ظاهرة بيع الكتب القديمة تمارسها كل الشعوب, ولكن في الآونة الاخيرة ازدهرت هذه التجارة في الخرطوم لدرجة ان هناك من يقوم بتصدير هذه الكتب الى الخارج خاصة الثمينة والعريقة , كما ان رواد الثقافة يجدون ضالتهم في هذه الكتب المفروشة ارضا. (البيان) تجولت ووقفت على اسرار هذه التجارة وكانت الصدمة ان اغلب هذه الكتب النادرة مصدرها الاسر السودانية العريقة التي بدأت في التخلص من مكتبات خاصة ورثتها عن الآباء والاجداد وذلك في ظل الحوجة والعوز والفقر, فالظاهرة انذار مبكر وناقوس خطر في مسيرة الامة السودانية ولعن الله الفقر. سوق الخجلانين التقت (البيان) الخبير الاقتصادي البروفيسور محمد هاشم عوض استاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم, الذي اشار الى ان الاطلاع من حيث هو قل كظاهرة بين السودانيين بالرغم من انهم من اكثر الشعوب قراءة. وقال ان الشعب السوداني الآن وخاصة الشباب يقرأون الصحف الاجتماعية والرياضية ومطبوعات الجريمة, اكثر من اطلاعهم على الكتب الجادة حتى في الجامعات السودانية, وندرة الكتاب المدرسي والمراجع العربية في الجامعات اغرت كل من يستطيع سرقة او بيع كتاب بأن يفعل ذلك, ولكن الجانب المشرق في هذه الآفة الاجتماعية ان هنالك من يشتري هذه المسروقات مما يدل انه لا يزال هناك نفر محب للاطلاع والتثقف والعلم, ويشتري هذه الكتب النادرة. وقال ان ظاهرة بيع الاسر السودانية لمكتباتها الخاصة وبيع الكتب القديمة هي ظاهرة عامة انتشرت مع استشراء الفقر في السودان, حسبما جاء في التقرير الاستراتيجي السوداني لعام 1997 الذي اصدره مركز الدراسات الاستراتيجية حيث يوضح التقرير في صفحاته من 322 الى 330 حول محاربة الفقر, ان نسبة السكان تحت حد الفقر وصلت الى 94.8% من السكان ويتزايد بنسبة 2.5% سنويا. واضاف ان هذه الظاهرة تفسر لنا ظاهرة بيع اصحاب الكتب النادرة لها بل بيع الفقراء لأصول منزلية مثل الاثاثات وبأبخس الاسعار لمقابلة احتياجات الحياة من طعام وسكن وعلاج بل ان هنالك سوق يعرف في ام درمان بسوق (الخجلانين) خارج احد الاسواق الاسبوعية التي تباع فيها الاغراض المنزلية وخارج هذا السوق نقاط يأتي اليها الذين يستحون من الظهور في السوق بممتلكاتهم الاسرية المعروضة للبيع, حيث يقابلهم سماسرة السوق ويشترون منهم اغراضهم, ويتولون بيعها انابة عنهم مما يغنيهم عن الظهور بموقف مذل وهم يبيعون ممتلكاتهم. وقال ان الظاهرة ليست محصورة على الافراد بل تشمل هذه الظاهرة حتى الدول الفقيرة مثل دولة السودان التي الزمها الدائنون ببيع مؤسساتها وممتلكاتها العامة للقطاع الخاص المحلي ثم الاجنبي واستغلال عائدات هذه المبيعات في الصرف الجاري على الخدمات بدلا من اعادة استثمارها. وقال البروفيسور هاشم لــ (البيان) في تعليق حول الكتب المفروشة ارضا وقد نزعت عنها الصفحات الاولى, قال ان هذا النزع لا يعني بالضرورة انها مأخوذة من مكتبات رسمية, فكثير من المكتبات الخاصة لدى الاسر السودانية متوارثة عن الآباء والاجداد الذين كانوا حريصين ان تكون لديهم اختام يختمون بها هذه الكتب, كما تفعل المكتبات الرسمية فيكون البائع وهو الابن او الحفيد على استحياء وهو يبيع هذه الكتب ولا يريد ان يظهر اسم جده او والده الذي اورثه الكتاب, ولكن ظاهرة بيع الكتب الثمينة والعريقة او حتى الكتب المدرسية او الكتب المقررة سواء في المدارس او الجامعات فانها متفشية لان العامل في المكتبة يقع تحت اغراء بيع الكتاب لدعم مرتبه الضئيل. واضاف البائع اقانج انهم يتعرضون الى مضايقات ومداهمات من قبل شرطة النظام العام, وقال نرجو من الدولة ان تنظر الى قضيتنا بلطف وتنظم لنا منطقة محددة. البيع بالاقساط والتقت (البيان) عددا من الزبائن الذين يقومون بشراء هذه الكتب, حيث قال الصحافي محمد عثمان ادم لــ (البيان) انه يجد اغلب الكتب الغالية في هذه الاسواق بأقل الاسعار كما ان هنالك فرصة للاخذ والعطاء عند المبايعة, وقال ان بالامكان طلب كتاب او مجموعة من الكتب بعينها في هذه الاسواق ويتم احضارها لك خلال اسبوعين. وعن تجربته قال انه طلب كتب مجموعة الكتاب الافارقة من احد هؤلاء والذي اوفى بوعده واحضر كل المجموعة عدا كتابين لكاتب كيني, واضاف انه بالرغم من ان الكتب المعروضة في هذه الاسواق قد تكون ممزقة الا انه وبجهد اقل يمكن اعادة تغليف هذه الكتب واضافتها الى مكتبتي الخاصة. واشار الى انه وجد كتباً نادرة في هذه الاسواق من بينها ترجمة القرآن الكريم وبقيمة تقل عن خمسة اضعاف السعر في المكتبة العامة, وقال انني عندما قرأت الصحف باللغة الانجليزية تبينت لي معاني لم تدر بخلدي منذ الطفولة رغم بداياتي الاولى بالخلوة مثل قوله تعالى في سورة الاعلى (والذي اخرج المرعى وجعله غثاء احوى) . واوضح ان هذه الاسواق هي الاكثر فائدة لذوي الدخل المحدود من حيث الاسعار, وقال انه وجد من بين هؤلاء التجار من يقبل ببيع الكتاب عن طريق التقسيط خاصة للزبائن الدائنين. وقال لــ (البيان) انه لا يقوم بشراء اي كتاب خاصة اذا كان علميا او قاموسا اذا كانت الصفحات الاولى منزوعة منه, اشارة الى ان الكتاب المعني تم تسريبه من مكتبة عامة او مؤسسة وتم نزع صفحاتها الاولى اخفاءً لمعالم الجريمة, حيث يكون خاتم تلك الجهة بارزا في الصفحات الاولى, كما ان هذه الاسواق يجد فيها الراغب الكتب القديمة التي لا تعاد طباعتها ولا تكون موجودة في المكتبات وتكون اسعارها مناسبة. وطالب بوقف تسريب الكتب المدرسية الى هذه الاسواق ووضع الرقابة ايضا على الكتب التي تكون مصدرها المؤسسات والمكتبات العامة. الكوميديا الالهية اما الكاتب فكري ابوالقاسم الذي يعتبر نفسه زبونا دائما لتجار الكتب المفروشة ارضا فقال لــ (البيان) ان من اراد ان يتصدى لمسألة الثقافة في السودان وخاصة اذا كان الامر في شؤون الكتب تجارة وتوزيعا فعليه ان يواجه معادلة تتلخص ببساطة في ان من يملكون لا يقرأون وان من يقرأون لا يملكون, واضاف ان من لطف الاقدار بخلقه في السودان ان التضخم والظروف الاقتصادية الضاغطة القت في روع الفقراء ان يتخلصوا من بعض الكتب من مكتباتهم الخاصة ربما حلا لاوضاع معيشية يعيشونها, ومن هذه الثغرة كان خط من لا يملكون تكاليف شراء كتب والذين وجدوا ضالتهم عند الصبية خلف المسجد العتيق بالخرطوم واضاف انه شخصيا من هؤلاء الزبائن لهؤلاء الصبية واستطاع ان يكون لنفسه مكتبة خاصة واخرى لاطفاله بأرخص الاثمان, وان كان هنالك مايثير الازعاج والحديث لفكري ابوالقاسم فهي ثغرة بيع الكتب المدرسية والمعدومة اساسا في المدارس في هذه الاسواق. واوضح ان هذه التجارة راجت مؤخرا لدرجة ان هنالك دخلاء على المهنة اخترقوا مقاعد التجار واصبحت الآن الاسعار اعلى من اسعار المكتبات حيث الكتب الجديدة وقال ان هنالك علاقات تربطني بهؤلاء التجار بحكم ترددي عليهم واحيانا عندما يتعرضون لحملات جائرة من السلطات المحلية فإنهم يخفون كتبهم في اماكن بعيدة في المخازن ويستدعون زبائنهم لعرضها عليهم, كما ان هنالك بعض الكتب تصله في موقع عمله, مضيفا انه وجد في هذه الاسواق كتبا حديثه استطاع شراءها مثل (طائر الشؤم) لفرانسيس دينق و(نهاية التاريخ) للكاتب الياباني فرانسيس فوكاما, ومن الكتب النادرة (الكوميديا الالهية) كما انه كون مكتبة تحوي نحو 700 كتاب تقريبا ثقافة.. للبيع اما المحامي عبدالله احمد عبدالرحمن والذي يواظب على شراء كتاب كل ثلاثة ايام من هذه الاسواق حصل منها على 40% او 50% من مكتبته القانونية, فقد قال لـ (البيان) ان مسألة بيع الكتب المفروشة ارضا يمكن النظر اليها من مستويات مختلفة فهناك الجانب المأساوي حيث ان الكثير من المكتبات السودانية التي توارثتها الاسر ابا عن جد والتي اصبحت لها قيمة روحية ومعنوية الى جانب قيمتها العلمية والمعرفية, بدأت بعض هذه الاسر تتخلص من هذه المكتبات كأية سلع او اثاثات زائدة, وبالتالي فقدت قيمتها اذ النقود اصبحت اكثر فائدة لهم من ذكرى الراحلين من اصحاب هذه المكتبات, كما ان هذه المكتبات كانت تمثل غذاء فكريا وعامل بناء تربوي للشخصية السودانية, ولكن البناء الفكري اصبح غير ذي جدوى حيث فقدت المكتبات الخاصة اهميتها للبناء الفكري والتربوي للذين يقتنون هذه المكتبات ولاسرهم وعائد بيعها اصبح ذا فائدة وهذه هي الطامة الكبرى. واضاف المحامي عبدالله احمد عبدالرحمن ان هنالك جانبا اجراميا في تجارة الكتب المفروشة ارضا حيث هنالك كتب اكاديمية من مختلف المراحل التعليمية بدءا من مرحلة الاساس وحتى الجامعة وهي كتب لا يمكن ان تكون معروضة في هذه الاسواق إلا بطريق غير مشروع ويقف وراء ذلك الطلاب او المسؤولين عن حفظ هذه الكتب سواء في المكتبات او المخازن وهذا يكشف لنا ان هنالك ظروفا اقتصادية قاهرة دفعت بهم الى التصرف بهذا الاسلوب الاجرامي غير الاخلاقي, واكيد هذا جانب مضر بالمؤسسات التعليمية لان الكتاب المدرسي أو الجامعي يصبح سلطة يقتنيها القادرون من الطلاب وهذا يفتح الباب امام ممارسة جرائم اكبر من سرقة الكتاب المدرسي او الجامعي. ولكنه اعرب عن اعتقاده بأن ظاهرة عرض الكتب بأنها صحية لانها تضمن تداول الكتاب على مستوى اوسع جدا وبتكلفة قليلة وبين من هم في آخر درجات السلم الاجتماعي, حيث ان الثقافة لم تكن عملا مترفا او قاصرا على الاغنياء فضلا عن انها توفر فرص عمل لقطاعات كبيرة من الذين يحتاجون للعمل, اضافة الى انها ظاهرة حضارية. واضاف ان من ملاحظاته في هذه الاسواق ان اغلب الكتب الانجليزية فيها هي مراجع اساسية في القانون الانجليزي العام وهي مراجع لا غنى لاي قانون من الاستعانة بها في عمله, ويعزى وجود هذه الكتب باسعارها الزهيدة نسبة للتحول القانوني في السودان منذ عام 1983 الى الشريعة الاسلامية كمصدر اساسي للتشريع الى جانب التعريب في الجامعات السودانية الذي استتبع خطوة تطبيق الشريعة الاسلامية. تقييم الدولار في اروقة الكتب التقينا بالدكتور الجزولي دفع الله رئيس الوزراء فبدأ حديثه قائلا ان الكتاب اقيم شيء واذا بلغ ضيق الحال ان يبيع الانسان مكتبته الخاصة فلا بد ان يكون قد وصل الى حالة من الضيق يصعب تصورها. واضاف انه شخصيا اقتنى عددا من الكتب التي تعتبر من عيون كتب الادب والمراجع المهمة من هذه الاسواق مثل (العقد الفريد) لابن عبد ربه الاندلسي و(الشعر والشعراء) لابن قتيبة. اما المعلم بالمعاش صديق عبداللطيف فقال لـ (البيان) انه وجد في هذه الاسواق بعض الاصدارات التي لا توجد في المكتبات الآن وان كل الذين يبحثون عن كتاب قيم ومعدوم ربما يجدونه على ارصفة الارض في هذه الاسواق. والتقت (البيان) مأمون سليمان مضوي مدير دار المأمون التي تعد من اكبر دور المكتبات في الخرطوم الذي استهل حديثه متحسرا بأن يكون المصدر للكتاب المفروش بعض الاسر السودانية ذات التاريخ بعد وفاة كبير الاسرة وقال ما عاد الكتاب يجد الاهتمام الذي كان يجده عند الآباء ونسبة للظروف الاقتصادية القاهرة حيث اضطرت هذه الاسر لبيع مكتبات الآباء والمشترى الرئيسي هم الذين يفترشون الكتاب, كما ان هنالك نسبة كبيرة من الكتب قد تسربت الى هذه الاسواق بصورة غير مشروعة من المكتبات العامة والخاصة والمؤسسات الحكومية خاصة الكتب العلمية. واضاف انه في الفترة الاخيرة اتصلت به اكثر من خمس من الاسر عارضة بيع مكتباتها ولكن لم يستطع مساعدتهم لان دار المأمون لا تتعامل مع الكتاب المستعمل مهما كان مصدره مثلها مثل بقية المكتبات. واشار الى ان هذه الاسواق تحوي كتباً نادرة وهنالك زبائن يقومون بشرائها وتقييمها التقييم الصحيح من حيث الندرة او انتهاء الكمية المطبوعة وهذه الكتب مرغوبة بالخارج, وهنالك من يقوم بتصديرها للخارج لانها تكون شبيهة بالوثائق. الخرطوم ــ البيان