تخطو ايران منذ سنوات باتجاه الانتقال من مرحلة الثورة الى عهد الدولة, بخطوات تتسع حينا وتضيق أحيانا أخرى . وقد مثلت الانتخابات الرئاسية الاخيرة منذ عامين وفوز الرئيس محمد خاتمي المصنف في خانة المعتدلين, احدى ابرز الخطوات نحو تعميق اركان الدولة والانفتاح داخليا وعلى العالم الخارجي. غير ان الاحتجاجات التي اندلعت الاسبوع الماضي في جامعة طهران وامتدت الى غيرها من المناطق الاخرى, اثارت الكثير من التساؤلات حول مسارات التغيير في ايران, واظهرت ان مخاض التحول مازال عسيرا, وان موازين القوى بين الاتجاهات المختلفة لم تحسم بعد. بل ان قادة هذه الاتجاهات ــ على ما يبدو ــ لم يحددوا خياراتهم حتى الآن, أو أنهم مازالوا مترددين ــ على الاقل ــ في اظهارها بشكل واضح وصريح. فقد بدا الرئيس خاتمي في البداية وكأنه يؤيد الاحتجاجات الطلابية, التي اعتبرت شكلا من اشكال التأييد لنهجه الاصلاحي, الا انه سرعان ما أعلن تنديده واستنكاره لاعمال العنف التي صاحبت الاحتجاجات. في حين اعلن بعض اعضاء البرلمان المحسوبين على تيار التشدد استنكارهم لتدخل قوات الامن واستخدامها العنف ضد الطلبة وهو الموقف نفسه الذي اتخذه آية الله علي خامنئي مرشد الجمهورية. ولم تتأخر ردود الفعل الخارجية كثيرا, حيث بادرت أمريكا الى اعلان تأييدها للاحتجاجات, فيما شهدت العاصمة واشنطن مظاهرات تأييد للطلاب وتنديد بالحكم والسياسات الايرانية. كما سارعت جماعات المعارضة الايرانية في الخارج الى الدخول على الخط, ومحاولة استغلال الموقف لتحقيق بعض المكاسب السياسية او المعنوية لصالحها. غير ان مؤسسة الحكم في ايران اثبتت انها مازالت قادرة على احتواء الموقف وتهدئة الامور, خاصة بعد اعلان الموقف الامريكي الذي يمثل حساسية خاصة, ليس لدى اركان المؤسسة الحاكمة فحسب, وانما لدى كل التيارات, او معظمها على الاقل, ولدى الشارع السياسي بشكل عام في ايران. لكن تزعم الطلاب للاحتجاجات يثير الكثير من المخاوف والحساسيات, سواء لدى القوى السياسية في الداخل او لدى الجهات الخارجية. فالطلاب, وفي جامعة طهران بشكل خاص, هم الذين اطلقوا شرارة الثورة ضد الشاه واشعلوا المظاهرات والاحتجاجات التي اطاحت به وادت الى قيام الجمهورية الاسلامية. وبعد عشرين عاما من الثورة التي قادها الامام الخميني, يبدو ان الطلبة مازالوا يمتلكون القدرة على احداث التغيير والامساك بزمام المبادرة. ولذلك, فان التساؤلات التي فرضتها الاحداث الاخيرة, لم تكتمل اجاباتها بعد, وبالتالي فان اتجاهات المستقبل مازالت مفتوحة على أكثر من احتمال.