من قال ان الصيف حار!؟ نحن الآن في (منطقة القتل) لو دحرجت بيضة على ارض الشارع لوجدتها بعد لحظات مسلوقة او مشوية! نعم الصيف حار ونحن في منطقة القتل والحصار يطلق النار على الماء والكهرباء والمواد الغذائية وحتى الهواء انه صيف الرعب, بلا مبالغة ومع ذلك هناك من يرسم صورة كاريكاتيرية وجد احدهم رجلا في الشارع يتصبب عرقا وجده مبتلا بشكل كامل اراد ان يجففه, ولكن مجففة الغسالة لا تعمل لا توجد كهرباء فنشره على الحبل ـ بعد ان عصره بيديه ـ لكي يجف او ييبس, ولم ينس وضع القراصات في اذنيه لكي لا يطيره الهواء وعندما جف نسبيا, اراد ان يعدله ان يكويه, ولكن المكواة لا تعمل لا توجد كهرباء وهكذا عاد الرجل الى الشارع مجعدا! هذا الكاريكاتير ايضا صورة من منطقة القتل بئر في جامع يقول الشيخ علي الجبوري امام جامع شاكر العبود في منطقة اليدية ببغداد: ـ تعودنا خلال سنوات الحصار ألا شيء يجعلنا نتوقع الافضل في العام الماضي كانت الكهرباء افضل, وفي العام الذي سبقه كانت افضل اي ان العد التنازلي مستمر, وربما يتوقف عند نقطة ما من النزول, ولكن هذا التوقف خارج عن كل حسابات التاريخ, وتلك النقطة هي فوق الاحتمال البشري او الحيواني او النباتي * يضيف الشيخ الجبوري: ـ تندر على البعض عندما شرعت في حفر بئر عند حافة باحة الجامع, ولكن ما في اليد حيلة تستخدم بعض البيوت المضخات لسحب المياه من انابيب الاسالة, وهذه المضخات سرعان ما تعطل لشحة الماء في الانابيب, وهناك من يجمع بعض الماء في خزانات ارضية صغيرة, ولكن فتح (انبوب التقطير) على تلك الخزانات يعني حرمان كل الصنابير من الماء فكيف ونحن في جامع يصلي فيه المئات بل الآلاف ولا صلاة بلا وضوء انني انصح اصحاب البيوت التي توجد فيها باحات بحفر آبار لسحب الماء منها وتصفيته بالمتوفر من التقنيات واستعماله عودة السقاء في اي قرن نحن!؟ نحفر الآبار في البيوت ولكن السقاء الذي كان يعمل ايام زمان, ويزود البيوت بالمياه من النهر, ايام كانت مياه النهر عذبة, عاد بشكل جديد من خلال سيارات حوضية (تانكرات) تأخذ المياه من النهر او الساقة مباشرة وتبيعه الى المواطنين وهناك من ابتكر خزانات اشبه بخزانات محطات البنزين, ووضع لها (عدادات) مثل الموجودة في محطات التعبئة, ولكن لبيع الماء نعم محطات تعبئة بيع الماء وأي ماء! يقولون ان ماء الاسالة (مصفى) في حين اثبتت الفحوصات المختربية انه يحتوي على نسبة عالية من التلوث تصل الى 50% في بعض المناطق * ونسأل الشيخ الجبوري ما هو رأيك في الصيف؟ ـ رحم الله الشتاء فقد رحمنا الله فيه كنا نشكو من انقطاع التيار الكهربائي ونعوض عنه بالفوانيس والمدافىء النفطية والغازية, وحتى بالخشب والفحم, اما في الصيف, فما الذي يبعد لهيب الحرارة؟ ان الهواء خانق والماء ملوث, والشمس تحفر في الوجوه والاجساد وحتى في الليل, يكاد يحس المرء ان ضوء القمر ساخن! حرب لا تنسى ونحن نتحدث عن الصيف مشاكله نترحم على الشتاء, فذاك الشتاء لم يكن رحيما بالمعنى الحقيقي للكلمة, ولكنه * يقول السيد اسامة عبداللطيف مدرس متقاعد: ـ كانت السماء تمطر رصاصا في ايام القصف الجوي والصاروخي, خلال الشتاء الفائت ولم نكن نأبه لذلك كنا نحذر من مناطق معينة قد تكون مستهدفة وقد يتأثر جوارها اما الآن فبانقطاع الكهرباء وشحة الماء وحرارة الصيف فإن كل المناطق مستهدفة نعود ونقول: اننا في منطقة القتل نكاد نعيش ونعمل وننام او نموت في منطقة القتل, التي هي العراق كله العراق المحاصر كله منطقة القتل * كيف تقضي اوقاتك؟ ــ على (البلاج) ! * اما ابنه ليث, فيقول: ـ كنا نلعب بالرصاص المتساقط والشظايا المتناثرة, اما الآن حتى ونحن تحت سقوف بيوتنا, فاننا مباشرة تحت الرصاص والشظايا يقولون ان الزراعة تخفف الحرارة, ولكن اين هي الزراعة؟ واين الماء اللازم لها, لقد جفت ويبست حتى حدائقنا المنزلية سباحة في النار نحن بلد النهرين, بل بلد الانهار, وفي الايام القائظة يلتجيء الاولاد والشبان الى السباحة النهرية فهل دخلت السباحة ضمن منطقة القتل؟ * تقول السيدة ام اوس: ـ لن ادع ابني يذهب الى النهر, فالخطر يكمن هناك, بل الاخطار صحيح ان الماء شحيح واحتمالات الغرق بعيدة, إلا ان امراض ضربة الشمس تخيفني ان الشمس تضرب حتى المستطرقين, ويقال ان مياه النهر ملوثة, وبالفعل هناك اصابات كثيرة بمختلف الامراض بين الاولاد, وحتى (المسابح) يقال ان ماءها غير نظيف * ولكن السيد هشام البغدادي له رأي آخر, فهو من التجار الرابحين, يقول: هل نستسلم للقيل والقال, انا استطعت بجهدي الخاص ان اكسر جدار الحصار, وقد ارسلت اولادي الى بولونيا لقضاء عطلة الصيف * ولماذا لم تذهب انت؟ ـ اوضاع العمل هنا غير مستقرة بالنسبة لي (سياسيا) ويقال ان سعر الدولار سينخفض وربما سيرتفع, وعملي يتطلب ان اتابع حركة الاسعار يوما بيوم وساعة بساعة ان الذين يكتنزون الملايين وبربطون اعمالهم بتذبذب العملة, يعيشون على اعصابهم وكثيرا ما يصابون بالنوبات القلبية التي قد تؤدي الى الموت انهم ايضا يعيشون في منطقة القتل ! محنة العمل والذين يعملون في مثل هذا الصيف الخانق المترتب شديد الحرارة يستحق اكثر من وسام, واكثر من (نوط شجاعة) انه شجاع, شجاع, شجاع من يستطيع الوصول الى مكان عمله, ومن ثم العودة الى البيت ثم الى العمل الآخر وليس هناك بين المواطنين الاعتياديين من يكتفي بممارسة عمل واحد, لوجبة دوام واحدة, لان متطلبات المعيشة تفرض على المرء ان يعمل هنا وهناك ليكسب قوته وقوت عياله * يتحدث لنا السيد عبدالرحمن جواد, الموظف في دار الحرية للصحافة: استيقظ من النوم قبل الساعة السادسة صباحا, اذا كان هناك نوم, فعندما تنطفىء الكهرباء ليلا يكون النوم شبه مستحيل, وهي تنطفىء اعتياديا ثلاث ساعات او اكثر كل ليلة, استيقظ من النوم, او عدم النوم, واركب السيارة (تاتا) من السيدية الى البياع, ثم من البياع الى باب المعظم, وامشي من باب المعظم الى جسر العرافية اكثر من ساعة ونصف لكي اصل الى مكان عملي ـ ذهابا فقط ـ وربما اغفو بعض الوقت في السيارة, ولكن المعاناة في العودة لا مثيل لها, حيث الحرارة اللاهبة ظهرا وبعد ساعتين من الآلم والعرق والتعب في الطريق,اصل الى البيت في الساعة الرابعة عصرا لاجد الكهرباء مطفأة, وغالبا ما لا يكون هناك ماء اغتسل به, ولكن يجب ان استريح قليلا لكي اخرج الى العمل مساعدا في محل لتصليح كهربائيات السيارات في البياع والمواطن عبدالرحمن ليس وحده في منطقة القتل, بل كذلك الذين يعمل على اصلاح كهربائية سياراتهم وهو بلا كهرباء؟ كيف يرى الاسلاك وهو مجهد بلا نوم انه جهد الطريق, ويضاف اليه جهد العمل, ومتاعب البيت, وسوء التغذية, والتفكير الدائم في (متى ينتهى هذا الحصار اللعين) و(متى ينتهى لعبة او العاب المستفيدين منه) ؟ شحة النوم العمل حق وواجب وبعد معاناة الطريق والحرارة والماء هل هناك من يلوم الموظف او العامل عندما ينام في دائرته او محل عمله؟ * يقول موظف آخر: ــ كلا لا يمكن لوم النائم في دائرته, فهي ربما تكون افضل مكانا للراحة, ولكن اين ينام او يستريح وكيف؟ وقد جردت ظروف (التقشف) كافة الدوائر والمؤسسات من كل انواع الاثاث (باستثناء الكرسي والمنضدة والدولاب وهي مستهلكة ايضا) وفي الدوائر الرسمية تنقطع الكهرباء ايضا (عدا بعضها) فتنطفىء الاخيرة, وتتوقف الآلات الكاتبة, ويتعطل العمل, ويمتزج عرق الموظفين بعرق المراجعين ويتجه الكثيرون نحو (الصنبور) , او نحو الجب الفخاري البديل لبراد الماء ومازال هؤلاء يعملون نعم يعملون في منطقة القتل ايضا وللبعض فوائد والعمل اشكال وانواع بعض عربات الباعة المتجولين نادرا ما يتوقف عندها احد * يقول البائع حسين علي مهدي: ـ العصير الذي نبيعه نظيف وبارد, ولكن اختلط الحابل بالنابل, وضاعت الثقة والاذاعة والتلفزيون تحذر من تناول اطعمة واشربة الشوارع, وها نحن نستظل بعرباتنا لكي نتقي (كفخة) الشمس * وما هي استفادتك؟ ــ احصل على ما يسد الرمق, فليس في مستطاع العامل او الموظف شراء (البيبسي) , لذلك يوجد من يشتري منا ولكننا نتساءل بدورنا هل ذلك الذي يسمونه (بيبسي الشركة) غير مغشوش ان لم تقم الشركة بذلك فإن المقلدين يقومون به! * ولكن المواطن نجم عبود الساجي يقول انه مستفيد كيف؟ ـ كنت موظفا, ووجدت ان راتبي لا يسد اجور النقل, فبعت بعض مقتنياتي المنزلية, بعد ان قدمت استقالتي, وافتتحت محلا لبيع الفخاريات والمصنوعات الشعبية من الجريد والخوص فالاقبال شدد عليها هذه الايام * وهل هذا العمل افضل من الوظيفة؟ ـ في الوقت الحاضر نعم ولكنني عندما كنت في الوظيفة قبل سنوات عدة كنت (ملكا) يكفيني راتبي ويزيد اما الآن والحمد الله, فإن ما احصل عليه يسد الاحتياجات الضرورية * هل تتمنى العودة الى ايام زمان؟ ـ ومن لا يتمنى ذلك, إلا بعض الذين استفادوا ويستفيدون من ظروف الحصار للنساء للنساء ويبقى التبضع مهنة النساء الرئيسية اضافة الى العمل في البيت, وفي الزراعة ايضا * تقول السيدة ام يونس؟ ـ تربية الابناء عبء ثقيل, لاسيما في غياب الوالد, الذي يكون اغلب الوقت في العمل كما ان الاعمال المنزلية تضاعفت, فالمرأة تعمل الآن الكثير من الاشياء والتي كانت تأتيها جاهزة, هذا اضافة الى عذابات الماء والكهرباء والامراض ومشاكل الدراسة وغيرها * رأيك في اسعار السوق؟ ـ نار ومهما انخفضت فإنها تبقى جهنمية قياسا الى رواتب الموظفين المضحكة ـ المبكية, راتب شهر لا يكفي مصروفا للعائلة عدة ايام هذا اذا اقتصرت على الضروريات جدا فقط تقول السيدة ام يونس ان الاسعار (نار) فهي ايضا منطقة للقتل وتضيف: ـ تفضل النسوة التسوق وشراء الخضروات مساء, لان اسعارها تنخفض قليلا في هذا الوقت (قبل التعزيلة) وفي الاسواق الشعبية يستعمل الباعة المصابيح الغازية عوضا عن الكهربائية فهي لا تصعق بالكهرباء ولعل هناك سببا آخر لتفضيل التسوق مساء, هو تجنب حرارة النهار التي تشعل اعصاب وامزجة الباعة والمشترين واخيرا وجدت الكثير من النسوة ان الزراعة والحصاد افضل من الوظيفة, فهي تدر ربحا لا بأس به, كما انها تتجاوب مع ظاهرة الهجرة المعاكسة الى الريف, حيث الهواء هناك اقل تلوثا, وان كانت لسعات البعوض والحشرات الاخرى لاترحم ويبقى الاجماع قائما في صب اللعنات على الحصار, وعلى الذين جلبوا وصنعوا الحصار, ولسان حال العراقيين يقول ان الموت دفعة واحدة ارحم من الموت على دفعات وان يكون الانسان مقتولا افضل من ان يعيش دائما في منطقة القتل بغداد ـ نضير النهر