تحتفل مصر والعالم العربي بعد غد الجمعة بالذكرى السابعة والاربعين لثورة 23 يوليو 1952 بزعامة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر, والتي مهدت لحقبة التغييرات الكبرى عربيا وافريقيا واسلاميا , وقادت حركة التحرر العربية والافريقية, واطلقت موجة قوية للمد القومي العربي. وتأتي الذكرى السابعة والاربعين للثورة وقد اثبت الرئيس المصري حسني مبارك ان جيل أكتوبر هو امتداد واستمرار لجيل يوليو حيث اعاد بناء مصر ورفع اسمها عاليا وهو انجاز تاريخي جبار عادت ثماره على الشعب المصري, وهكذا ستظل ثورة يوليو باقية في أعماق ضمير الشعب المصري والعربي. ويجمع علماء التاريخ والسياسة فى العالم على ان ثورة يوليو ستظل احدى المنطلقات الرئيسية فى التحولات الاساسية لمنطقة الشرق الاوسط والقارة الافريقية ودول عدم الانحياز, فقد كانت ثورة شاملة على الصعيد الوطنى بأكمله وتجاوز تأثيرها حدود مصر والدول العربية ليمتد اشعاعها الى دول العالم الثالث والقوى السياسية الجديدة فى العالم. كما يرى بعض المراقبين ان ثورة يوليو اول ثورة فى المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية والشرارة التى فجرت العديد من الثورات فى العالم العربى ومعظم دول العالم الثالث. ولذلك سوف تبقى ثورة يوليو (مهما اختلف المورخون بشأنها) نقطة تحول كبرى فى التاريخ الانسانى وستظل نابضة بالحياة, تستخلص من احداثها الدروس العظيمة التى بقيت جميعها فى وعاء الوطنية. ان ثورة يوليو كانت ثورة بيضاء من بين ثورات دول العالم بالنسبة لحقبتها التاريخية ولم تغرق البلاد فى مجازر, كما حباها الله بثلاث زعامات متتالية جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك يمثل كل منهم فى حد ذاته مدرسة سياسية وفكرية متميزة وجسد كل منهم أمال وهموم المواطن المصرى خلال حقبة زمنية معينة. ومن ناحية اخرى كانت ثورة يوليو من الثورات القليلة التى تمتعت بشجاعة كبيرةنادرة فى الاعتراف باخطائها وبممارسة نوع من النقد الذاتى وبالتالى القيام بالتصحيح الفورى والمستمر لاخطائها وقد ادى ذلك الى خروجها دائما مرفوعة الرأس من اى امتحان حقيقى خاضته مهما كانت نتيجته. ومثال ذلك فان الثورة اعترفت بخطئها حينما تأخرت نسبيا فى تحقيق الهدف السادس من اهدافها, ثم كانت أسبق من غيرها من الثورات فى بدء عملية التحول الديمقراطى بل ساعدت على قيام احزاب المعارضة التى خرجت من تحت عباءتها. كما ان هزيمة يونية 67 بكل مرارتها وبكل سلبياتها لم تكن شرا على طول الخط وانما كانت نقطة تحول خطيرة فى مسار الثورة التى سارعت باحداث تغييرذاتى, وكما كانت القوات المسلحة هى طليعة التصحيح فى 23 يوليو كانت هى نفسها طليعة حرب اكتوبر 73 التى اعادت الكرامة للوطن وان تجعل الوطن كله رافضا للهزيمة وتمسكا بالنصر. لقد جسدت ثورةيوليو حلم المصريين فى وطن حر مرفوع الرأس والكرامة فنجحت فى اجلاء القوات البريطانية عن مصر بعد احتلال دام 72 عاما حيث وقعت مصر على اتفاقية الجلاء فى 18 يونية 1954.. وكان هذا النجاح هو بداية السير فى اتجاه تحقيق بقية اهداف الثورة حيث خاضت معارك كثيرة ابرزها معركة تأميم قناة السويس فى 26 يوليو 1956 ردا على قرار الغرب برفض تمويل مشروع السد العالى الذى يعد العمود الفقرى لخطط التنمية الاقتصادية وصاحب الفضل الاكبر فى حماية مصر من خطر الجفاف. وأحدثت ثورة يوليو1952 تغييرات شاملة فى مختلف مجالات الحياة فى مصر وهو ما تجسد فى المبادىء الستة للثورة التى اعلنتها.. وتمثل هذا التغيير فى القضاء على الاقطاع وصدور قوانين الاصلاح الزراعى وتحقيق العدالة الاجتماعية بين فئات الشعب وتقدمت الفئات التى ظلت محرومة من كل شىء لتتبوأ مقاعدها فى عملية البناء والتحرر. وواصلت الثورة تحقيق اهدافها فأقامت قاعدة صناعية ضخمة وواكب ذلك تأميم المؤسسات الصناعية الكبرى واشراك العمال فى مجالس ادارتها منذ عام 1961 وتأميم البنوك الاجنبية, كمااهتمت الثورة بمجانية التعليم ومد مظلة التأمينات الاجتماعية, واحدثت ثورة ثقافية في الريف والصعيد واذا كانت ثورة يوليو قد لقيت تأييدا كاسحا من كل ابناء مصر فانها لقيت نفس التأييد من كل انحاء الوطن العربى واعتبر كل العرب ثورة مصر هى ثورتهم وانطلقت الثورات العربية بعد ذلك وكانت دعوة الرئيس جمال عبد الناصر الى الوحدة العربية بمثابة الشرارة التى اشعلت جذوة الصحوة الوطنية وانطلاقها من المحيط الى الخليج. ان الثورة مستمرة لأن الفكر لاينتهى والمبادىء لاتموت والاعمال باقية لأن التاريخ لاينسى والتجارب الناجحة لاتخلو من اخطاء. ــ أ.ش.أ