23 يوليو 1952 لحظة فاصلة في تاريخ الشعب المصري.. لحظة مسكونة بفيض المشاعر ومشحونة بملايين الأحاسيس الحية المختلطة بدم ودموع وعرق وتضحيات وآمال أجيال كثيرة كافحت من أجل أن تراها وتعيشها أجيال أخري تأتي من بعدها . 23 يوليو ثورة شعب أراد أن يعيد صياغة تاريخه ومستقبله لصالحه فجاءت صناعة مصرية خالصة وملكية مصرية مائة في المائة حتى بعد أن امتد تأثيرها إلي خارج حدودها بكثير. ونحن على أبواب العام الثامن والأربعين لقيامها هل أحطنا بكل ملامح هذه الثورة.. وهل عرف الأبناء والأحفاد وتاريخها الحقيقي أم أن تاريخها مازال مجهولا في خضم سيل من الذكريات والمذكرات والمشاعر المحبة والكارهة والكتابات السياسية النزيهة أو الملونة أو ذات الغرض. واقع الحال يقول بأن المسألة لا تعدو كونها مذكر ات وذكريات منها ما كتب بأمانة ومنها ما لم يكتب بنفس الأمانة.. منها ما يخدم الثورة ومنها ما يحاول النيل منها.. الخلايا ولعل الذي يطلع جيدا ويدقق في الشهادات التي أوردها كتاب "ملفات ثورة يوليو" يلاحظ تناقضا شديدا بين آراء الضباط الأحرار في قضايا عديدة وقد بدأت التناقضات في الآراء تسبق تاريخ قيام الثورة.. فحول الفترة التي أسموها (أيام الكلية) قال حسين الشافعي: في أيام الكلية من سنة 45 كنا نلتقي أنا وجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وثروت عكاشة في بيته في شارع فاطمة النبوية في العباسية. وكنا في هذا الوقت بعد انتهاء الحرب نتلمس الطريق لدرجة أننا كنا نطرق كل الأبواب وفي شهادة وجيه أباظة.. يقول: (إحنا أول مجموعة اتعلمت في القوات المسلحة وهي مجموعة الطيران وكان منها عبد اللطيف البغدادي وأحمد أبو علي الذي أخذ طيارة وراح يوصل الخرايط. اللي المفروض أن الألمان يضربوها أيام الحرب العالمية.. اللي قيل بعد كدة ولا أعرف إتقال.. إزاي.. انه راح مندوب عن مصر علشان يعمل معاهدة مع روميل.. طبعا الكلام ده كله مش مضبوط.. نرجع ليوليو 52 وبعدين حسن عزت جاب لنا أنور السادات ولو إحنا قوات الطيران بس.. كان فيه مجموعات أخرى في الأسلحة الثانية بنسميها الخلايا.. بس هي مكانتش خلايا في وقتها.. إحنا أول خلية اتعلمت في الطيران وكان فيه خلايا المدفعية والفرسان وغيره وغيره.. وبعدين بدأنا نخبر بالطريقة المتفقين عليها أنا أجند 4 معايا وبغدادي يجند 4 معاه وحسن إبراهيم دخل في الدفعة الثانية معايا أنا. أما خالد محيي الدين فيقول في شهادته أيضا: (كل واحد منا كان له رجل في حتة.. كان الوفديون قليلين.. إنما الأحزاب الثانية زي مصر الفتاة فكان لنا علاقة بالقوى ده كلها.. وفيه ناس كانت لهم علاقة بالحزب الوطني لأن الحزب الوطني حزب قديم له اتجاه في الحركة القومية.. المهم هو رفض المفاوضة إلا بعد الجلاء.. وده بيمثل الوطنية المتطرفة والضباط كان عندهم الجانب الوطني المتطرف ده وكان جمال في الحزب الوطني) , وحول هذه المرحلة يقول أبو الفضل الجيزاوي في شهادته: (الثورة لم تقم من فراغ.. إنما كان فيه حركات سياسية سابقة وبعد الحرب العالمية الثانية كل الدول عاوزة تستقل فكان فيه عدد كبير من ضباط الجيش بيهدفوا إلى هذا الهدف وكان هناك أكثر من تنظيم في القوات المسلحة". كما تتباين الشهادات أيضا في قضية الأسلحة الفاسدة وفي حريق القاهرة.. ففي الثانية ظهرت وجهتا نظر كما روى أمين شاكر: و جهة كان يتزعمها البغدادي كانت تقول طالما أننا نزلنا وسيطرنا على المواقع الاستراتيجية في البلد فلابد أن نعلن قيام الثورة في يناير ..52 لكن قالوا (إن عبد الناصر وعددا من أعضاء اللجنة العليا لم يوافقوا على ذلك.. لأنه قال: علشان تبان إنها ثورة لابد نثبت للشعب ان إحنا قادرين على تحريك القوات بتاعتنا وتم الأخذ بوجهة نظر عبد الناصر.. ووجهة ثانية عكس ذلك. مكتبة الوثائق نبدأ مع الدكتور يونان لبيب رزق المؤرخ المعروف وأستاذ التاريخ بجامعة عين شمس الذي يعلق على هذه الروايات المختلفة لقضية واحدة بأنها حالة طبيعية لأنه لا يوجد هناك منهج يحسم الاختلاف في هذه الروايات أو يحكم الصواب والخطأ فيها وهو الأمر الذي ربما تحاول مكتبة الوثائق التي نسعى إلي تجميعها أن تحد من شدته بمعنى أن هذه المكتبة سوف توضع فيها معظم وثائق الثورة وسوف تكون في المتحف المزمع إقامته في مبنى ثورة يوليو وسوف تضم جميع الأوراق الهامة الخاصة بالثورة وقرارات التأميم وقوانين الإصلاح وغيرها.. هي محاولة للاقتراب من الحقيقة. وربما هذا التجميع الذي تعمل فيه الآن لجنة عملية منذ ما يقرب من عامين سوف يتيح للباحثين والمؤرخين فرصة دراسة هذه المذكرات والتقريب بينها ومن ثم تقديم رؤية حقيقية حول أحداث وتاريخ الثورة. المذكرات مضللة وعلى حد قول الدكتور يونان لبيب رزق: ان المشكلة تبدو في غاية الصعوبة وأن الكتابات التي خرجت إلى النور تعتبر تجارب في الكتابة عن الثورة وهي تجارب فجة باستثناء بعض المحاولات التي قام بها شهود على الحدث أو باحثون أكاديميون, وتظل هذه الجهود فردية.. لكن تبقى مشكلة زحم المذكرات الشخصية وأغلبها غير دقيق ــ من وجهة نظري ــ ويمكن أن تكون مضللة لأي باحث. والحقيقة فإن كتابة التاريخ لهذه الثورة بشكل كامل وعلمي لم يحدث لأن هذا يتطلب تكليف لجنة أو مجموعة من العلماء للقيام بهذه المهمة.. وأن يتم تجميع الوثائق المتفرقة في أماكن كثيرة في الداخل والخارج.. وكانت هناك محاولة في هذا الاتجاه, وثم تشكيل لجنة في السبعينات تحت إشراف اللواء مصطفي ماهر لكن لا أعرف لماذا لم تستكمل عملها.. وهناك جهود نشيطة تقوم بها الدكتورة هدى عبد الناصر من خلال مسؤوليتها عن وحدة ثورة يوليو التابعة لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والتي تقوم فيها بتجميع كثير من الوثائق الهامة عن هذه الفترة وهو عمل هام جدا خاصة وأنها مؤهلة لذلك أكاديميا وشخصيا. ويعد الدكتور يونان لبيب العقبات التي تواجه كتابة تاريخ الثورة لكي نتخطى مرحلة الروايات والمذكرات.. فيؤكد أنها تتطلب اتخاذ موقف مسبق من الثورة يحول الكتابة عنها إلي كتابة سياسية أكثر منها كتابة علمية تاريخية لأن المسائل هنا ـ كما ظهرت في المذكرات ـ تتداخل. كما أن وثائق الثورة تحتاج إلى بحث و كشف دقيق خاصة أن بعضها في قصر عابدين وبعضها في وزارة الدفاع والبعض الآخر في الأمن القومي.. وأعتقد أنه عندما يكون الموضوع بحجم ثورة يوليو فهذا يحتاج إلى فترة طويلة للكتابة عنه. ويذكر أن أحد الروائيين المشاهير عندما سأل لماذا تكتب رواية عن الحرب الأهلية الأ مريكية قال مبتسما ــ وهو الروائي وليس المؤرخ: لأنني لن أستطيع الكتابة إلا بعد مرور 50 عاما على وفاة أخر شخص شارك فيها, أيضا نحن نفتقد القواعد والأصول المحددة والمعروفة في نشر الوثائق كما يحدث داخل دار المحفوظات البريطانية وغيرها التي تسمح بالإفراج عن الوثائق بعد 30 عاما, ويذكر الدكتور يونان لبيب أن أحد الباحثين كان يحضر رسالة الدكتوراة عن ثورة يوليو وقد عانى معاناة شديدة كي يطلع على أرشيف الرئيس جمال عبد الناصر, وعندما توصل إليه وجده في حالة يرثى لها وكذلك الحال فيما يخص الوثائق المحفوظة بطريقة خاطئة وغيرها من الوثائق الموجودة في خارج مصر. متاهات عندما طرحت الفكرة على الكاتب الصحفي كامل زهيري نقيب الصحفيين المصريين الأسبق قال: إن تناولك لهذا الموضوع سوف يدخلك في متاهات طويلة وتفصيلات لأحداث تتعدد فيها الروايات فهذا يقول.. وذلك يقول وهكذا دواليك تتعدد وجهات النظر وليس في ذلك فرد ممن شاركوا في الثورة أو كتبوا المذكرات عنها وعن أنفسهم على إلمام كامل بكل الأحداث.. بل إن كل واحد مفهم هو جزء فقط من حدث ما أو أحداث ما شاهدها أو اشترك فيها حيث لم تكن الثورة بطبيعتها واختلاف أحداثها.. مسرحا مكشوفا.. يرى كل ما يدور عليه. أمام هذا تجد نفسك أمام حاجة ملحة إلى إدراج منهج علمي لجمع كل هذه الروايات وتحقيقها.. ومن ثم استخلاص الحقيقة. ودائما التاريخ يصحح نفسه.. فمثلا هناك خلاف ــ حتى الآن لم تتفق عليه الروايات ــ حول موضوع يوسف منصور صديق الذي يرى البعض أنه أنقذ الثورة من الفشل .. والبعض الآخر يرى أنها ليست حقيقة جملة وتفصيلا, ويقول: إن حقيقة الأمر أن أخبار الثورة تسربت منذ الساعة التاسعة مساء يوم 22 يونيو عن طريق ضباط المدفعية ووصلت للملك عن طريق قائد السرب الملكي وبالتالي ألغيت ساعة الصفر وكانت الساعة الواحدة صباحا يوم 23 يوليو وأن الضابط سارعوا بالذهاب إلى وحداتهم لإعدادها وقيادتها للخروج من المعسكرات. ان الاختلاف ــ كما يقول كامل زهيري لم يتوقف عند كتابة المذكرات وفقط بل امتد إلى تحديد من هم الضباط الأحرار.. وما هو دور كل واحد منهم.. وماذا عن ضباط الصف الأول وضباط الصف الثاني.. خذ على سبيل المثال ما كتب حول رواية حسين الشافعي لقرار ترقية عبد الحكيم عامر وما تلاه من تهديد عنيف لاستقرار الجيش حيث شهد حالات من التمرد كان أعنفها وأقساها ما حدث في سلاح الفرسان.. ويومها ذهب جمال عبد الناصر بنفسه والتقى بالضباط المتمردين ودار بينه وبينهم نقاشا طويلا.. هذه الرواية يرويها محمود عبد اللطيف حجازي أيضا فيقول: في يوم 4/2/54 جاءني الصديق الضابط أحمد الحصري وأخطرني بأن هناك شائعة تقول إن مجلس قيادة الثورة سيتخلى عن اختصاصاته ويتركوا الحكم بالكامل لمحمد نجيب, وبعد ذلك توجهنا لمقابلة حسين الشافعي ولم نتمكن لأنه كان في أحد الاجتماعات لكننا حضرنا اجتماعا لبعض الضباط كان يتحدث إليهم صلاح سالم وأوشك أن ينهي حديثه وسمعناه يقول: والآن يا أخوان إما أن نبقى معه كما نحن ــ يقصد نجيب ــ وهذا محال.. وإما أن نترك له الحكم ليحكم حكم الديكتاتور المفرد ونعود نحن لمنازلنا.. أو يذهب هو ويتركنا لتنطلق في آفاق العمل والتقدم, وانتهى اللقاء بهرج ومرج ثم انتظرنا وجاءوا لنا بجمال سالم الذي كان معروفا بعنفه الشديد ظنا منهم أنه القادر على كبح هؤلاء الضباط.. وبعد ذلك حضر إلينا خالد محيي الدين وأفاد أن رأيا مماثلا لرأينا يناقش بمجلس الثورة ــ وهو عودة الدستور ــ وعند ذلك اقتنعنا وغادرنا المكان بعد أن وثقنا في خالد وحسين وكذلك ثروت عكاشة.. وفي صباح اليوم التالي فوجئنا بقرار تنحية محمد نجيب.. أو مع توالي الأحداث تتغير الروايات في كل موضوع. التناقضات الكاتب والشاعر المعروف فاروق جويدة تناول في عدة مقالات قصة كتابة تاريخ الثورة ورغم أنه فرق تماما بين تاريخ ترويه الحكايات والروايات والقصص.. وتاريخ تسجله الوثائق وتؤكده الحقائق.. ورغم أنه يقول أن أكثر العيوب في كتابة تاريخنا أنه اعتمد دائما على الروايات وأهمل الوثائق واستبدلها بحكايات تسقط الحقائق ـ كل هذه الأمور برغم أنني حيادي جدا شعرت أنها أدخلتني في عش الدبابير. وبدلا من أن نطالب جميعا بتاريخ صادق وأمين حول أحداث ثورة يوليو وصلتنا ردود واسعة بعضها اتسم بالتشنج والرفض الكامل أو القبول المطلق وتاهت حقائق التاريخ حتى الآن وسط هذا السيل الهادر من الاتهامات وتوزيع الأدوار.. ورغم مشاركة اثنين من أهم الرموز في هذه الأحاديث وكلاهما كان نائبا لرئيس الجمهورية إلا أن هناك حقائق كثيرة مازالت تحوم حولها ظلال كثيفة.. لدرجة أن الروايات والكتابات والمذكرات التي طرحت اختلفت حول أحداث الثورة نفسها كما اختلفت أيضا حول الصراعات التي دبت بين أعضاء مجلس قيادة الثورة في أيامها الأولى.. واختلفت الآراء أكثر حول الخلاف بين ثوار يوليو واللواء محمد نجيب أول رئيس لمصر بعد قيام الثورة ولأننا نعتمد على الحكايات فقد حدثت تناقضات كثيرة, ولعلني من خلال فتح هذه الحملة الصحية أؤكد لك أن أبرز هذه التناقضات كان حول أحداث الليلة الأولى من الثورة وهنا جاءت أكثر من رواية فهناك من يرون أن الحسم كان ليوسف صديق وهناك من يرون أنه كان لسلاح الفرسان وآخرين يرون أنه كان على يد قوات أخرى من المشاة.. وهناك تداخل أيضا بين الأدوار الحقيقية وبين من هم أصحابها؟ وقد اختلف البعض أيضا بشدة حول دور محمد نجيب في الثورة ففي حين رأى البعض أنه كان دورا هامشيا كان البعض الآخر يرى أنه كان مؤثرا.. وفي الوقت الذي اعترف به البعض بأدوار ضباط الصف الثاني حرم البعض محمد نجيب من حقه.. هناك أيضا روايات متعددة حول القرارات المهمة مثل قانون الإصلاح الزراعي والتأميم والمفاوضات مع الأحزاب السياسية القديمة وجماعات الإخوان المسلمين والشيوعيين والظروف التي أحاطت بالشارع السياسي المصري في ذلك الوقت. منابع التاريخ وحول إمكانية الاعتماد على المذكرات والشهادات الحية في كتابة تاريخ الثورة جنبا إلى جنب مع الوثائق.. تؤكد الدكتورة لطيفة سالم رئيس قسم التاريخ بكلية آداب بنها.. إن التأريخ لثورة 23 يوليو 1952 مهمة شاقة وعسيرة على المؤرخين والباحثين.. لأن المؤرخ يعتمد في كتاباته على المنابع الأولى التي يستقون منها المعلومات والتي تتمثل في الوثائق.. التي تصور الأوضاع تصويرا دقيقا لكي تمنع الاختلاف والجدل حول الحدث أو بمعنى آخر لكي يكون صدور الحكم على الحدث هو الأقرب للواقع.. والوثائق قبل الثورة متاحة سواء كانت داخل مصر أو خارجها. وبالتالي فإننا نلمس كتابات كثيرة للمؤرخين والباحثين نجحت في توظيف هذه الوثائق جيدا. أما بعد الثورة.. فالوثائق الموجودة خارج مصر سواء في الأرشيف البريطاني أو الأرشيف الأمريكي تعد من المصادر الأساسية للتأريخ للثورة.. وبطبيعة الحال فهي ليست متوافرة داخل مصر وإنما الذي أطلع عليها إما أفراد تمكنوا من السفر إليها.. أو بعض المراكز العلمية المتخصصة مثل مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الذي قام بتصوير وثائق وزارة الخارجية البريطانية.. فيما يختص بمصر.. حتى ما يقرب من منتصف الستينات وهذه الوثائق ليست متاحة لجميع الباحثين لينهلوا منها.. بالإضافة إلى أنها لا تغني أبدا عن ضرورة الإطلاع على الوثائق المصرية التي هي بعيدة المنال.. وكم سجلت التوصيات ووجهت النداءات بطلب السماح بالاطلاع عليها. وقد حاول أساتذة وزملاء كثيرون طرق أبواب المسؤولين لعلهم يوافقون ويأذنون ويسمحون بالاطلاع على الوثائق المصرية التي لا يمكن الاستغناء عنها للكتابة عن ثورة يوليو ولكن جميع المجهودات باءت بالفشل. وهذا لا يرجع لعدم تقدير من المسؤولين بقدر ما هو يرجع إلى الوقوف على القانون الذي يقضي بأن يكون الاطلاع على الوثائق بعد مرور خمسين عاما من أحداثها هو الذي جعلهم يصرون على موقفهم الرافض.. وبالتالي فسوف يكتب كل شخص ما شاء ولن تحسم مسألة المذكرات والخلافات إلا بعد تجميع هذه الوثائق بجدية. وإن كنت قد علمت أن الدكتور يونان لبيب رزق يعمل منذ عامين في تجميع بعض الوثائق لوضعها في مكتبة خاصة بالثورة سوف توضع في متحف زعماء الثورة الذي أعلن عنه منذ عامين ولم نسمع بتطوراته حتى الآن.. ولذلك فلن يحسم الجدل الطاحن ولن تنتهي حرب المذكرات ولن يؤرخ للثورة بطريقة علمية رصينة مع استمرار باب الوثائق مغلقا.. مع العلم بأن الوثائق الأمريكية يتاح الاطلاع عليها بعد أن تكون الوقائع التي تضمنتها هذه الوثائق قد مر عليها عشرون عاما وفي بريطانيا فالفترة محددة بثلاثين عاما. ونحن كأساتذة تاريخ يحدونا الأمل أن نحذو حذو الدول المتقدمة في هذا الصدد حتى نزيح الستار عن خبايا عهد وحقبة من أهم الحقب في تاريخ مصر.. وإلا سوف تطول فترة التقييم وسوف يتاجر البعض بالمذكرات الخاصة التي غالبا ما تكتب بوجهات نظر شخصية ولا يلتزم فيها كاتبها الحيادية فهناك من يعلي أدوار أشخاص معينين ويخسف الأرض بأدوار آخرين. وهناك من يرفض ذكر هذه المعلومة لأنها تكشفه أو تكشف آخرين هو لا يريد أن يخسرهم أو يخسر مصالحه معهم.. كل هذه أمور تسيطر على فكر وأسلوب كتبة المذكرات. الشافعي ونجيب والثورة سألت حسين الشافعي ــ نائب رئيس الجمهورية الأسبق حول وجهة نظره في المذكرات التي كتبت حول ثورة يوليو وعما إذا كان له تحفظ على بعض ما كتب أم أنه يتفق معه وهل مازال مقتنعا بكل ما كتبه في مذكراته وفي الأحاديث الصحفية رغم مهاجمة البعض له مثل سامي شرف وغيرهم؟ قال الشافعي: لقد عاصرت الثورة في معظم مراحلها وقلت ما عندي بأمانة سواء في أزمة مارس 1954 بين محمد نجيب وعبد الناصر.. أو في محكمة الثورة ومحاكمة الأخوان المسلمين وحرب 1967 وكون البعض لا يصدق ما أقوله أو يقول أنني لم اقدم الحقيقة فهو متروك لضمائرهم.. فمثلا ما قيل حول الكلمات التي دارت بيني وبين جمال عبدالناصر في1951 وجدت نفسي مندفعا في الحديث معه فيما يشبه الاستشارة والاستعجال وتقديرا للظروف التي كانت تمر بالبلاد في بداية الخمسينات تلك الظروف البشعة - التي جعلتنا لا نطيق في ذلك الوقت ملابسنا العسكرية.. فالسراي والأحزاب يتلاعبون بأقدار الأمة.. والفساد قد وصل إلي ذروته.. والذي كان يدفع الثمن في النهاية هو الجيش.. هذا دفعني أن أقول لعبد الناصر إلى متى سنظل في هذا الهوان؟ أنني لا أطيق البدله العسكرية.. وبعد ذلك أرسل إلي عبد الناصر ثروت عكاشة وعثمان فوزي ـ وكانا من سلاح الفرسان ـوأبلغاني أن أكون قائدا للمدرعات في الثورة.. وحول الروايات المختلفة حول تغيير ساعة الصفر.. قال الشافعي التغيير جاء لأسباب مهمة.. وهي أن بعض المشاركين في الثورة كانوا في أماكن بعيدة مثل رفح والعريش.. وجهات أخري وكان لابد من وصولها إلى القاهرة لأداء دورهم المرسوم في خطة الثورة.. وكان من بينهم أنور السادات.. وبصفته ضابط إشارة كان لابد من أن يعطل تليفونات القاهرة حتى لا نفاجأ بقوات مضادة أو تحركات اتصال. ويشير الشافعي إلى تصور خاطئ يسيطر على الناس الذين يظنون أن الثورة هي جمال عبد الناصر أو حسين الشافعي أو زكريا محي الدين أو غيرهم.. والثورة هي حقيقة ملك لكل واحد في مصر وكل مصري له فيها نصيب.. وستظل الشرعية السياسية في مصر لا تستطيع أن تعتمد في وجودها إلا على ثورة يوليو 52 إلى أن يقوم عمل نضالي على مستوي أعظم من ثورة 23 يوليو كتحرير القدس أو طرد اليهود من الشرق الأوسط كله بحيث تصبح الثورة باهتة إلى جانب هذا العمل العظيم.. والذين استباحوا مهاجمة الثورة بدأوا يتقهقرون. وحول دور محمد نجيب الذي اختلف حوله الكثيرون قال نائب رئيس الجمهورية الأسبق: لا أحد ينكر مشاركته ولا دوره ولا شجاعته.. ولكن محمد نجيب ليس له نصيب من تأسيس الثورة أو قيامها.. وكنا مستعدين جميعا لأن نرفعه إلى هذه الدرجة الرفيعة من القيادة.. فالعلاقات العامة والمظهر العام للثورة تتمثل في محمد نجيب وكان هو متفرغا لهذا الدور.. وكان خير ممثل للجسر بين الشعب والثورة.. لكن مع الأسف كان مدخل أعداء الثورة هو محمد نجيب الذي تجمع حوله الأقطاب والأحزاب والأخوان وكل الفئات حتى الذين كانوا ضد الإصلاح الزراعي. وكان محمد نجيب يزيد الطينة (بلة) بان يقول لهم: لا حول لي ولا قوة وأخيرا أدخل العنصر القضائي.. ولم يكن هناك سبب لكل هذا التغيير.. وبدأوا يبحثون له عن مخارج قانونية لكي يصبح هو صاحب القرار في مجلس الثورة.. رغم أن مجلس الثورة الذي كان هو رئيسه يكون قرارة جماعيا. باختصار الثورة برغم ما أثير وبرغم الخلافات وحرب المذكرات كما نسميها.. برغم كل ذلك.. الثورة استطاعت أن تعطي المثل والقدوة على إن هذا البلد ــ مصر ــ يستطيع إذا أراد أن يستخلص إرادته.. وأن يرفع رأسه إلى أعلى.. لكي تتواصل المراحل والحلقات النضالية كلما فرضت الظروف ذلك على مصر. دور السادات لم ينكر خالد محيي الدين ـ رئيس حزب التجمع ـ التضارب في بعض الآراء التي وردت في مذكرات بعض قادة ثورة يوليو.. مؤكدا أن كل شخص يرى الأحداث من الزاوية التي كان مسؤولا عنها.. لأنه هو الأقدر على تقديم المعلومة في هذه الزاوية.. في حين أن هناك آخرين لم يعايشوا الأحداث في هذه الزاوية بنفس درجة العمق الذي عايشه المشار إليه أولا.. لكنهم أيضا ــ عندما يكتبون مذكراتهم ــ يتناولون الحدث حتى لو كان التناول من بعيد.. أيضا أعتقد أن هناك بعض الضباط الأحرار لم يكونوا يكتبون وقائع الأحداث التي عاصروها باليوم والليلة بل إن معظمهم اعتمد على ذاكرته في الكتابة.. وهناك آخرون لم يفكروا في الكتابة إلا بعد الإحالة إلى المعاش أي بعد فترة زمنية تعتبر كفيلة لأن يحدث تداخل في المعلومات إلى حد ما.. لكن في النهاية كل هؤلاء الأشخاص رجال وطنيون لأنهم حملوا أرواحهم على أكفهم وخرجوا وهم لا يعلمون ماذا سوف يحدث لهم. وتناول خالد محيي الدين المهمة التي كان مكلفا بها ليلة 23 يوليو وهي الاستيلاء على الكتيبة الميكانيكية.. وعزل المنطقة العسكرية بألماظة وكوبري القبة وإخراج وحدات من الفرسان لمساعدة الطيران في الاستيلاء على المطارات ويقول: هناك وجهات نظر تتعدد وكذلك هاجمني البعض عندما اختلفت مع السادات علنا.. وقلت ومازلت أقول أن أنور السادات كان دوره ثانويا في الثورة.. وأننا استعنا به لكي لا يدخل مجموعة الحرس الحديدي.. اكتسبناه وكانت هذه هي رغبته.. لكنه كان حريصا على أن يمسك العصا من المنتصف.. هو فعلا كان في السينما وخرج.. وهو قادم إلى الثورة افتعل مشكلة وحرر بها محضرا أثبت فيه أن الساعة الواحدة ليلا بعيدا عن الثورة وعبد الناصر للأمانة والتاريخ كان هو المفجر الحقيقي للثورة. أما حول الصراع داخل مجلس قيادة الثورة.. فقد كان صراعا طبيعيا يدور حول أسلوب الحكم والديمقراطية والحياة النيابية والأحزاب.. وكان يدور في اتجاهين: الأول كان يرى أن تستمر الثورة في تحقيق أهدافها الأساسية ثم تنسحب من الحياة السياسية.. أما الاتجاه الثاني فكان يطالب بسرعة عودة الحياة النيابية وأن يخوض الضباط المعركة الانتخابية. وقد كنت على سبيل المثال من أنصار الاتجاه الثاني.. وكان رأيي أنه ليس في الإمكان أن يستقر أي حكم مهما أنجز بغير مشاركة الشعب أو الديمقراطية تصلح أخطائها وفي نفس الوقت كان هناك بعض المثقفين والمتعلمين لا يرون مبررا لعودة الحياة النيابية بما لها من عيوب سابقة.. وقد كان محمد نجيب على التيار الأول.. ولكن عندما اصطدم بعبد الناصر والمجموعة ووجد تأييدا في الشارع المصري لم يخف وأيد التيار الثاني وكان أيضا هذا رأي يوسف صديق. أيضا هناك كلام كثير قيل حول علاقة عبد الناصر بالإخوان قبل وبعد الثورة.. والحقيقة أنه عندما عرفني عبد المنعم عبد الرؤوف على جمال عبد الناصر عملنا على توطيد صلتنا بالإخوان المسلمين. ومنذ أن دخلت في التنظيم السري للإخوان.. وحلفنا على المصحف والمسدس أنا وجمال عبد الناصر وحسين حمودة وصلاح خليفة ثم انضم إلينا حسن إبراهيم والبغدادي وحسين الشافعي.. وانتهى التنظيم بقيام حرب فلسطين وقد اختلفنا مع الإخوان لأنني أحسست كضابط أنه لابد أن تكون لنا استقلاليتنا.. فالإخوان المسلمون يحبون أن يخضع الجميع لتوجيهاتهم وحساباتهم.. لم يكن موقف الإخوان من أحداث 1946 مشرفا فلقد أحسوا بالغيرة من الحركة الوطنية الممثلة في الطلبة والعمال الذين كانوا يطالبون بالجلاء فوقفوا ضدها.. وشعروا أنهم فقدوا قيادتهم للشارع, وضعفت العلاقة أكثر بعد حرب 48 عندما استدعى إبراهيم عبد الهادي جمال عبدالناصر حيث عثروا على قنابل يدوية مكتوب عليها اليوزباشي جمال عبد الناصر في إحدى خلايا الإخوان.. فوقف جمال عبد الناصر أمام رئيس الوزراء ورئيس أركان حرب الجيش وكان وقتها عثمان مهدي وقد تم التحقيق معه فأنكر التهمة الموجهة إليه.. وقال إن الكتاب الذي عثر عليه وبداخله القنبلة أعطيته لأحد الضباط الذين استشهدوا ويومها قال إبراهيم عبد الهادي: لو حدث شيء سيكون موقفي رادعا أنني لا أستطيع أن أفعل شيئا في مواجهة الإنجليز.. ولد جريجي ببنطلون مزيت يستطيع أن يقلب مصر رأسا على عقب.. ولو حدث شيء فإن الدول الكبرى ستحتج.. ما العمل إذا؟ ولكن إبراهيم عبد الهادي عجز أن يفعل شيئا مع عبد الناصر لأنه لا يملك قرينة قانونية ثم خرج عبد الناصر وأرسل إلى أصدقائه القدامى وعقدنا أول اجتماع وتكونت الخلية الأولى, وأبلغني ثروت عكاشة وذهبت أنا وعبد المنعم عبد الرؤوف الذي أوصلني ولم يجتمع معنا والتقيت هناك لأول مرة عن قرب بعبد الحكيم عامر وزملائه كمال حسين وحسين إبراهيم ولكننا لاحظنا تغيب عبد المنعم عبد الرؤوف الذي كان من رأيه انه لكي نحمي أنفسنا لابد أن نكون جزءا من تنظيم أكبر.. وكان يعني الإخوان ولم نوافق على ذلك. وحول اختلافه مع البغدادي حول قرارات 5 مارس يقول: كان البغدادي يرى إلغاء القرارات واللجوء إلى الجيش وأصر على ذلك حتى بعد انتهاء الموضوع وكنت أرى أن الثورة تحافظ على وجودها وتعلن الديمقراطية المواجهة مع حرمان كل من أضر بالحياة السياسية وحرمان كل صوت ضد قوانين الإصلاح الزراعي وقوانين الصحافة وفتح حياة سياسية جديدة.. والثورة تنشئ حزبها.. كان الرد هو بأي حق تملك حرمان الناس من الحياة السياسية فإما أن نطلق الحرية أو نعود في مسيرتنا من جديد. الوثائق سرقت ربما عندما يضع الباحثون أيديهم على أصول الوثائق والأوراق الخاصة بالثورة وأحداثها قبل بداية عام 52 وحتى نهاية الحقبة سوف يحسم بعضها من هذا الجدل وسوف يفكر كل كاتب مليون مرة قبل أن يتناول أي من أحداث هذه الثورة العظيمة.. السؤال طرحناه على سامي شرف مدير مكتب الرئيس عبد الناصر والسكرتير الخاص للمعلومات فقال: كل المعلومات والوثائق والأوراق الخاصة بالحقبة كانت موجودة في موقع سكرتارية المعلومات ذي الثلاثة أدوار وكل شيء كان مدونا بما في ذلك مكالمات الرئيس التليفونية ومحاضر الاجتماعات الخاصة والعامة واللقاءات الخارجية والمحلية والإقليمية ووثائق التأميم والقرارات بالكامل لكن أين ذهبت هذه الأشياء فتلك ليست مسؤوليتي فأنا عندما خرجت من المعتقل وجدت أن حتى أوراقي وحاجاتي الخاصة سرقت ومنذ ما يقرب من ثلاثين عاما لا أجدها إلى اليوم.. لكن فيما يخص حقائق التاريخ في هذه الحقبة فقد كانت موجودة كاملة ولا تنقصها قصاصة واحدة وأتمنى أن تطرحوا سؤالا على الذين كانوا مسؤولين عن هذه الوثائق في ذلك لعلكم تجدون لديهم الإجابة. القاهرة - أحمد عمر