المشهد الذي يتكرر هذه الايام في اجهزة الاعلام المختلفة عن الوضع داخل ايران, يستحق التوقف عنده مليا وقراءته بتأن شديد وبأدوات معرفية قادرة على الوصول الى بعض من نتائج لا تعني ايران وحدها, بل تتجاوز الحدود الى الاقليم وحتى مواقع جغرافية اكثر بعدا . الصورة الاولى تشبه يوما من ايام يناير وفبراير 1979م, حين اسقط شاه ايران وشيدت الثورة سلطتها. بيد ان هذه المرة تختلف عما سبقها قبل عشرين عاما باشياء كثيرة. اولها ان النظام السياسي العام في ايران هو من يحارب بعضه. فالتيار المحافظ الذي يمسك بمفاصل الدولة ابتداء من الامن الداخلي وحتى مصلحة الدستور مرورا بالبرلمان, هذا التيار وجد في الانتصار الذي حققه التيار الاصلاحي الذي يتزعمه الرئيس خاتمي, بداية لافول العصر الذهبي للمحافظين, وبالتالي فان تحركهم يأتي وفق سياق الخوف من المستقبل, وذلك انطلاقا من عدة عناصر ومعطيات اهمها الرسالة الواضحة التي افرزتها الانتخابات البلدية في شهر فبراير الماضي بفوز الاصلاحيين المؤيدين لخاتمي باغلبية المقاعد, ما يعني ضربة كبيرة للمحافظين بعد الضربة الاولى التي جاءتهم بانتخاب الرئيس خاتمي وسقوط رئيس البرلمان المحافظ ناطق نوري. فالانتخابات البلدية تشكل تمرينا جيدا للإصلاحيين لخوض غمار الانتخابات البرلمانية المزمع تنظيمها خلال الربع الاول من العام المقبل, والتي تشير اغلبية التوقعات الى انها ستؤدي الى فوز اصلاحي كاسح على حساب الاعضاء المحافظين الذين يشكلون اغلبية ساحقة في البرلمان. لهذا فان الخطوات التي اتخذها الجناح المحافظ في الدولة تأتي لتشكل خطوات احترازية واستعدادا لتقليم اظافر الاصلاحيين من خلال استخدام صلاحياتهم وسلطتهم في القضاء والبرلمان والامن الداخلي. من هنا يمكن فهم اصدار الحكم على عمدة بلدية طهران غلام كرباستشي وتنفيذ الحكم ضده لمدة سنتين عشية الاحتفالات بالذكرى الثانية لانتصار خاتمي في معركة الرئاسة. تسخين مبكر لقد كانت معركة بلدية طهران عنوانا لبدء الصراع السافر, بعضه اتى في شكل انتقام من فوز خاتمي الذي قدم له كرباستشي كل الدعم المعنوي والمادي, والبعض الاخر من الصراع جاء على شكل تسخين لمعركة الانتخابات البرلمانية المقبلة بشكل مبكر. ولحق معركة البلدية استجواب وزير الثقافة والارشاد د. عطاء الله مهاجراني, وكانت النية تتجه لعزله من الوزارة الا ان تدخل خاتمي والحنكة التي يتمتع بها انصاره فوتت الفرصة على البرلمان واجبر مطلع شهر مايو الماضي الى تجديد ثقته في الوزير الاصلاحي, الامر الذي اعطى الرئيس خاتمي اوراقا اكثر, وبدأ هجومه المضاد متحفظا في البداية, لكنه سرعان ما بدأ يوجه ضغوطاته على القضاء الذي يسيطر عليه خصومه. في هذه الاثناء كانت التصفيات تحصد عددا غير قليل من المثقفين المحسوبين على خط الاصلاحيين, ما جعل الاتهامات توجه الى عناصر في الاستخبارات الايرانية وتحميلها مسؤولية الاغتيالات السياسية. ويبدو ان الادلة ادانت قيادات بارزة في هذا الجهاز, ما اضطر خاتمي الى اقالة وزير الاستخبارات واعتقال عدد كبير من المسؤولين الذين تورطوا في التصفيات الاخيرة. وحين سربت جريدة (سلام) , التي تعتبر الصوت الابرز للاصلاحيين, وثيقة سرية جدا من وثائق جهاز الاستخبارات توصي بزيادة التضييق على الحريات الصحفية وتنص على تعزيز (المحاكم الثورية) في محاكمات الصحافة, ومضاعفة المسؤولية الشخصية للصحافيين.. حين نشرت الصحيفة هذه الوثيقة, تفجر الموقف واقر البرلمان القانون المعدل للصحافة واغلقت الصحيفة, ورفعت وزارة الاستخبارات قضية ضدها سرعان ما سحبتها تخوفا من العواقب غير المحتملة التي قد تأتي بنتائج معاكسة لما يريده المحافظون. وبالفعل, فقد تسبب اغلاق صحيفة (سلام) في تحرك طلاب جامعة طهران الذين بدأوا بالتظاهر احتجاجا على خرق القانون, فرد عليهم الامن الداخلي باقتحام حرم الجامعة وضرب الطلبة, مما ادى الى سقوط عدد كبير من الجرحى, وقيل ان بينهم خمسة قتلى, ليتفجر الشارع بعد ذلك وتمتد الاضطرابات الى مدن ايرانية رئيسية اخرى, ويتحول الوضع الى شبه انتفاضة ضد الاحتقان السياسي الذي فرضه التيار المحافظ وكبل الرئيس وجعله رئيسا معارضا لدولة تضطلع فيها اجهزة عدة بصلاحيات تسلب الحكومة حقوقها وصلاحياتها. لقد كانت المواجهة بين التيارين متوقعة منذ زمن, لكن الصورة التي خرجت عليها في الايام الاخيرة جعلت العديد من المراقبين يصفون الاحداث الحالية بانها خطرة على النظام نفسه بتياريه المتصارعين, وبدأت المخاوف تزداد من الفلتان الامني والتحول الى فوضى تقضي على مشروع خاتمي الاصلاحي اولا, واحتمالات تدخل الجيش لحسم الصراع والتحول الى نظام عسكري ثانيا, الامر الذي يؤسس لحقبة صعبة بالنسبة لايران, خصوصا في ظل الاوضاع الاقتصادية المتردية منذ ان انهارت اسعار النفط اواخر العام 1997م حتى الربع الاول من العام الجاري. استحقاقات صعبة ايران التي يصل عدد سكانها الى 60 مليون نسمة تواجه استحقاقات اقتصادية عديدة, يأتي على رأسها تراجع الاداء بسبب ضعف الجانب المالي. فقد توقعت الحكومة الحصول على عائدات تصل الى 16 مليار دولار من مبيعات النفط والغاز في الفترة ما بين مارس 98 حتى مارس من العام الحالي, الا ان العوائد لم تتجاوز العشرة مليارات وتعطلت الاف المشاريع بسبب نقص التمويل المالي. وتعاني ايران من التزامات مالية خارجية تصل الى 23 مليار دولار منها ديون تقدر بــ 3.11 مليار دولار امريكي, وبلغ التضخم حسب الاحصائيات الرسمية الى 20 بالمائة, فيما تقدره مصادر مستقلة بانه يتجاوز الــ 40 بالمائة, ووصلت نسبة البطالة في بلد يشكل فيه الشباب الذين تقل اعمارهم عن 24 عاما إلى 37 بالمائة, كما فقد الريال الايراني خلال العام الماضي 47 بالمائة من قيمة سعر صرفه في السوق السوداء وانخفض في الربع الاول من العام الجاري بنسبة تقترب من 20 بالمائة. كما ارتفعت اسعار المواد الاساسية ومنها الوقود بنسبة 75%. وفي الجانب الاجتماعي تقدر صحيفة (خورداد) الايرانية عدد المدمنيين على المخدرات بحوالي مليوني شخص, وان هناك 22 الفا مصابون بمرض نقص المناعة (الايدز), وان الادمان يتسبب في حالة طلاق واحدة لكل ثلاث زيجات, فيما قالت مصلحة الاحوال المدنية الايرانية ان الطلاق ما بين 98 ـ 99 قد زادت نسبته 47 بالمائة, وان الحكومة رصدت قرابة ثلاثة عشر مليون دولار لمكافحة الادمان, في بلد جار لافغانستان التي تنتج نحو ثلاثة الاف طن سنويا من المخدرات يهرب منها الى ايران او عبرها نحو الفين, ولا تضبط الجهات الامنية المختصة الا ما نسبته 10 بالمائة فقط من عمليات التهريب. في هذا الوقت تصارع ايران اثار الجفاف الذي ضرب المحاصيل الزراعية لهذا الموسم, حيث من المتوقع ان يتكلف ذلك مبلغ 5.2 مليار دولار كخسائر اجمالية. في حين لم يجد الرئيس خاتمي ليزف الى شعبه الا زيادة الاستثمارات الاجنبية, والتي قدرها في عيد النوروز الاخير (مارس 99) بانها تزيد على تسعة مليارات دولار, داعيا الشركات الاجنبية, وخاصة النفطية, الى الاستثمار في بلاده عارضا عشرات المشاريع. لقد جاء خاتمي الى سدة الرئاسة في وقت كانت استحقاقات كثيرة تبرز في الجانب الاقتصادي والاجتماعي, وزادها سوءا انهيار اسعار النفط في 98 والربع الاول من العام الجاري, ويراهن الان هو ومناصروه الاصلاحيون على عدة معطيات, اولها تعزيز الوضع الاقتصادي من خلال ارتفاع اسعار النفط ابتداء من الربع الثاني من هذا العام لتقترب من حاجز الــ 20 دولارا للبرميل, ما سيعزز توجهه في فتح الاقتصاد الايراني على الخارج وجذب المزيد من الاستثمارات, ومن جهة اخرى اقتراب الانتخابات البرلمانية المقبلة والتي من المرجح ان يفوز فيها انصاره اذا لم تتدخل الجهات المشرفة على المرشحين وتقصي الاصلاحيين من قوائم الترشيح. وحتى تلك اللحظة, فان الصراع بين التيارين في النظام الايراني القائم من المرجح ان يشهد المزيد من التصعيد, في سبيل تحقيق مكاسب على الارض تضع ايران امام مرحلة مفصلية وتجعلها امام خيارين: فأما تعزيز البرنامج الاصلاحي الذي يحمله خاتمي او البقاء في الدائرة نفسها بتشديد قبضة المحافظين. كاتب وصحفي بحريني