لم تكن حكمة أبو زيد ابنة قرية الشيخ داود بالقوصية محافظة أسيوط تعرف وهي عائدة من لندن عام 1955 بعد أن حصلت على درجة الدكتوراه في علم النفس أنها على موعد مع هذا الثائر الذي ملأت أنباء ثورته الأرض لتكون معه أول وزيرة عربية وهي تستعد لتكون استاذة في الجامعة لا تعرف طريق الوزارات ولا تعرف أين مكان وزارة الشؤون الاجتماعية حتى هذه اللحظة التي جاءتها سيارة إلى بيتها لتحملها إليها في أول مرة في حياتها .. ما بين الوزارة والثورة وبين الانفصال والهزيمة والحاضر والآتي تحدثت الدكتورة حكمت أبو زيد في حوارها مع البيان الذي استغرق ثلاث ساعات في منزلها الذي تتصدر صالة الاستقبال به صورة عبد الناصر وهي تؤدي اليمين الدستورية .. وبين الحين والآخر تلتقط الدكتورة من أحد جوانبه نسخة من الميثاق وتقرأ فيه لتدلل على ما تقول .. كما يتدخل رفيق عمرها زوجها الدكتور محمد الصياد محاولا استعادة لحظات الفرحة من ذاكرته وذاكرة الدكتورة كما عاشاها سويا. وتبدأ قائلة: انخرطت في صفوف اللجنة النسائية للمقاومة الشعبية أثناء العدوان الثلاثي عام 56 مع سيزا نبراوي وأنجي أفلاطون وبعد ذلك كنت بين 6 سيدات أخذن في أول مجلس لمحافظة القاهرة عندما ظهرت قوانين الإدارة المحلية في مصر.. وفي عام 1961 كنت ضمن لجنة المئة التي ناقشت ميثاق العمل الوطني وهي المرة الأولى التي دار فيها حوار بيني وبين عبدالناصر وتناقشنا حول المراهقة السياسية والمراهقة الفكرية.. واختلفنا في الرأي فهو رأى أن الفكر يسبق الانفعال بينما كان رأيي أن المرحلة الانفعالية تسبق مرحلة الفكر. ودللت على ذلك للزعيم عبد الناصر بقولي (أحنا في وادي.. والشعب في وادي) .. فرد علي عبدالناصر (أنا أتابع الشعب جيدا) . وتضيف التقطت الميثاق وقرأت ما جاء فيه عن المراهقة السياسية والفكرية واستمرت المناقشة والخلاف ما يقرب من 15 دقيقة.. وهنا يتدخل الدكتور محمد الصياد قائلا : كنت أتابع ما يدور في منزلي الموجود بجوار محافظة الجيزة عبر الشاشة الصغيرة وشاهدت عبد الناصر وهو يكتب في ورقة صغير ة معه اسم الدكتورة حكمت أبو زيد. ويضيف حين عادت الدكتورة حكمت إلى المنزل أخبرتها أن عبدالناصر كتب اسمها في ورقة صغيرة وأن هذا يعني أنه إذا قرر أن تكون في مصر أول وزيرة عربية فسوف تكون هي.. وردت عليه: هل هذا معقول؟ وصدقت توقعات الدكتور الصياد فقد استدعاها السيد علي صبري من رأس البر إلى القاهرة .. وأثناء المقابلة كان عبد الناصر يعلن في خطبة له انه اختار سيدة لوزارة الشؤون الاجتماعية وعاملا لوزارة العمل.. فقال لها السيد علي صبري: من أجل هذا استدعيتك.. وبدأت رحلة الوزارة. رغبات الجنود كيف كان منهجك في إدارة العمل الوزاري؟ ــ كانت خطب وتصريحات عبد الناصر خطة عمل وبرامج علينا إنجازها.. كنت اقرأ في صوته وصورته ما يمكن أن أترجمه فورا إلى عمل.. لا أنسى في إحدى زياراته إلى الجبهة في حرب الاستنزاف قوله لي (الأولاد ليس لديهم رغبات.. لكن عندهم حاجات تتعلق بأسرهم وأولادهم.. وأنا أنظر في عين الواحد منهم وأشعر وكأنه يريد أن يقول لي شيئا.. وأسأله: ماذا بك.. فيرد) أريد أن يدخل أبى المستشفى.. ويسجل الرئيس.. ويستطرد.. أنا لا أستطيع أن أرى هؤلاء) .. وفهمت الرسالة وكونت على الفور لجان رعاية المقاتلين وأسرهم.. ودبت روح دافقة في المجتمع.. وملأت تبرعات المصريين للمقاتلين مخازن الاتحاد الاشتراكي. الاختلاف متى اختلفت مع عبد الناصر؟ ــ بعد الانفصال كنت أشعر بمدى الشرخ الذي أحدثه في قلب عبد الناصر.. لذلك أعلنت رفضي لتجربة الوحدة بين مصر وسوريا للمرة الثانية.. وقلت رأيي أمام الزعيم وفي حضور الرئيس حافظ الأسد الذي كان يجلس بجواري لدرجة انه مال علي وقال هامسا (لا أستطيع أن أعود إلى سوريا بدون الوحدة.. ابنتي قالت لي لاترجع بدونها.. علشان خاطري) .. وشعرت كذلك بشرخ جديد في قلب عبد الناصر بعد الهزيمة ولأول مرة لاحظت انه يمد ساقه أثناء جلوسه.. وبعدها سافر إلى اسنالبوط بالاتحاد السوفييتي فعرفت أن به شيئا.. واختلفت معه في قرار الانسحاب من اليمن.. وأعلنت أن الانسحاب خطر على الثورة اليمنية. تهجير شعب النوبة ما هي حكاية النوبة؟ ــ قرر عبد الناصر تهجير شعب النوبة في عام 1960 من المنطقة الجبلية جنوب أسوان إلى شمالها حتى كوم أمبو وما حولها.. وكانوا معرضون للغرق منذ عام 1939 حين تعلية خزان أسوان.. وقال عبد الناصر لشعب النوبة قولته الشهيرة (ستكون هجرتكم كهجرة المهاجرين الى الأنصار) .. ولا أنسى هذه الكلمات التي هزتني.. وانطلقت أترجمها إلى مشروع متكامل يبني النوبة الجديدة مراعيا سمات الجغرافيا التي كانت عليها قراهم القديمة وأواصر الجيرة والقرابة بينهم حتى يظل النسيج الاجتماعي كما كان.. ونقلنا حتى النخيل والقطط والكلاب والطيور التي كانت لديهم.. وواكب هذا المشروع دورات تثقيفية مكثفة لفتيات القرى في معسكرات استهدفت إقناعهم بهدف التهجير وهو بناء السد العالي وتوعيتهم بكيفية إتمام الهجرة.. وأخذنا رجال القرية وخصصنا لكل منهم 5 أفدنه في المجتمع الجديد ومنزلاً مكوناً من طابقين.. وأطلقنا نفس أسماء القرى القديمة على قرى المجتمع الجديد.. وتم المشروع الذي جندت من أجله وزارات الإسكان والصحة والزراعة واستصلاح الأراضي حتى قال عني الزعيم أثناء لقائه بالسيدة باندرانيكا رئيسة وزراء سيريلانكا التي أظهرت انبهارها بالتجربة (انها عبأت كل إمكانيات الدولة.. انها قلب الثورة الرحيم) .. ومن نجاح التجربة درس مشروع النوبة في الجامعات الكبرى واجري عليه أبحاث للماجستير والدكتوراه. الأسر المنتجة كيف جاءتك فكرة الأسر المنتجة؟ ــ استلهمت الفكرة من سيلان (سيريلانكا) فقد طلب مني الزعيم أن ازور باندرانيكا ووجدت لديهم مشروعاً تعمل فيه الأسر بكامل أفرادها وتتعلم كيف تدر دخلا ولا تعتمد على المعونات.. وطبقت الفكرة في مصر.. وأعلنت يومها أن المجتمع الاشتراكي مجتمع لا يعرف الإعانات ولا الصدقات.. وتحولت الوزارة بالفعل إلى وزارة الأسر المنتجة. ما هي وقائع مؤسسة الأحداث بالمرج؟ ــ للمرة الأولى أتخطى علي صبري لمقابلة الزعيم.. حيث لجأت لعبد الناصر مباشرة لأشكو إليه من رئيس مؤسسة الأحداث في المرج وكان برتبة لواء ولا يعرف شيئا في إدارة المؤسسة ويتصورها مؤسسة عسكرية.. فطلبت من الرئيس أن يخلصني منه.. وهو ما فعله.. وقال علي صبري (كنت قولي لي في الأول.. قبل ما نشيله نشوف له حتة ثانية (.. وقال لي يومها وزير الأوقاف (ازاي قدرتي عليه) . أثناء وجودك في لندن.. هل فهمت دوافع وأسباب الثورة؟ ــ المعلومات كانت شحيحة.. ووكالات الأنباء متضاربة.. مرة تقول عن الضباط الأحرار (هذا الشباب الواعد) ومرة تقول عنهم (مدبروا الانقلاب) .. بالطبع كان لدينا كطلبة رفض تام للنظام الملكي.. وقد شاركت في مظاهرات الطلبة وأنا في مدرسة حلوان الثانوية.. وكلنا نرفض هذا التفاوت الطبقي الظالم في مجتمع ما قبل الثورة.. والثورة تعني لدينا علم تغيير المجتمع كما صاغها عبد الناصر فيما بعد.. وفهمت أسباب الثورة من كل هذه التراكمات.. ولكن المعلومات كانت لا تصلنا كما يجب خصوصا في أزمة مارس 1945.. وظل هذا الاضطراب حتى عودتي عام 1955.. فاندمجت في المجتمع وبدأت نشاطي العلمي والاجتماعي والثقافي.. وتوقفت أمام تجربة تعمير الصحراء في مديرية التحرير.. ودرست مدى تكيف البشر في المجتمع الجديد.. وكانت التجربة هي النبع الفكري والنوعي لتجربة النوبة.. وأصدرت كتابي الأول (التكيف الاجتماعي في الريف المصري الجديد) وقرأ الزعيم هذا الكتاب. ما رأيك في المصطلح الشائع حاليا والمسمى (البعد الاجتماعي للتنمية أو التنمية البشرية) . ــ عبد الناصر قال من قبل الذي يشاع اليوم (البشر هم الثروة الحقيقية للمجمع) .. وكان يضع التنمية البشرية في مقدمة أولوياته.. وكانت ديمقراطية عبد الناصر لها معناها الاجتماعي. سر القائد ما هو سر نجاح عبد الناصر كقائد ثورة في رأيك؟ ــ أول سمة من سمات شخصية عبدالناصر وسر نجاحه هو حبه الجارف لشعبه ووطنه.. الإنسانية الطاغية عليه وشعوره بالفقير.. فضلا عن إمكانيات ومؤهلات القيادة القادرة على جذب الجماهير.. العرب قاموا جميعا عندما تنحى.. لماذا؟.. لأنه مثل القيادة التي كان يبحثون عنها والتي ستنقذهم من الهزيمة. وبمناسبة شعوره بالفقراء.. أذكر ذات مرة وكان الدكتور عزيز صديقي وزيرا للصناعة أنه جاءته عينات من ملابس الأطفال المدرسية.. وسأل عبدالناصر عن هامش الربح فيها.. فقيل له 15%.. فطلب من لجنة وزارية مصغرة كانت تعقد اجتماعها في الإسكندرية مراجعة تسعير منتجات القطاع العام بما يخفض هذا الهامش لنصف قيمته لمراعاة دخول الأفراد. الثورة والظروف المتغيرة هل ثورة يوليو قابلة للتكرار ؟ ــ الثورة كثوابت الهوية والانتماء احترام حدود المكان وهي ثوابت لا تتغير.. أما الثورة كاستجابة لظروف اجتماعية فهي أمر آخر.. فقد تغيرت الظروف الاجتماعية.. ولابد من التغير.. حتى الميثاق سمي دليل العمل الوطني لمدة 10 سنوات.. وبعده ظهر بيان 30 مارس.. الظروف تغيرت.. والناس تتعرض الآن لعملية محو للذاكرة الاجتماعية والتاريخية.. ومطلوب التغيير! إذا كانت الظروف قد تغيرت.. فهذا يعني أن الثورة غير واردة.. ما تعليقك على ذلك؟ ــ الثورة هي الشبح الذي يخيف من أرادوا تفريغها من محتواها حتى يستريحوا.. ولكن الظروف التي قامت من أجلها الثورة كما قلت قد تغيرت.. فمثلا الثورة قامت للقضاء على الاستعمار والآن لدينا الاستعمار الجديد والأنظمة تبحث عن استعمار كي يحميها.. والثورة قامت للقضاء على الإقطاع والرأسمالية.. والآن الإقطاع يعود والرأسمالية تكونت.. والثورة قامت من أجل بناء جيش وطني ونحن الآن في حاجة إلى جيش وطني.. وما قامت الثورة من اجله عاد ليظهر مجددا الآن.. ومطلوب تغيير رؤيتنا لبعد العولمة هذا التغير نكون فيه مواكبين لما يحدث في العالم.. فهل من الممكن أن نأكل 7 أرغفة خبز من 8 أرغفة معونة أي أن إنتاجنا رغيف واحد فقط!.. لذلك وجب التغيير. التيار الناصري ماذا تبقى من الثورة الآن؟ ــ بقي منها الأمل في المشروع القومي الذي يتردد داخل النفوس.. الشباب المتعطل ولا يجد عملا ولا مكانا ولا لقمة عيش.. ولا يتصور أن يبني البيت السعيد الذي تحدث عنه عبد الناصر.. والأمل في التغير مازال باقيا في الثورة ! هل يوجد فرق بين الثورة والناصرية؟ ــ الثورة كانت علم تغيير المجتمع.. أما التيار الناصري فهو موجود في أنحاء الوطن العربي من اليمن إلى سوريا ولبنان والمغرب.. هذا التيار يستخرج فكر وتطبيقات عبد الناصر ويحاول أن يصيغها في أيديولوجيا.. ويربي عليها الشباب . لم يكن هذا فكر عبدالناصر.. وهذا التيار للأسف أفرغ من محتواه عندما انشأ حزبا لان عبد الناصر لا يناقش في الصالونات أو الشقق.. هذا الحزب جعل التيار قطعة ورق وصالونات وشقة.. الحزب قزم التيار الناصري. ثورة يوليو ما بين التجربة والواقع.. كيف نتمثلها الآن؟ ــ نحن عشنا التجربة والواقع.. أي تجربة فيها سلبيات وإيجابيات.. بتصحيح الأخطاء نستطيع أن نتلمس هذا التراث الثوري لكي نبدع ونضع تصورا جديدا.. وسيظل التراث الثوري تراثا. الزيارة السوداء قلت أن عبدالناصر أصابه شرخان.. أولهما الانفصال.. الثاني الهزيمة.. وإسرائيل الآن لها سفارة وبشر موالون لها في مصر.. هل بدا لديك الشرخ الآن؟ ــ ليس الآن.. أما في 19 نوفمبر عام 1977 يوم تمت الزيارة السوداء التي مثلت لي فعلا شيطانيا.. ظللت أتحدث عنه في محاضرات لسنوات طويلة.. وأذكر هذا الفعل الشيطاني وأقول أن التغير لن يحدث إلا بمصر.. فمصر هي القائدة والزعيمة.. وقد غرقت (مصر السادات) المنطقة كلها في دائرة إسرائيل وأمريكا.. والشارع العربي يعرف ذلك وليس الشعب المصري فحسب. لكن في مصر الآن حركة مقاومة واسعة للتطبيع مع إسرائيل ؟ ــ ما يحدث الآن شغل صالونات رفضته من البداية للنهاية ولن يكون هناك تطبيع مع إسرائيل حتى لو عادت الأرض.. ولن يكون السلام إطلاقا مقابل الأرض.. وسوف تظل بيننا وبين إسرائيل حروب صليبية لن تنتهي إلا بعودة القدس كما أعادها صلاح الدين الأيوبي. ماذا يبيع أنصار التطبيع؟ ولماذا لا توافقي على مقاومة التطبيع كما حدث مؤخرا في القاهرة لدى انعقاد مؤتمر كوبنهاجن؟ ــ أريد المقاومة أن تكون شعبية وان تكون المقاطعة شعبية أيضا.. والمطلوب تهيئة الجماهير لمقاومة حقيقية للتطبيع وليس (شغل صالونات) ! وماذا تقولين لأنصار التطبيع في مصر؟ ــ أسألهم: هل نحن على استعداد لبيع مصر.. وهل نحن على استعداد أن نضع أيدينا في أيدي إسرائيل كأننا ضد الطبيعة.. هل نحن على استعداد لان تكون المنطقة كلها زرعة سرطانية تبدأ بذرتها من مصر ؟.. وأسألهم أيضا : ماذا تبيعون.. هل تبيعون المستقبل أم الجغرافيا أم التاريخ.. ولمن تبيعون.. لحفنة جاءت من أنحاء الأرض.. هل تبيعون لهم مفتاح مصر؟! ــ دكتورة حكمت: هل يوجد شيء تندمين عليه الآن؟ لا شيء سوى أنني أسترجع الآن اللحظات الحميمة في حياتي وأندم عليها.. أندم على أنني لم أقترب من الزعيم أكثر.. أندم على أنني لم أتعلم منه أكثر.. فقد انقضى هذا الزمن الذي كنت أشعر فيه بالحلم والأمل والهيبه.. زمن جمال عبد الناصر. القاهرة ــ نور الهدى زكي