتمدنا الرقم الأعلى وهو 4700 مليون متر مكعب سنويا, فنرى ان لبنان اذا لم يدخل دائرة العجز سنة 2000 فإنه لن يكون بعيدا عنها مما يجعل الأمن المائي الداخلي اللبناني في دائرة الشك والخطر. وذلك يعني تهديدا مباشرا للأمن الاقتصادي والغذائي في البلاد اذ وصلت مساحة المياه في تحسين الاقتصاد اللبناني عام 1988 الى 22% من قطاعي الزراعة والري ثم الصناعة. وهذا يدل على أهمية المياه في الاقتصاد الوطني المحلي, وبالتالي تأثيرها على مستقبل البلد الاقتصادي. ويبقى هذا المستقبل في خطر بدوره طالما ان أمن لبنان المائي في خطر, وبالتالي يصبح الازدهار الموعود موضع تساؤل عندما نرى المشاريع القائمة لبناء لبنان من جديد وجعله مركزا اقتصاديا وتجاريا اقليميا مهما, خاصة في المراحل المرتقبة للسلام. بيروت ـ وليد زهر الدين