كان الامر اكثر بساطة بالنسبة لآدم وحواء كأول زوجين في الحياة الانسانية, لكن اذا كان قانون الطبيعة هو الذي يحكم ذلك الامس البعيد, فميزان اليوم يثقل كفته قانون المادة الصارم الذي غالبا ما يطغى على كل المعطيات في الكفة الاخرى . ليس خافيا ان لغة الحب غدت غريبة عن فهمنا وادراكنا في مواجهة لغة المال العالمية, اما الاحلام الوردية, زوجة, طفل, اسرة هادئة مستقرة, فقد غدت احلاما مؤجلة لدى الكثيرين. وفي الجانب الاخر هناك من حقق الحلم فصار واقعا غير مرغوب فيه ولجأ إلى اعادة التجربة, وان كان من الصعب اعتبار حق اسرة بكل ابعادها الانسانية والاجتماعية, هو من قبيل التجربة العابرة في قطار العمل السريع, البعض يلحظ خيطا رفيعا لكنه ملموس وجلي بين المسألتين: بين العزوف عن الزواج وتعدد الزوجات, اسباب وآثار مشاركة تدعو إلى وقفة متأنية. ظروف مادية وأخرى .. مادية... لقاءات عديدة مع شبان في عقدهم الثالث, اتت نتائجها متشابهة جدا ان لم نقل متطابقة, من ارتبط بعلاقة عاطفية منذ سنوات ظروفه المادية لا تسمح له بتأمين متطلبات الزواج واهمها المنزل, خاصة وان قانون الايجار يفرض عليه التنقل كل ستة اشهر بين منزل واخر, وعائلة (الحبيبة) ان لم تعارض بشكل مطلق فهي على الاقل تطالب بالحد الادنى من الحياة المعقولة لابنها, ومن يلجأ إلى الخطبة التقليدية يواجه بلائحة طلبات لا يملك منها الا التمني, فتلك التقاليد العتيدة لمجتمع يعاني حالة ركود وظروف اقتصادية ليست بالسهلة, التي تقف في وجه احلام فئة كبيرة من شبابنا. على الصعيد الاخر نجد الفتاة وقد احجمت عن الزواج اما لان المواصفات المطلوبة في زوج المستقبل, واهمها الحالة المادية على الاغلب, لم تتوفر بعد, أو لان الشاب الذي وافقت على الارتباط به غير قادر على تحمل مصروفات الزواج في حدها الادنى. ليس كل ما يلمع ظروف لا يمكن لنا التحكم بها: فرصة العمل, الراتب, تأمين المنزل. وظروف نخلقها بانفسنا ثم نبحث عن حلول لها, بهرجة التقاليد, موضة صالات الافراح, موائد الطعام, المجوهرات, اشياء اصبحنا نقيم الشاب المتقدم للخطبة من خلالها ونجعلها معيارا لقبول اتمام الزواج. هذا شيء معتاد في مجتمعاتنا العربية, الانبهار بكل ما يلمع ولو لم يكن ذهبا على الاطلاق, بل ولو كان سرابا, اعتدنا ان نقرن احترام الغير بمقدار امتلاء جيبه, بل جيوبه, مهما كان الرأس فارغا والروح خاوية, ولكن اذا انتظرنا امتلاء جيوب كل الشباب المقبلين على الزواج ولو استغرق ذلك حينا من الزمن, هل نسلم من النتائج؟ حول ذلك حاورنا رغداء الاحمد رئيسة مكتب الشؤون القانونية والخدمات الصحية في الاتحاد العام النسائي, حيث سألنا اولا عن مدى انتشار ظاهرة العزوف على الزواج وان كان ثمة دراسات متخصصة حول هذا الموضوع فاجابت: ــ هناك ارتفاع فعلي في سن الزواج في مجتمعنا السوري, فظاهرة العزوف مسألة محسومة لكن لا يوجد دراسة خاصة عنها حتى الان, ونستطيع استجلاء هذه الظاهرة من خلال الاثار التي تتركها على شباب وفتيات الجيل من آثار صحية مرضية وآثار نفسية, من كآبة ويأس وتوتر, لاشك ان موضوع الاستقرار والامومة والابوة شيء هام جدا للانسان خاصة في ظل مجتمعاتنا العربية حيث لا نقبل قانونيا ولا منطقيا ولا انسانيا اي علاقة بين رجل وامرأة الا تحت غطاء رسمي شرعي وقانوني. * أين الدور الذي يجب ان تقوم به المؤسسات الاجتماعية لايجاد حل لهذه الظاهرة؟ ــ الامر لا ينحصر في جهة معينة بذاتها, فكل من له دور في هذا المجتمع وتأثير في الجيل عليه ان يكثف الجهود لتسهيل عملية الزواج في سن الشباب وخاصة من حيث القضاء على المظاهر السيئة المتعلقة بهذا الموضوع, فعلى سبيل المثال, ما يدفع في حفلة قران واحدة كاف لزواج عدد من الشبان باسلوب بسيط بعيد عن التكلف والمظاهر الخلابة, ومسؤولية المجتمع دراسة هذه الظاهرة لتسهيل السبل التي توفر الارتباط لمن يرغب, نحن نناشد المجتمع للوعي حول اهمية الخيارات المطلوبة في الزواج فهي صفات تتعلق بالتكوين الانساني والاخلاقي وليس فقط بالجانب المادي, وبالنسبة لفتيات الجيل يجب ادراك انه ليس من الخطأ ان تسكن الزوجة في منزل عائلة الزوج فترة من الزمن, بل على العكس فذلك يوطد العلاقات الاسرية والانسانية بينهم ريثما توفير المسكن الخاص اضافة إلى الحد من المتطلبات الضاغطة. عزوف واقبال.. عنوسة وتعدد زيجات عودة الى الخيط الرفيع الذي ذكرناه سابقا.. والصورة كالتالي: آنسة لا بأس بها من الفتيات غير المتزوجات اللواتي بلغن سنا معينة يطلق عليها في مجتمعاتنا (العنوسة) . نسبة من الشبان غير المتزوجين الذين وصلوا الى سن معينة اعفاها المجتمع الذكوري من اطلاق تسيمة ما عليها!! ولأن الرجل الشرقي لا يروق له في اكثر الاحيان حتى لو تقدم به العمر الاقتران بفتاة (جاوزت سنا معينة).. فهذا يعني قلة فرص زواج هؤلاء الفتيات باطراد مع مرور الزمن. ويبدو انه في منتصف العمر تتهاوى قائمة الطلبات التي تم التمسك بها بداية وتصبح الرغبة في تكوين الاسرة والحصول على الاستقرار اقوى من أي معطيات اخرى, وهنا تتسع فرص قبول الفتاة في مثل هذه الظروف للزواج برجل صاحب اسرة, أي رجل ــ كما أسلفنا ــ احب اعادة التجربة من جديد.. وبالطبع نقصد حالات التعدد الخالية من المبررات المقبولة شرعا وانسانا. من ألم التجربة أم عامر التي عاشت هذه التجربة تحدثنا قائلة, بعد ثلاثين سنة زواج ثماره ابناء وأحفاد, اقترن زوجي بأخرى.. انا سيدة متعلمة وعاملة في الوقت نفسه, وكثيرون قالوا لي لماذا اتمسك به رغم انه تخلى عني وعن اسرته, لكن الموضوع اكبر من هذه الظاهرة الضيقة فأولا لا يمكن ان اقبل بتهميشي هكذا بعد كل سنوات المشاركة على الحلوة والمرة كذا يقولون ولم يبق في العمر اكثر مما مضى وبصراحة لم اغفل الجانب المادي. أبنائي في سن الزواج وهم احق بما نملك انا ووالدهم من اخرى لم تساهم في جمع (شقى العمر) مثلما فعلت انا.. وكل ذلك لارضاء رغبة عابرة.. استطيع القول انني خضت صراعا حقيقيا وخرجت منه لا منتصرة ولا منهزمة, صحيح ان زوجي طلق الاخرى في النهاية, لكن من يرد لي كرامتي ويداوي عذاباتي عن تلك الفترة؟!! اما ام رامي فتقول: انا لم اتجاوز الثلاثين من عمري.. لا اعتقد انني هرمت أو اصبحت زوجة غير مجدية!! تزوجت وعمري 15 سنة فقط.. لدي ثلاثة اطفال, منذ سنتين قرر زوجي الاقتران بأخرى, فبعد كل هذه السنين اكتشفت بأنني مذنبة كوني سمراء!! وأراد اخرى ربما كفتيات الستلايت, وتزوج.. لم افكر في طلب الطلاق.. عائلتي غير قادرة على اعالتي وأنا لن اتخلى عن اطفالي وليس بيدي شهادة اعمل بها أو مهنة أمتهنها فرضيت بالضيم. أنا اعيش الآن معها في منزل واحد أنا لا أكرهها أو احقد عليها.. لكن اصبح كل ما يربطني بزوجي ورقة وأطفال لا اكثر ولا اقل. اشتراط عدم التعدد أما رغداء الاحمد فتعلق على هذا الموضوع: اعتبر التعدد اقسى ما يمارس على المرأة حيث تمتهن كرامتها وتصبح مجرد رقم في حياة الرجل, وتكفي النسبة المرتفعة للطلاق بسبب هذه الظاهرة لتؤكد تأثيرها السلبي في مجتمعنا. * وهل يمكن للمرأة اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج؟ ــ يمكن ذلك لكن هذا الشرط غير ملزم للزوج ولا يترتب عليه اثم ان اخل به لأنه يتنافى مع النظام العام لدينا.. لكن يمكن للمرأة ان تشترط في حال حصول زواج آخر ان تطلب الطلاق وتحصل على كامل حقوقها. * في المجتمع وجهات نظر تؤيد ظاهرة التعدد وتدعو لها احيانا.. ما الدور المضاد الذي يمكن ان تقوموا به كمنظمة؟ ــ أولا نحن نفهم النص القرآني حول هذه المسألة كما فسره الفقهاء المتنورون حيث ان تعدد الزوجات مشروط بظروف وحالات استثنائية, لذلك فنحن مع المحاكمة العقلية لكتاب الله وبما ينسجم مع الرسالة الانسانية التي اتى بها الى البشرية جمعاء. ولفهم النص القرآني يجب بالتأكيد دراسة وفهم اسباب النزول, والدور الذي تقوم به هو عقد ندوات دائمة وحوارات متبادلة بهدف التوعية والوصول الى شريحة واسعة في المجتمع. نحن نعيش في مجتمع منظم, امكانية الحركة فيه رائعة.. المهم ان يأخذ كل شخص دوره من موقعه, وفي النهاية لابد ان تسود النظرة العلمية ذات الحجة الاقوى.. وعلى صعيد الاعلام ودوره في هذا المجال أقول لماذا لا يتم افساح المجال لطرح مختلف وجهات النظر من العلماء المتنورين اسوة بوجهة النظر التقليدية التي يتاح لها مجال واسع للتعبير عن آرائها والتوجه بها نحو الاجيال.. وبالتالي نحن كمشاهدين نحلل وننتقد ونختار. عرس شعبي سوري