ما حدث في ايران خلال الاسبوعين الماضيين من خروج غير متوقع لطلبة الجامعة مدعومين من أساتذتهم, في مظاهرات عارمة تدعو للاصلاح ورفع القيود عن الحريات وتهاجم بشكل صريح ومباشر المتشددين من رجال الدين في ايران, يعتبر بكل المقاييس حدثاً غير عادي فوجىء به المحافظون داخل ايران بنفس القدر الذي فوجىء به المراقبون خارجها, لعدة اعتبارات, ولعدم وجود مقدمات لما حدث, ولتصاعد الاحداث على النحو الذي رأيناه ثم ميلها للهدوء ولو بشكل مؤقت, الأمر الذي طرح على الساحة عدداً من الملاحظات نسجلها في الحقائق التالية: ــ ان القيادة الدينية والسياسية في ايران لم تأت للسلطة بانقلاب عسكري, وانما اكتسبت شرعيتها من خلال مجيئها عبر ثورة شعبية كانت مثار إعجاب العالم أجمع ــ بغض النظر عن اتفاقه أو اختلافه مع فكرها ــ في نهاية السبعينات, وعبر شخصية دينية روحية أبهرت العالم وكسبت احترامه, فقد كان آية الله الخميني قائد الثورة ومرشدها الأول, ومازال بعد سنوات من رحيله شخصية قيادية من نوع نادر استطاعت تحريك جموع (المستضعفين) ودفعها الى هز عرش كان مجرد التفكير في الاقتراب منه في ذلك الوقت مغامرة جنونية غير مأمونة العواقب, خاصة في ظل الدعم الذي كان يلقاه من الغرب ــ وعلى رأسه أمريكا ــ والحماية التي كان يؤمنها له جهاز من أقوى أجهزة المخابرات في العالم وجيش كان يعد (القوة الخامسة) وقتها. الحدث الأبرز ان طلبة الجامعة في ايران قوة محركة لها ثقلها. وقد كانت العمود الفقري للثورة الاسلامية التي اطاحت بحكم الشاه كما أن لها تاريخها في تحريك الشارع الايراني منذ الخمسينات, كما كان لها حضورها في جميع مواقف المعارضة التي واجهها الشاه قبل قيام الثورة, وقد تميزت معارضتها بالظهور العلني الذي أخذ شكل التظاهر داخل ايران وخارجها, وهم بالدعم الذي يلقونه من اساتذتهم المتضامنين معهم الى الحد الذي دفع وزير التعليم العالي (مصطفى معين) الى تقديم استقالته احتجاجاً على تدخل الشرطة وانتهاكها حرمة الحرم الجامعي, وبالمساندة التي يلقونها من جموع الشعب التي انضمت اليهم في بعض التظاهرات او هتفت معهم, يثبتون يوماً بعد يوم مدى القوة التي يشكلونها في المجتمع الايراني. ــ ان عقيدة (ولاية الفقيه) ظلت طوال الفترة الماضية عقيدة مقدسة لايمكن الاقتراب منها لكون مرشد الثورة يستمد شرعيته منها, وقد كان الحدث الابرز في هذه الاحداث ذلك الانتقاد الصريح والمكشوف الذي تعرض له مرشد الثورة (آية الله علي خامنئي) , واعترافه بذلك الى الحد الذي دفعه الى القول موجهاً حديثه للشرطة في بداية الاحداث: (حتى لو مزقوا صوري أو أهانوني عليكم السكوت وعدم الرد والتحمل, وأنا شخصياً أعفو عن كل من يتعرض لي) , وقد كان من ضمن المطالب اسقاط (ولاية الفقيه) التي يقوم عليها نظام الحكم في ايران منذ وصول علماء الدين الى السلطة عام 1979. ويمكننا أن نعتبر ذلك أهم وأخطر تطور افرزته الاحداث, وهو ما دفع بمرشد الثورة الى تغيير موقفه من الطلبة المتظاهرين واصدار الأمر لاجهزة الامن والميليشيات لقمعهم, وان كان المبرر المعلن هو وصول التخريب الى (البازار) الأمر الذي ينسبه الطلبة الى مندسين تسللوا بين صفوفهم لتشويه صورة الحركة. ــ أولت الثورة منذ قيامها أهمية كبيرة لاجهزة الاعلام وربطتها بمرشد الثورة مباشرة, ولذلك فانه لاتوجد في ايران وزارة للاعلام وإنما هناك وزارة للثقافة والارشاد لاسلطة لها على أجهزة الاعلام, وقد كان الرئيس خاتمي يتولاها في الثمانينات, فالاذاعة والتلفزيون على سبيل المثال لها مجلس ادارة تمثل فيه السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ويعين رئيسه بقرار من المرشد وتكون تبعيته له مباشرة, ولا سلطة لرئيس الجمهويرة عليه إلا في الحدود التي يقررها المرشد, ولم يحصل خاتمي حتى الان على التفويض المتعارف عليه من المرشد فيما يتعلق بهذا الخصوص, أما الصحف فتخضع لقيود مشددة كان آخرها مصادقة البرلمان المبدئية على ما طرحه النواب المتشددون من قيود جديدة, بهدف إحكام سيطرة الحكومة على الصحف قبل بدء الانتخابات للبرلمان الجديد في بداية العام المقبل, الامر الذي يعكس خوف هؤلاء المتشددين من فقدان مواقعهم بعد ان اسهمت الصحف الشعبية المعتدلة المؤيدة لبرنامج خاتمي الاصلاحي في النجاح الكاسح الذي حققه المرشحون الاصلاحيون في الانتخابات البلدية في بداية هذا العام, وقد كان اغلاق صحيفة (سلام) الموالية لخاتمي هو الشرارة التي اشعلت فتيل موجة الاحتجاج الذي ادى الى الهجوم على مساكن الطلبة في الجامعة, ومن ثم تطور الاحداث الى مصادمات بين الطلبة والشرطة وانصار حزب الله على النحو الذي رأيناه. ولذلك فان انتفاضة الطلاب لم تأت هذه المرة لاسباب تتعلق بالأحوال المعيشية ــ رغم ما يعانيه المجتمع الايراني من أزمة اقتصادية خانقة وبطالة عالية ــ وانما جاءت لاسباب سياسية تتعلق بالحريات التي تمثل الصحافة رمزاً لها ومجالاً للتنفيس عن هموم حاملي لواء اطلاقها. وهذه نقطة جديرة بالاهتمام والملاحظة. اشياء ومخاوف ــ طالب المتظاهرون من الطلبة ببسط سلطة الحكومة التي يمثلها الرئيس خاتمي على قوى الأمن والاستخبارات والشرطة, الأمر الذي يعكس استياءهم من استخدام السلطات الدينية التي يمثلها مرشد الثورة ورجال الدين المتشددون لهذه الاجهزة, وخاصة وان برنامج خاتمي الاصلاحي الذي دفع سبعين بالمائة من الناخبين الى التصويت له في انتخابات الرئاسة عام 1997 كان يقوم على وعد ببسط حكم القانون وارساء (المجتمع المدني) وتخفيف القيود الاجتماعية, وهو مالم يستطع تحقيقه حتى الان لاصطدامه بالافكار التي يتمسك بها المحافظون والقوة التي يتمتعون بها ممثلة في هذه الاجهزة التي يسيطرون عليها والدعم الذي يلقونه من ميليشيا حزب الله المناصرة لهم. ــ واخيراً فان استقرار ايران يمثل عاملاً مهماً لمنطقة الخليج, فالمنطقة غير مهيأة لهزة جديدة بعد ان عانت منذ بداية الثمانينات من اوضاع غير مستقرة, بدءاً من الحرب العراقية الايرانية التي ما كادت تضع اوزارها حتى فوجئت شعوب المنطقة بالغزو العراقي واحتلال الكويت, الذي ما زالت دول المنطقة تعاني من آثاره المدمرة على اقتصادها الذي سيظل يعاني لسنوات طويلة وسيبقى رهين ما دفعته دول مجلس التعاون من ثمن باهظ لدحر العدوان وازالة الاحتلال, كما ستظل هذه الشعوب العربية تعاني بصورة اكبر مما خلفه هذا الاحتلال في نفوسها وما احدثه من شق في صفوف امتها, اضف الى ذلك ما يحدث على تخومها من مناوشات بين الهند وباكستان في مسلسل كشمير الذي لا ينتهي والذي ينذر بكارثة اخرى في المنطقة فيما لو تطورت الامور في وقت من الاوقات الى الحد الذي يؤدي الى نشوب حرب لا يعلم الا الله نتائجها مع امتلاك الدولتين للسلاح النووي. في ظل كل هذه الاعتبارات وبالرجوع الى التاريخ نعتقد انه من السابق لاوانه ان نقول ان تياراً قد انتصر على تيار في الصراع الدائر الآن بين المحافظين والاصلاحيين الليبراليين, ولعل السياسة الحكيمة التي ينتهجها الطلبة الآن والقائمة على تهدئة الامور وعدم الاصطدام بالسلطة الدينية ورفضهم الرد على استفزازات المتشددين لاثارة اشتباكات جديدة في جامعة طهران ومطالبتهم بلقاء مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي والرئيس محمد خاتمي, لعلهم بهذه السياسة يظهرون نضجاً سياسياً ووعياً بأصول التحرك يجنبهم خسارة المعركة ويضيع على الطرف الآخر فرصة حسمها لصالحه. ان قوات مكافحة الشعب التابعة للشرطة وحراس الثورة المنتشرين بأعداد كبيرة في حي الجامعة ومرابطة اعداد كبيرة من الميليشيا الاسلامية باللباس المدني او بالزي العسكري في مفارق الطرق وسط مدينة طهران, يقول ان هناك جديداً في المواجهة بين دعاة التغيير وانصار التمسك بالماضي في زمن متغير لا يعترف بالجمود, فما هو الجديد المقبل؟ انه دون شك ما ستتفق وتلتقي عليه ارادة الشعب الذي يحمل تراثاً حضارياً وقدرة على اختيار طريقه بنفسه في كل مرحلة من مراحل تاريخه.