عندما خطوت لأول مرة على درب التمثيل حاول المخرجون ان يفرضوا عليّ شباكهم ويقيدونني بسلاسل (الفيديت الجميلة) , ولكني لم استسلم لهذا الحصار وجاهدت لاتغلب على رؤيتهم لي كمجرد فتاة جميلة , ونجحت في الهروب من الادوار المسطحة لاقدم ادوارا تتناسب مع طبيعتي الفكرية.. اخترت هذا المدخل بالذات في كتابتي اليكم لانه كان يؤلمني في بداية مشواري, وكان يعذبني ان اظل مجرد الفتاة الحسناء التي يقع في غرامها الفتى (الجان) ثم يتزوجان في نهاية الفيلم وتقام لهما الافراح والليالي الملاح, ثم لا شيء بعد ذلك.. عبور المتاريس وربما اردت ان أؤكد لنفسي وأثبت لكم انني نجحت حينما عبرت الحواجز وتجاوزت متاريس الرؤية التقليدية, فقدمت (الحدود) و(التقرير) و(زنوبيا) و.. أخيراً (فتاة من اسرائيل) . فكلها اعمال توافقت مع طبيعتي وعبرت عن مواقفي ومخزوني من التراث الفكري.. وسأحدثكم عن (فتاة من اسرائيل) , ليس لانه يتسق مع موقفي المعادي لاية محاولات تطبيعية مع اسرائيل, ولكن لانه ايضا اول عمل تقدمه السينما المصرية ويقترب من نبض الشارع العربي بعيدا عن الاشكال او الاتفاقات الرسمية, ولانه يقولها بصوت عال وبمباشرة لا تحمل اية مراوغة: (لا للتطبيع مع العدو الصهيوني) .. في فيلم (فتاة من اسرائيل) اجسد شخصية سيدة عجوز عمرها تجاوز 58 عاما, استشهد ابنها في الحرب او بمعنى ادق قتله اليهود, وكلما ترى هذه السيدة الاسرائيليين او تسمع سيرتهم تتذكر ابنها والفجيعة التي اصابتها مع استشهاده. وبالطبع تقف ضد كل ما هو اسرائيلي وترفض التطبيع او التعامل مع الاسرائيليين. بعيدا عن (الدلع) ولم اتردد في الظهور بدون ماكياج تقليدي, ورغم حر اغسطس القاسي وافقت على وضع طبقة من (الاستيك) على وجهي, تعمل على تكسير الجلد حتى تعطي الايحاء بتقدم السن. ورغم تألمي وظروف العمل القاسية لم أشعر بالضيق, لانني اقوم بعمل أؤمن به بعيدا عن (دلع الفنانات) اللائي يحددن ملامح الشخصيات التي يجسدنها, وزوايا عمل الكاميرا كي تتواكب مع اظهارهن كملكات جمال او (كتورتة عيد الميلاد) .. في هذا الفيلم موقفي واضح, فأنا لست ضد السلام.. السلام الذي نعرفه نحن العرب, ولكني ضد السلام الذي يذبحنا به الاسرائيليون, سلام المذابح والقهر والاغتصاب.. في فيلم (فتاة من اسرائيل) وقفنا جميعا يدا واحدة لنعبر عن التيار العام في الشارع العربي, الذي يرفض التطبيع بكافة اشكاله, فكل منزل شهد فجيعة وخرج منه شهيد قتلته رصاصات الغدر الصهيونية. الحلم.. رئة موقفي هذا لم يحدث بين يوم وليلة ولكني نشأت عليه.. البعض احيانا يقول لي (انت حالمة) , ولكني اقول حتى لو كنت حالمة, فما الذي يمنع ان يصبح الانسان محتفظا بشيء من أحلامه.. شيء من هذه الاحلام يجعلك تستطيع التنفس, تتنفس ــ على الأقل ــ في وقت تشعر فيه بالموت. ثم ان الفنانين يجب ان يكونوا قدوة ويكون لهم على الاقل موقف سياسي, ولا يمكن ان ننسى في هذا الاطار يوسف شاهين ونادية لطفي وتحية كاريوكا وغيرهم, ولكن بالنسبة لي فالامر مختلف. وعندما اتحرك تجاه اي موقف يكون تحركي انسانيا وقوميا بالدرجة الاولى, واتعامل مع نفسي كإنسان عربي مستقل, بعيدا عن الاحزاب السياسية. ومن هنا جاء ذهابي الى العراق وكذلك تحركي تجاه اي كارثة للعرب.. خندق واحد واتذكر في اول زيارة لي للعراق انني وقفت مع مجموعة من الشباب من كل التيارات, عرب من كل الاقطار.. كلنا في خندق واحد, كنا نجهز لاول طائرة مصرية عربية تحمل معونات.. نعم هي رمزية, لكن الهدف الاساسي هو اختراق الحظر الجوي للعراق, واول مرة بعد الحظر توضع لافتة في مطار القاهرة تحمل (القاهرة ــ بغداد) وتضاء باللون الاحمر, فهذا كان انجازاً حقيقيا حققه وفد فني. ولكن هالني ما شاهدته في ملجأ العامرية وما حدث للاطفال هناك, فشعب العراق في حاجة ماسة لكل يد عربية تمتد لمساعدته, وهذا قد زاد من اصراري على موقفي ومبادئي التي لن اتخلى عنها ابدا, فانا عربية حرة وسأعمل دائما لصالح عروبتي ووطني..