تتسم المدن الساحلية بميل اقل للانغلاق على ذاتها وثقافتها وموروثاتها, فمدن كتلك تربض على الممرات المائية وتمثل رقعة ربط مع شعوب وامم اخرى .. لابد لها لكي تعيش وتبقى وتتواصل ان تنفتح على حضارات متعددة الالوان واللغات, مختلفة العادات والتقاليد من الثقافة والمعارف وحتى الازياء والنمط الهندسي للمباني والاحياء السكنية. ومدينة عدن اليمنية الواقعة على مدخل باب المندب وبحر العرب والمحيط الهندي نموذج تكثف طبيعة المدن الساحلية, برحابتها واستعدادها الدائم للتعلم من ثقافات الشعوب الاخرى والتأثر بها والتأثير عليها ... الجغرافيا لعبت دور المحرض للمدينة على كسر الموروث والالتقاء عند نقطة وسط مع موروث الاجناس الاخرى القادمة الى عدن, فالمدينة تقع في اهم خط ملاحي, ويحتل الميناء شريان الحياة فيها ويمثل عامل جذب واستقطاب لغرباء الوافدين, الذين سرعان ما شكلوا مجتمعاتهم السكنية وعالمهم الروحي في كانتونات خاصة, لم تأخذ الكثير من الوقت حتى تنصهر تلك المجتمعات في مجتمع واحد صغير, ولكنه غني في تعدديته وغايته التاريخية المختلفة, قدموا اليها منذ اعلان عدن ميناء حرا سنة 1850م وافتتاح قناة السويس عام 1869م مما عزز من مركز المدينة وموقعها على طريق التجارة بين الشرق والغرب. كونية متعددة الاجناس وعدن لم تبدأ اطلالتها على فسفيساء الاجناس منذ مطلع القرن الماضي فحسب, بل عدم ضيقها بالاخر وتسامحها ازاء الثقافات والوعي المغاير للقادمين اليها, تعدو هذه السمات الى فترة ما قبل الاسلام, وهذا ما يمكن ملاحظته في كتابات الرحالة والمؤرخين الذين اجمعوا على ان سكان عدن منذ فترة ماقبل الاسلام .. يتكونون من خليط من الناس ينتمون الى اصول عرقية مختلفة ويمارسون جميعهم التجارة, ويشكلون عدة جاليات تعيش كل منها في معظم الاحيان في حي خاص بها. واذا ما تم حصر الحديث عن مدينة عدن في الفترة من 1855 ــ ,1951 فالمدينة كونية متعددة الاجناس.. فإن أول ما يتبادر الى ذهن المؤرخين والرحالة المظاهر العامة لعدن (الهندية, الأوروبية, العربية) .. وفي بحث شيق للدكتور مسعود عمشوش استاذ قسم اللغة الفرنسية بكلية الآداب جامعة عدن حول (عدن في كتابة الرحالة الفرنسيين) يبين الباحث كيف يبرز المزيج البشري كأحد أهم العوامل التي تثير دهشة واعجاب الرحالة الفرنسيين بعدن, كما استوقف الرحالة حالة التمايز وعلاقات التعاون وعلاقات التصارع بين مختلف الاجناس البشرية الممثلة في عدن. مزيج بشري وعرقي وفي دراسة بعنوان (عدن : القطب المغناطيسي) للرحالة الفرنسي فيليب سوبر قدم الرحالة صورة بانورامية لمزيج بشري شاهده عند وصوله الى عدن, يحث يقول (في الشارع حشود ملونة من البشر تمشي الهوينا, عرب بعمائمهم, هنود بكوافيهم الصوفية السوداء, يهود بطرابيشهم الحمراء, صوماليون بلون الابنوس, وقد بدأوا في مآزرهم المخططة فاقعة الالوان وعصيهم الطويلة في منتهى الاناقة, ويمنيون قد غطى وجوههم غبار الفحم, وبعض الانجليز الذين هم في سراويلهم الكالية القصيرة يشبهون صبية عمالقة) .. ويلاحظ في الصورة الجميلة ان اليمن هي الأكثر كدا وكدحا وربما الأقل انتفاعا من اراضيها مقارنة بالجنسيات الأخرى, فهي في العامل الذي يغطي وجهه غبار الفحم, وليست في الصبي العملاق ببنطلونه الكاكي. ويؤكد بعض المؤرخين والعهدة على الراوي الباحث الدكتور عمشوش, ان أغلب سكان عدن في القرن الأول للهجرة وقبل الاسلام, كانوا من غير العرب الذين انصهروا في بوتقة اللغة العربية, لكن في مطلع القرن الماضي ــ التاسع عشر ــ وهذا القرن كثير من سكان المدينة لا يستخدمون اللغة العربية, وهذا ما لفت انتباه الرحالة الفرنسيين اثردي جودينبف وبول نيزان, حيث شبها عدن ببرج بابل لكثرة اللغات والعملات المستخدمة فيها. نرى ان الاجناس والهويات القومية والعرقية كانت تسكن عدن قبل قرن من الزمان هذا ما يمكن ان نطالعه في (الفرد بارديه) لأحد اسواق عدن, وفي هذا السوق اختلطت حشود من مختلف الاجناس القادمة من جنوب آسيا وشرق افريقيا, آلاف الناس يأتون الى عدن بحثا عن الملبس والمأكل, وفي وسط تلك الحشود من الهنود والعرب والصوماليين والزنوج, كان يبيع السماسرة آلات القطن بالمزاد العلني, ويبذلون قصارى جهودهم ليعلنوا عن الأسعار بجميع لغات ولهجات المستمعين انه برج بابل. الجميع في بقعة ضيقة عدن المدينة متعددة الاجناس أخذت بألباب الرحالة الفرنسيين, فالخليط البشري الملون حسب الدكتور عمشوش, يشكل منظرا فريدا يميز عدن عن بقية المدن العربية التي سبق ان زارها هؤلاء الرحالة.. (فلويس سيمونان) يعبر عن اعجابه بالمزيج البشري في عدن قائلا: المنظر الذي كنت أتمتع بمشاهدته في طريقي الى (كريتر) لم يكن الشيء الوحيد الملفت للانتباه, فعلى يميني تكون مجموعة من الاكواخ المصنوعة من القش قرية صغيرة بشوارعها وميادينها, توقفت لحظة لأشاهد العرب والزنوج وهم يحضرون معدات الصيد, بينما وقفت النساء عند مداخل الاكواخ البائسة وهن يصنعن سجادا وسلالا من خوص النخل.. كما يجتذب انتباه المسافر عدد من الصوماليين وهم يسيرون في مجموعة صغيرة, وذلك بجمال أجسامهم السوداء وملامحهم القوقازية.. أما على شاطىء البحر, فيمكن رؤية مجموعة من الهنود المسلمين وهم يتوضأون غير آبهين بالمارة, وعلى النقيض منهم تضع النساء العربيات اللواتي يمشين بالشارع الخمار فوق وجوههن.. من العجيب ان يستطيع المرء استعراض كل هذه الاجناس في بقعة ضيقة للغاية, وان تحتفظ كل مجموعة بشرية بسماتها وعاداتها المميزة. الاغلبية هنود .. الاخدام اقلية والحال هكذا .. اي من الاجناس هو الاكثر عددا وبالتالي سيطرة على مقدرات المدينة الرحالة لويس سيمونان في دراسته المطولة عن (شبه جزيرة عدن) المنشودة عام 1862 يقدم احصائية دقيقة لسكان عدن. من بين الخمسة وعشرون الف نسمة الذين يعيشون في عدن, نجد 8500 عربي من مسلمين أو يهود و10500 هندي منهم المسلم والهندوسي والفارسي و6000 افريقي جميعهم تقريبا من الصومال, واضافة إلى كل هؤلاء يوجد 2000 اوروبي يعملون اساسا لجنود وموظفين لدى الحكومة البريطانية ويوجد بينهم بعض التجار, وضمن هذا العدد يوجد (الاخدام) الذين يتجاوز عددهم 1500 نسمة, وهم يشكلون جنسا غريبا لا يمكن تجاهله اذ انه لا يوجد الا في اليمن. وافراد الجالية الهندية المسلمة يشكلون (آنذاك) اوسع جالية في عدن, مما اثار دهشة عالم الاجتماع (ارثردي جويبنو) الذي بعث لاخته في مايو 1855 برسالة كتب فيها: في عدن شاهدنا مدينة هندية فوق اراض عربية وسط الصخور, كنا نعتقد اننا في الجزيرة العربية لكن كم كانت دهشتنا كبيرة, فعند دخولنا احد الشوارع وجدنا انفسنا وسط الهند, لا شىء هنا يشبه ما سبق ان شاهدناه في جدة, في شوارع عدن الهندية, لا توجد تلك البيوت الكبيرة البيضاء والتي تشبه القلاع وتحمل بعناء المشربيات الفخمة الجميلة, فالمرء هنا لا يستطيع ان يشاهد الا مساكن صغيرة مظلمة, مفتوحة من الامام كالمتاجر, وتوجد امام كل منها منصة خشبية تستخدم كصالون وقاعة طعام وغرفة نوم, وهذا يتيح للسكان الاستفادة من الاملاك العامة والنوم وسط الشارع. وفي وصف المظاهر الانسانية يقول عالم الاجتماع: فوق تلك المنصات يقرفص بعض الرجال الذين احمرت جلودهم السمراء وقد وضع كل واحد منهم فوق اسفل جسده مئزرا قصيرا, وعلى رأسه خرقة ضيقة, اما فوق صدورهم وحول سواعدهم النحيلة فقد تدلت تمايم وحلي ليس لها في الغالب قيمة تجارية كبيرة, لكن لاشك ان قيمتها الروحية لا تقدر بثمن, فهي تحتوي على الكثير من الاسرار والرموز, وعلى جبهات هؤلاء الرجال الذين يختلفون تماما عنا نقشت طلاسم عقائدية مصبوغة بالوان مختلفة. يعبدون النار والشمس وحول عادات الهنود الفارسيين في عدن والتي مازالت مجاميع منهم تعيش في المدينة حتى اليوم, يكتب لويس سيمونان كما اورده بحث الدكتور عمشوش: مازال الفارسيون يعبدون الناس والشمس كما كانوا يفعلون في عصر زرادتشي ففي عدن كما هو الحال في بومباي وبقية انحاء الهند لم يتركوا ديانة اجدادهم, وهم لا يدفنون موتاهم بل يتركونهم لفعل الهواء والطيور الجارحة, اذ يتم وضع جثث الموتى وسط برج شيد بالقرب من تحصينات عدن, حيث لا تكف الغربان عن التحليق, اما العظام فتجمع وترمى في حفرة جماعية توجد تحت البرج, ويوجد في عدن معبد للفارسية لكني لم استطع زيارته ولم اتمكن ان اعرف اذا كانت النار التي يحافظون عليها جيدا في داخله قد احضرت من نفس النار التي اوقدها (زرادتشي) قبل اربعة آلاف سنة, ولم استطع لذلك ان اسأل التاجر الفارسي, لواسجي, حول هذا الموضوع, لكنه لم يقبل ابدا ان يقدم لي نارا لاشعل سيجاري ولم اره يدخن أو يطفىء بنفسه الانوار الساطعة في دكانه, ويضيف واخبرني خادمه انه بالرغم من ثروته لا يحتفظ باي سلاح ناري في بيته. النزلاء جواسيس ومهربون واذا كانت تلك اطلاله على احدى زوايا الصورة لعدن الهندية, فماذا عن عدن الاوروبية؟ في البدء لابد من الاشارة ان احتلال بريطانيا لعدن عام 1839 قد جعل المدينة نقطة لانطلاق موجات الاستكشاف والاستخبار والتبشير, (فبول موراند) يؤكد في كتابه (طريق الهند) ان نزلاء الفنادق في عدن هم من الجواسيس والمهربين والعسكريين الاستعماريين والاطباء وموظفي الصليب الاحمر والصحفيين الغربيين. ومع تزايد تدفق الاوروبيين على عدن وتصاعد اهميتها كقاعدة عسكرية برزت بعض ملامح الحياة الاوروبية وهو ما جعل (بول نيزان) إلى خلق مضاهاة بين عدن واوروبا في كتابه عدن العربية, ان الذي يجب ان يفهمه المرء هو ان عدن صورة مركزة لامن اوروبا, بل انها صورة مكثفة جدا, فسكان عدن لا يختلفون عن سكان لندن أو باريس, فهم نفس الطينة لكنهم في دفينة تجعلهم يبدون اكبر نموا, وهم مثل اهل اوروبا يظهرون ويختفون ويمشون ويتريثون ويبكون ويمشون بدون ايقاع أو سبب. وفي لحج بالقرب من عدن يصرخ بول نيزان (ايها الشرق, مرة اخرى لا أحد في ظلال نخيلك المحبب كثيراً للشعراء.. لا أجد لهم سوى مزيد من البؤس..) . اليهود لا يحبون الحرب وإذا كانت عدن مدينة الفنادق والملاهي ونموذج مكثف للمدينة الأوروبية, واذا كانت عدن مدينة للتجارة والنشاط التجاري للجاليات الهندية, فكيف هو حال اهلها وسكانها من اليمنيين والعرب؟ هذا ما نفتقده في كتابات الرحالة الفرنسيين, حيث لم يحظ العرب بنفس الاهتمام الذي اولوه للجاليات والاجناس الاخرى.. ارثردي جو بيبو يقوم بمزج اليهود بالعرب ويقسمهم الى شماليين وجنوبيين حيث يقول: (يهود عدن بانوفهم المستقيمة وملامحهم المؤنثة الشاحبة وعظامهم البارزة يختلفون عن اليهود الذين شاهدتهم في أوروبا ومصر.. فبينما ينتمي يهودنا الى عرب الشمال الذين يشبهونهم تماماً, يختلف يهود جنوب الجزيرة كعربها عن قبائل الشمال, (لقد كانت امامنا عينات غريبة من اليهود.. فهم مثل كل عرب الجنوب يتركون خصلتي شعر طويلتين مجعدتين تتدليان فوق وجناتهم مما يجعلهم يبدون أكثر غرابة.. وعلى الرغم من انهم ليسوا عبرانيين.. فهؤلالء اليهود يمتلكون نفس اخلاق وعادات جميع ابناء يعقوب, فهم اما سماسرة, وأما تجار, لايحبون الزراعة ولا الحرب) . وفي البحث الذي قدمه الدكتور عمشوش الى ندوة (عدن تعز اليمن) التي اقيمت منتصف مايو الماضي.. يورد الباحث مقارنة بين العديد من النصوص للرحالة الفرنسيين حول العلاقات بين الاجناس والتمايز العرقي وعلاقات التعاون بين الاجناس وعلاقات الصراع بين بعض أفراد مختلف الجاليات في عدن.. وكيف ينظر بعضهم الى بعض وكأنهم وحدات متعاركة في حملة عسكرية, فالعرب يكرهون اليهود واعضاء الاتحاد الانجليزي يحتقرون اعضاء النادي الدولي الذي يقبل المهندسين الايطاليين في معامل الملح وغيرها من علاقات التوتر. بركان سيفجر العالم وبحثاً عن الغرابة يصف هؤلاء عدن (بالصخرة البركانية القاحلة ويرى (بول نيزان) في (عدن صخرة محاطة بتموجات دائرية القاها طائر الرخ في طرف المحيط الهندي) , ويضيء عدن بركان قمري انفجر أحد جوانبه كبرميل بارود قبل ان يوجد رجال ينسجون الاساطير ولو انهم قالوا فيما بعد ان عدن بوابة جهنم وان عودة بركان للحياة سيكون ايذاناً بنهاية العالم) . ويخلص الباحث عمشوش في بحثه الى ان نصوص الرحالة الفرنسيين تتسم بتذبذب واضح فيما يتعلق بتحديد من هم المحليون فأحياناً يقصد بهم جميع السكان غير الاوروبيين وفي حالات يبدو ان المحليين هم العرب فقط.. فيما يرى شق اخر من الرحالة بـ (الانجليز فقط هم سادة عدن, والمحليون هم كل من ليس أوروبياً وبعدم الاهتمام بأحوال السكان المحليين التقت محاولات الانجليز بتهميش العرب أو ابعادهم من عدن مع اهمال نسبي لهم في كتابة الرحالة الفرنسيين. هكذا هي عدن قبل أكثر من قرن مدينة تنصهر فيها الاجناس وتبخس حقوق سكانها.. وتتآلف اسطورة البركان الذي سيفجر العالم مع بيضة طائر الرخ التي فقست مدينة في قلب المحيط الهندي اسمها عدن.