لا يمكن الحديث عن ثورة 23 يوليو 1952 في مصر بعيدا عن شخصية ودور قائدها وزعيمها (جمال عبدالناصر) .. فتلك الثورة المصرية التي يجري الحديث عنها كثورة عربية .. يجري الحديث عنها أيضا كثورة ناصرية.. ويقولون عنها ثورة عبد الناصر.. وعن النظام الذي نشأ عنها: نظام عبدالناصر.. حتى أولئك الذين لم يعترفوا لها بمفهوم الثورة يتحدثون عنها باعتبارها انقلاب الضباط الأحرار.. أو حركة العسكر ويتفقون في الحديث عنها بصيغة: انقلاب عبد الناصر. ودون الخوض في أحاديث ومفاهيم وفقه الخلاف بين الانقلاب والثورة.. ودون الخوض في حقيقة الدور الذي لعبه (اللواء محمد نجيب) في ثورة يوليو قبل وأثناء وبعد قيام الثورة.. فإننا نلاحظ مركزية دور عبد الناصر في أحاديث وخلافات التقييمات المتعددة لدور وطبيعة وحقيقة ثورة يوليو في مصر.. فالوجود المتلازم بين الشخصية والحدث قوي عند محبي عبد الناصر وكارهيه عند حرس الثورة والحرس المضاد عند أصدقاء ثورة عبد الناصر ومعاديه ــ أي عند أعداء الثورة وزعيمها وحلفائهما. وتأتي المطابقة بين ثورة يوليو وعبدالناصر في تعبير (ثورة عبد الناصر) من الحلف المعادي للثورة على سبيل الإدانة.. ولكي تكون الإدانة أشد يظهر تعبير (انقلاب عبدالناصر) .. وذلك بغرض التأكيد على الطابع الفردي الانقلابي للثورة.. أي الحركة الانقلابية.. وبغرض التأكيد على الطابع الفردي.. الشخصي.. الديكتاتوري لزعيم الانقلاب.. أو حتى الثورة. كما تأتي المطابقة ـ أحيانا ـ بين الثورة وعبد الناصر في تعبير ( الثورة الناصرية (أو) الثورة العربية الناصرية (من داخل حلف الثورة على سبيل الفخر.. بغرض التأكيد على دور عبدالناصر ـ دون سواه.. من الضباط الأحرار.. وبغرض التأكيد على استمرار الثورة الناصرية في صورة اتجاهات وتكوينات وأحزاب ناصرية في مصر وفي العالم العربي) . وبين الإدانة والفخر.. الإدانة بالفخر والابتعاد.. والفخر بالحسب والانتساب.. يستطيع الباحث المحايد علميا أن يجد الروابط الوثيقة بين ثورة يوليو وعبد الناصر ورفاقه.. بين الحدث وظروفه الموضوعية والسمات الشخصية.. يستطيع الباحث الموضوعي أن يرى الحدث في اتجاهاته الموضوعية وشروط تحققه دون إغفال دور الفرد في التاريخ.. دون مبالغة أو تهوين. السمات الشخصية لعبد الناصر من المؤكد أن جمال عبدالناصر كان مختلفا ــ في اتساق ــ مع زملائه من الضباط الأحرار.. الأمر الذي هيأه لأن يتقدم الصفوف.. أن يتحرك بينهم باعتباره القائد.. ومن المؤكد أنه لا يستطيع أن يكون كذلك دون كفاءات خاصة.. إذ لا يستطيع أحد مهما كان أن يفرض زعامته على جماعة معينة دون قبول هذه الجماعة.. حين يكون الانضمام لمثل هذه الجماعة تطويعا.. أي حين تكون القيادة أمرا لا ينبع من الوظيفة أو الرتبة. فالسمات القيادية لعبد الناصر التي استمدها من مصادر متعددة حتى أصبحت لصيقة بشخصيته.. من وجوده في الجيش وما يتيحه من طرائف الحركة المنضبطة.. والأساليب التنظيمية.. وغيرها من مصادر تكوين الشخصية.. قد بدأت تظهر مبكرا عنده وعند غيره من الضباط.. ونحن نستطيع أن نتلمسها عند عبد الناصر من حقائق بسيطة جدا.. أهمها وضعه بين الضباط الأحرار.. وعلاقة تنظيمه العسكري بما سبقه من محاولات مشابهة.. فوضعه بين الضباط الأحرار.. يتيح لنا الآن التأكد من قدرته على تنظيم وقيادة جماعة وطنية.. يتسم أفرادها بالتنوع الفكري.. حيث ينتمي بعضهم لتيار الإسلام السياسي وبعضهم للتيار الاشتراكي مرورا بالتيارات الوطنية العامة والديمقراطية.. وبروزه كقائد بين هذه التركيبة لا تعني سوى قدره قيادية على صنع.. أو مساهمة في صنع.. التناغم بين كفاءات واتجاهات متنوعة.. وهي قدرة قيادية تنظيمية.. تفتقدها جماعات سياسية كثيرة. أما علاقة تنظيمه ــ الضباط الأحرار ــ بما سبقه من تنظيمات وطنية داخل القوات المسلحة.. فهي علاقة تؤكد الدور القيادي لعبد الناصر.. حيث يقوم أفراد التنظيمات والمنظمات والمحاولات السابقة بقبول الانضمام الفردي لتنظيم عبدالناصر الجديد.. بما يعني قبول هذه الجماعة القيادية دون غيرها بما فيها من علاقات وأوضاع قيادية.. وهو أمر يعكس قدرة هذه الجماعة القيادية الجديدة وأفرادها على المستوى السياسي.. ويقدمها كمنظمة تمتلئ بالكفاءات المتنوعة والشخصيات المقبولة والمشهود لها.. الأمر الذي يعود لأفراد هذه المنظمة ويعود لعبدالناصر في نفس الوقت. ويزيد هنا أن نضيف أن السمات الشخصية لعبد الناصر تنتمي لحزمتين من الأسباب أو العوامل المباشرة.. فالسمات الشخصية القيادية في ذلك الوقت المبكر هي نتاج لتفاعل سمات شخصية قيادية سابقة على تنظيم الضباط الأحرار.. وسمات جديدة نشأت من داخل العلاقات القيادية بين الأفراد في تنظيم الضباط.. بما يحمله الأفراد من خبرات تنظيمية وسياسية سابقة.. فلكل من عبد الناصر ويوسف صديق وأنور السادات وخالد محيي الدين وعبداللطيف البغدادي وجمال سالم وصلاح سالم.. الخ خبرات خاصة.. كان لتفاعلها القدرة على إنتاج خبرات سياسية وتنظيمية جديدة.. أنتجت وأعطت لعبد الناصر كقائد تمكن من البروز القيادي وسط هذه الجماعة سمات قيادية جديدة وخبرات جديدة وكفاءات جديدة.. كان من أبرزها على الإطلاق القدرة على إحداث التناغم بين هؤلاء الأفراد باتجاهاتهم السياسية المختلفة وخبراتهم وكفاءاتهم المتنوعة.. وكان أهم منتجات هذه المرحلة المبكرة هي قبول واعتراف أفراد جماعة الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر.. وقبول الجماعات العسكرية السابقة بالاعتراف بالضباط الأحرار كتنظيم معبر عن الجميع.. وقبول تيارات الحركة السياسية الوطنية المصرية.. من الإخوان المسلمين حتى القوى الاشتراكية بالتعاون مع تنظيم الضباط.. والمشاركة فيه بعناصر عسكرية.. واعتباره شكلا قياديا جبهويا. تفاعل الشخصي والموضوعي ولا يقبل التاريخ استخدام الحرف (لو) .. فبعض الكتابات التي تتناول ثورة يوليو وعبدالناصر من باب انطلاقها من القوات المسلحة نقدا لها.. يقولون لو لم يبادر الضباط الأحرار بانقلابهم لاندلعت (الثورة الشعبية) وغيرت الواقع المصري جذريا. وبعيدا عن مناقشة الحقائق حول إمكانيات اندلاع الثورة الشعبية الجذرية في ذلك الوقت ــ أي في منتصف القرن العشرين ــ فإن (لو) السابقة على اندلاع الثورة بصورة أخرى.. تبحث عن ظروف مصر الموضوعية باعتبارها كانت حبلى بالثورة.. وهذا أمر حقيقي.. لكنه يؤكد سمة أخرى من سمات عبد الناصر وتنظيم الضباط الأحرار القيادية.. حيث تقدم هذا التنظيم.. كسمات ذاتية.. بالتفاعل مع ما هو موضوعي.. باستيعاب حقائق الواقع ومتطلباته.. برفع الشعارات التي تعبر عن جملة الاحتياجات الوطنية والاجتماعية.. وجوهرها القضاء على الاستعمار وأعوانه كمقدمة للإصلاح الزراعي والتصنيع.. وغير ذلك من القضايا التي كانت مطروحة من كافة تيارات الحركة الوطنية. ذلك أن السمات الشخصية للقادة والزعماء السياسيين والمصلحين الاجتماعيين لا تتم أو تتحقق بمعزل عن الشروط الموضوعية المقروءة من هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات قراءة صحيحة موضوعية أيضا.. لكن ما هو موضوعي لا يستبعد أبدا ما هو ذاتي في إطار ما أصبح معروفا ومعترفا به من حقيقة دور الفرد في التاريخ.. الفرد الاجتماعي في سياقه الموضوعي إن صح التعبير. وكمثال فقط دعونا نستخدم (لو) .. فلو لم يتقدم (يوسف صديق) بالحملة الميكانيكية للثورة قبل الموعد بساعة كاملة لفشلت الثورة.. وكان لعبد الناصر ورفاقه وضع آخر لا يعلمه إلا الله.. لكن ما نقصده بالموضوعي هنا.. هو ما نطلق عليه بأوضاع وطنية وإقليمية ودولية ذات سمات معينة.. كان لوجودها وضع حاسم في قيام ثورة يوليو وتقدمها على المستويات الوطنية والقومية والدولية.. الأمر الذي أكد الدور الزعامي.. القيادي.. الكاريزمي لعبد الناصر على كافة الأصعدة.. والذي وضع لثورة يوليو حجمها ونجاحاتها وانكساراتها.. انتصاراتها وهزائمها ونكساتها. * كاتب مصري