ترى ما الذي حدث في ايران خلال هذا الاسبوع الحار من شهر يوليو, وهل يمكن النفاذ عبر سيل المعلومات المتناقضة الى حقيقة ما جرى وأبعاده ومراميه ؟ لاشك ان دون هذا الهدف غابة من الاسئلة الصعبة, ودرب وعر تختلط فيه الصور والملابسات بين تلك الخريطة السياسية التي تبدو معقدة في الواقع الايراني, وبين أبعاد اقليمية ودولية لايمكن اغفالها أو تحييدها, وبين دفق معلومات إعلامية تختلط فيها الحقائق بالأماني بالتحليلات المتناقضة حسب المصادر والمصالح. فما هي الأسباب الحقيقية التي أدت الى اندلاع المظاهرات الطلابية في جامعة طهران وكيف خرجت الى الشوارع والأسواق المحيطة, وحتى الى مدينتي مشهد وأصفهان, ثم كيف خمدت وانتهت؟ وهل هذه المظاهرات مجرد افتتاح متعجل وساخن للانتخابات النيابية الآتية في العام المقبل؟ أم أنها اشارة الى تزايد صعوبة التعايش بين ما يسمى في الاعلام العالمي بتيار (المحافظين) وتيار (الاصلاحيين) أو (المعتدلين والمتطرفين) ؟ أم هي نهاية أم بداية لأحداث كبيرة في ايران؟ ثم كيف انتهت المظاهرات؟ وهل حدث ذلك بفعل المظاهرة الضخمة التي انطلقت في (اليوم السابع) حاملة صور الخميني وخامنئي وخاتمي, ومعيدة الاعتبار لرموز وقيادات الثورة والسلطة, أم أن نهاية الأحداث جاءت قبل هذه المظاهرة بيوم واحد حين اتسع التدمير مما أدى بعدد من القيادات الطلابية الى الدعوة لانهاء الأحداث التي خرجت عن مسارها؟ أم أن الأمر الحاسم كان الاعلان عن أدوار لقوى (المفسدين) و(أعداء الثورة) والتلويح بأحكام شديدة تصل الى الإعدام؟ وأخيرا هل انتهت الأزمة تماما أم ان النار ما زالت تحت الرماد وان احتمالات السخونة والتفجر ما زالت ممكنة؟ ثم إلى أين المسار؟ هذه الاسئلة كلها مجرد نماذج لما يمكن أن يتداعى في ذهن أي محلل أو مراقب يسعى الى معرفة وفهم ما جرى بموضوعية وتجرد ودون أن تجرفه تيارات (الاعلام الرغائبي) المنطلق من أهداف مسبقة (مع أو ضد) ولأهداف متعارضة. معطيات الواقع لا تسمح حقائق الواقع الايراني بتبسيط الأمور واختزالها بالقول ان ما جرى هو مجرد صراع بين المحافظين والمجددين, أو بين الثورة والثورة المضادة, فضلا عن انه لايمكن عزل ما يجري عن طبيعة المجتمع الايراني وتركيبته السياسية والنفسية وظروف تطورالجمهورية الاسلامية. فإيران بلد كبير في محيطه الاقليمي, حيث تزيد مساحتها على 1.6 مليون كيلومتر مربع, ويتجاوز عدد سكانها 61 مليون نسمة معظمهم من الشباب, وحدودها مفتوحة على الوطن العربي, وتركيا غربا, وارمينيا واذربيجان وتركمنستان وبحر قزوين شمالا, وأفغانستان وباكستان شرقا, وعلى الخليج العربي, وبحر العرب والمحيط الهندي جنوبا .. وهي بهذا المعنى عنصر هام في بيئة اقليمية صعبة وملتهبة, اضافة الى انها طرف مؤثر في لعبة الصراع الدولي خاصة باعتبارها احدى أهم الدول المنتجة للنفط. واذا كانت الولايات المتحدة قد نظرت الى ايران باعتبارها من المواقع الأهم في حصار الاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة فإن موقع ايران ما زال مهما بين القوى الدولية, فروسيا تصر على علاقات مميزة معها, وأوروبا لم تتوافق مع الولايات المتحدة في السعي لاحتوائها, وواشنطن ما زالت تسعى بكل الأساليب لاستعادة مواقعها التي أجهضها قيام الثورة عام 1979. وبالاضافة الى كل ما سبق فإن تركيبتها البشرية وخبراتها التاريخية والمذهبية تجعلها شديدة الحساسية تجاه قضية (الوحدة الوطنية) وقضية (الاستقلال) .. ويؤدي ذلك كله الى نمو الاحساس الاستراتيجي لديها بما يمكن أن يسمى (حالة الحصار) التي ازدادت تفاقما لدى قواها السياسية بعد سقوط تجربة (مصدق) التحررية في الخمسينات, ونتيجة الجهود الأمريكية المتواصلة بعد الثورة (وبكل الأساليب) لاستعادة طهران الى دائرة النفوذ الأمريكي. ان معطيات الواقع هذه تفسر التوتر الايراني الشديد على سبيل المثال تجاه أزمة العام الماضي مع أفغانستان, وتجاه التجاوز التركي وقصفه لمواقع على أرضها قبل أيام, فضلاً عن حالات المد والجزر تجاه الوطن العربي, بما في ذلك استمرار الحرب والتوتر مع العراق في أجواء لا تخدم مصالح أي من الطرفين وتصب في خانة خصمهما المشترك وسياسة (الاحتواء المزدوج) . وهذه المعطيات بالتأكيد لابد أن تترك تأثيرها الشديد على سلوك (النخب السياسية) ضمن جهودها المتواصلة لبناء نظام سياسي خاص وقادر على الانتقال بالجمهورية الاسلامية الايرانية من مرحلة الثورة الى مرحلة الاستقرار والشرعية الدستورية التي تساهم بتثبيت الاستقرار وحسن التواصل مع المحيط والعالم, مع الحرص على تقديم (نموذج) وعلى الاحتياط واغلاق الثغرات التي يمكن ان تنفذ منها القوى المعارضة والمعادية في الداخل والخارج. اي ان النظام يسعى للتطور من داخله, لكنه شديد الحرص على وضع الضوابط الدستورية والمؤسساتية والسياسية التي تحول دون الضعف أو الانفلات أو الانهيار الذي قد يؤدي الى انقضاض المتربصين الأقوياء وامتداداتهم في الداخل الايراني. وبعيدا عن الجوانب الدينية والعقيدية المحضة, فإن ما سبق يفسر أهمية التمسك ــ سياسيا بمركزية (ولاية الفقيه) واضافة مؤسسات رقابية هامة مثل (الرقابة على الدستور) و(تشخيص مصلحة النظام) والدور السياسي للسلطة القضائية .. فضلاً عن ساحة البرلمان. تطور واستمرارية المفاتيح السالفة الذكر شديدة الأهمية للدخول الى فهم عالم النخب السياسية الايرانية وتطور النظام الحاكم في طهران, وصولاً الى أحداث الأسبوع الساخن الأخير. وهكذا يمكن القول ان ايران في ظل الامام الخميني عاشت مرحلة (الشرعية الثورية) التي لم تكن تسمح بأي خلاف ليس فقط مع شعارات الثورة وثوابتها وانما ايضا مع توجهات وقرارات قائدها, لكن مرحلة جديدة بدأت بعد ذلك باتجاه (الشرعية الدستورية) وقد قاد الثنائي (خامنئي ــ رفسنجاني) لعبة التطوير ضمن الاستمرارية بوعي وذكاء لافت وناجح حتى الآن. ولعل مراقبي ومتابعي التطورات السياسية في ايران يذكرون كيف هلل الغرب وإعلامه لهاشمي رفسنجاني حين وصل الى السلطة باعتباره رمز الاعتدال والبراجماتية والانفتاح على الغرب, وفي الواقع فإن رفسنجاني لم يكن مختلفا مع هذه التوصيفات ولم ير فيها بأسا ولا تعارضا مع كونه أحد أعمدة نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية. وقد سعت ايران بالفعل من خلال رفسنجاني الى تسويق اعتدالها وتنشيط تنميتها وتطوير علاقاتها الخارجية ونظامها السياسي دون تصادم مع الثوابت التي يظل السهر عليها من الواجبات الأساسية لـ (الفقيه) قبل سواه مما ولد انطباعا بأن (خامنئي) هو ممثل التيار (المحافظ) رغم اصراره المتواصل على النأي بنفسه عن التيارات وتأكيد دوره المرجعي الأعلى والحريص على القوى السياسية ومصلحة البلاد والنظام, وآخر تصريحاته في هذا الاتجاه جاءت في الاسبوع الماضي حين أعلن استنكاره للهجوم على جامعة طهران وتعاطفه مع الطلبة. وأكد (انني لست مع هذا أو ذاك من القوى السياسية, وأقول لهم جميعا ابتعدوا عن النزاعات لانها تؤدي إلى فشلكم وضياعكم) . اللعبة الخطرة يدرك أركان النظام في ايران ان الجمود خطر, وهو ما يفسر اندفاعهم نحو التطوير, كما يدركون أيضا ان عملية التطوير ليست يسيرة في أجواء وظروف بلد كايران, وان الألغام مبثوثة ويمكن أن تبث عند كل المنعطفات, فضلا عن ان منطق التطور نفسه لابد الا ان يفرز أوعيته ورموزه. وفي المقابل فإن أجهزة وقوى ووسائل اعلام الغرب الراصدة لما يجري في ايران ليست ساذجة أو يمكن بسهولة أن تقع فريسة اللعبة السياسية الايرانية. لكن الغرب وتحديدا واشنطن تقود اللعبة المقابلة وهي واعية لمعطياتها, وهي على سبيل المثال لم تقف عند الاشادة باعتدال رفسنجاني ثم انتقاد محدودية انفتاحه, كما لن تكتفي بمديح خاتمي وانتقاد عدم اندفاعه, وإنما هي تعمل على تحريض ما تسميه امكانيات التغيير وتسعى من خلال لعبة (الاحتواء والضغط) في جهة وتشجيع (الانفتاح) ودفعه من جهة أخرى إلى تغيير أسس وقوى ورموز اللعبة. واستكمالا للصورة السابقة فإن قواعد اللعبة نفسها ومنطق تطورها يفرضان أن ما يسمى بـ (المحافظين) ليس كيانا مصمتا ومتماثلا بل تتراوح قواه بين من يدركون الحاجة للتطور ضمن الاستمرارية ومن يحذرون التطور ويخافون منه, ومن يتوجسون بشدة مؤذية من الاختراقات المحتملة للقوى المعادية.. وكذلك الأمر بالنسبة لما يسمى (التيار الاصلاحي) فهو أيضا متعدد التوجهات التي تقربه أو تبعده عن ادراك قواعد التطور التدريجي أو الاندفاع إلى السعي لاختزال الزمن, وكون ان معظم قواعد هذا التيار الأخير من الشباب الذين لم يعوا أجواء الثورة وتكاليفها ويعانون من أجواء (الاحتواء) وتكاليف التنمية ومصاعب مراحل التغيير.. فإنهم بالتالي أكثر عرضة للاندفاع وأكثر تهيؤا للاشتعال في ظل المنعطفات الساخنة. وهكذا, فمع ان خاتمي ابن المؤسسة والنخب الحاكمة, وهو تلميذ رفسنجاني واختياره الذي كان ضروريا لان الدستور لا يسمح للرئيس بأكثر من فترتين, وهو (أي خاتمي) في الوقت نفسه صاحب مشروع لمزيد من التطور والانفتاح الديمقراطي والتنموي, والذي لقي قبولا من أهم رموز النظام كما لقي تأييدا كاسحا من الشعب الايراني وقطاعاته الشبابية. لكن الاندفاع نحو التطور, الذي هو في الوقت نفسه حاجة ايرانية ملحة ولا تخلو من مغامرة, خاصة مع وجود قوى معارضة وقوى معادية عنيدة ومصرة على الاختراق ودفع المواجهة إلى مداها, وهي تضرب بين فترة وأخرى في مناطق مؤثرة وان لم تكن خطرة في مفاصل النظام, مما قد يولد أخطاء كالتي حدثت مؤخرا في صفوف كل من المحافظين والمعتدلين تفتح أبوابا واسعة لمن يسعون إلى الاقتحام. وعليه فمن المؤكد ان أحداث الاسبوع الساخن مؤشر مهم يستحيل التغاضي عن مخاطره, لكن احتواء الأزمة السريع يؤكد ان النظام ما زال قادرا على امتصاص الصدمات المماثلة بتكاليف ليست كبيرة من مثل تكامل الاجراءات الصارمة مع مظاهرة شعبية (مليونية) مع فتح أبواب الحوار بين رموز التيارين الأساسيين لاعادة ضبط قواعد اللعبة. أما المستقبل فهو مفتوح على احتمالات عديدة يصعب التكهن بها الآن.