لا يختلف اثنان في ايران على ان واقعة المدينة الجامعية في امير آباد في الحي الشمالي من جامعة طهران كانت بمثابة نقطة الانعطاف التاريخية في مسيرة الحركة الطلابية الاصلاحية , الباحثة عن موقع متقدم لها في مشروع التنمية السياسي لتكتل الاصلاح والتغيير الذي افرزته ما بات يطلق عليه ملحمة 23 مايو 1997. فبعد ان تمكن الشعب الايراني بمقاوماته وممانعاته السلمية من اسقاط نظريتي العنف والانقلاب التي حاولت تجربتها بعض القوى السياسية والفكرية المهزومة في اطار مخطط الاغتيالات السياسية المشبوهة, نجحت الحركة الطلابية الراشدة في اسقاط محاولات تنمية المد الفاشي هذه المرة, رغم كل الرسائل الملغمة التي رافقت التحرك الطلابي الاخير واحتجاجات الطلبة. فقد كانت الحركة الطلابية بالمرصاد لكل محاولات اقحامها باعمال العنف او اعمال الشغب سواء تلك التي رافقت الهجوم الوحشي على الطلبة او تتابعت بعد واقعة الهجوم على الحرم الجامعي. المتتبعون لمسيرة الاصلاح السياسي الجارية في ايران على يد الرئيس المنتخب محمد خاتمي, يؤكدون ان الحركة الطلابية في احتجاجاتها الاخيرة التي بدأت اعتراضا سلميا على اغلاق صحيفة (سلام) المستقلة, وضد مشروع تعديل قانون المطبوعات, انما كانت تريد ايصال رسائل محددة لاركان النظام مجتمعين, وفي مقدمتهم اولئك المحسوبون على من بات يطلق عليهم اليمين المحافظ, بان زمن تفتيش العقائد قد ولى الى غير رجعة, وان الدفاع عن النظام والثورة والقيم يتطلب اعادة النظر في الاداء والخطاب السياسي والاعلامي من اجل تحديد دماء الثورة ونظامها وهو ما تدعمه القوى الحية في المجتمع في حين اثار الرعب في القوى المختبئة وراء شعارات ايديولوجية زائفة. ويجمع المحللون السياسيون من جماعة المجتمع المدني الجديد على ان واقعة الحي الجامعي الاخيرة لم تكن في نظر المخططين لها هي الواقعة, بل كانت مقدمة الواقعة الكبرى التي اجهضتها يقظة الطلاب وحكمة الرئيس وتدبير حركة الاصلاح والتغيير الخاتمية ودراية الرجل الاول في النظام اية الله خامنئي ودخوله على خط الاحداث في الوقت المناسب لاخماد فتنة كبرى كانت تنتظر البلاد. ولا يختلف اثنان على ان ما جرى في الحي الجامعي من استفزاز لطلاب آمنين ابرياء, لا ذنب لهم سوى انهم اعلنوا رأيهم الصريح في ضرورة الالتزام بالحريات المصرحة في الدستور, وفي طليعتها حرية التعبير وحرية الكتابة في صحافة حرة مستقلة في اطار القانون, انما كان المقصود منه في احسن الاحوال وفي اكثر التحليلات تفاؤلا, التهديد بسيف الفاشية, ان لم يكن المقصود بها ممارستها ضد كل من تسول له نفسه المضي بعيدا في سياسة التساهل والتسامح الخاتمية. الانذار المبكر ولما كانت الحركة الطلابية هي العين البصيرة ونقطة الانذار المبكر لحركة الاصلاح والتغيير, فقد كانت المواجهة السياسية التي ادارتها بوجه (المتآمرين الجدد على الثورة) , كما يقول قادة الحركة الطلابية الاسلامية, الوسيلة الانجع لكشف الالغام المحيطة بمسيرة الاصلاح. من جهتها فان قوى الثورة المضادة, سواء المقيمة منها بالخارج والمرتبطة بالعدو الاجنبي المكشوف او تلك التي حاولت وتحاول منذ بعض الوقت الاختباء وراء عباءة الرئيس محمد خاتمي الاصلاحية, سعت لان تجر الامور الى نوع من الفلتان الامني والتسيب للحالة السياسية العامة, ظنا منها ان في مقدورها التصيد في الماء العكر والحصول على مقعد شرعي في قطار الاصلاح. وهي اذ خدعت بعض وسائل الاعلام الاجنبي وفي مقدمتها العدوان الرئيسيان لايران الولايات المتحدة واسرائيل بان الثورة المضادة باتت على الابواب, لكنها لم تستطع ان تخدع الرأي العام الايراني في الداخل او تجر الحركة الطلابية الاسلامية الواعية وتاليا حركة الاصلاح والتغيير, الى معركتها الخاسرة واللاشرعية اصلا. فالحركة الطلابية الاصلاحية حددت اهدافها ومقاصدها من التحرك الاحتجاجي بوضوح منذ البداية, ونأت بنفسها عن كل مظاهر العنف والفلتان الامني المشبوه, مما اوقع ليس فقط كل اعداء الثورة والنظام الاسلامي المكشوفين, بل وقوى الضغط الخفية المتهمة بالتمهيد للاستبداد والفاشية هي الاخرى فبدت في المشهد السياسي العام وكأنها الوجه الاخر لجماعات الفلتان الامني وقوى الثورة المضادة المرتبطة بالاجانب, فكانت النتيجة ان ادينت اعمالها وممارساتها وفي مقدمتها الهجوم الوحشي على الطلبة, باجماع كافة القوى السياسية في البلاد بما فيها تلك المنافسة لقوى الاصلاح, اي القوى اليمينية المحافظة التي تحاول قوى الضغط الخفية التدثر بعباءتها واكتساب المشروعية منها. درس مزدوج القارئون بعناية لاحداث الحركة الطلابية الاخيرة يجزمون بان صورة اليميني المحافظ قد اهتزت بقوة لاول مرة, ولم يعد امامه سوى الابتعاد عن سياسة المجازفة بمصير البلاد, وان يقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية الاسلامية الراشدة التي يحاول ارساءها (مجتمع الخاتمية) الجديد اذا جاز التعبير, حتى وان تحمل خسارة بعض مواقع نفوذه التقليدي. بالمقابل فان الاصلاحي الباحث عن التغيير والطامح فيه, لم يبق امامه سوى ان يقبل بان لعبة التغيير التي سعى ويطمح لها لا يمكن ان تصل مطلقا الى بر الامان, الا بقبول وتقبل واحتضان اليمين المحافظ باعتباره احد اعمدة البيت الداخلي والقيام بفرز حقيقي في داخل صفوفه الفكرية والسياسية والاعلامية, منعا لتسلل قوى الثورة المضادة التي ثبت انها تقف بالمرصاد عند كل منعطف, محاولة تطهير نفسها واللبس بلباس الاصلاحيين والاختباء تحت عباءة الرئيس محمد خاتمي في محاولة لاختراق صفوف اهل الدار, لمآرب باتت معروفة للقاصي والداني والتي هي بالقطع والجزم ليست من مصلحة اي من القوى السياسية الشرعية في ايران, ناهيك عن انها تتعارض مع امزجة الشعب الايراني المتدين اصلا, والذي يميل في غالبيته للاعتدال والاصلاح والبحث عن وسائل الازدهار والتقدم واللحاق بركب التطور البشري, وليس تكرار تجارب افغانستان المدمرة او الحروب الاهلية المقيتة. لقد توقف المراقبون طويلا عند موقف مرشد الثورة الاخير الصريح بخصوص امرين هامين ربما كان الحديث عنهما يجري لاول مرة بهذه الصراحة والوضوح, اولهما انه يقف على الحياد بين الاحزاب السياسية والتكتلات المتنافسة على برامج الحكم, وهو يحذرها بمسافة واحدة من خطر التكالب على مقاعد السلطة. وثانيهما اعلان براءته المطلقة بل وسخطه الواضح على قوى الضغط الخفية, بسبب اعمال العنف المستخدمة من قبلها ضد قوى الاصلاح والتغيير وضد الرأي العام, ساحبا البساط من تحتها وتاليا كل اشكال الشرعية او الصدقية التي كانت تدعيها, عند قطع الشك باليقين بقوله: (ان العنف الذي جرى ضد الطلبة بل حتى ضد المعارضين لا يمكن ان يكون مقبولا في مجتمعنا الاسلامي حتى لو ذلك الذي جرى حدث باسم الدين او الولاية وتحت راية الدفاع عنها) كما ورد في نص خطاب مرشد الثورة في اعقاب واقعة الحرم الجامعي. الان وقد هدأت اضطرابات الايام الستة وتم فرز اعمال العنف واعمال الشغب وسيناريو الفلتان الامني عن مسار احتجاجات الطلبة السلمي والقانوني, فان المتفائلين من جماعات المجتمع المدني الجديد يقولون بأن البداية المبكرة والدموية لمعركة انتخابات المجلس التشريعي السادس المرتقبة في شتاء العام 2000, ربما كانت جرس الانذار المبكر الذي رن في الحرم الجامعي في هذا الصيف الساخن لنفتح اعين الجميع وفي مقدمتهم قوى اليمين التقليدي المحافظ التي ادانت العنف ونظريات الانقلاب على الرئيس الاصلاحي مرارا وتكرارا, بانه آن الاوان لوضع قواعد اللعبة الداخلية بما يتناسب مع تحولات ما بعد 32 مايو 1997, وتاليا ضرورة وضع اولويات الامن القومي والمصلحة الشعبية العليا فوق الحسابات الفئوية والحزبية. وهذا يعني بدوره ضرورة القبول ببرنامج الرئيس محمد خاتمي الاصلاحي باعتباره مشروعا للوفاق الوطني وصمام الامان الذي لابد منه من اجل استمرار النظام والثورة والقيم الدينية, والا فإن البديل لذلك هو تعريض الجميع دون استثناء والمجتمع كله لاحتمالات التفجير والانقسام الداخلي.