يمتد الجزء الجنوبي الغربي من الساحل الفلسطيني على المتوسط بطول 45 كيلو متراً هو قطاع غزة الذي تبلغ مساحته 365 كيلو متراً مربعاً ويصنف في طليعة الاماكن الارضية من حيث الكثافة السكانية حيث يتزاحم كل ثمانية اشخاص المتر المربع الواحد من الارض . مع ذلك لم يشهد القطاع ازمة مائية الا بعد الاحتلال الاسرائيلي الذي غزاه بمستوطنات مدروسة بدقة صهيونية متناهية الخبث حيث تم تشييدها على الاحواض المائية الجوفية وبدأت مسيرة الاستنزاف بلا رقيب حيث انشغلت سلطات الاحتلال بتقنين قطرات المياه الذاهبة لفلسطين غزة. رغم ذلك اغلفت السلطة الفلسطينية في اتفاقات اوسلو ازمة قطاع غزة المائية التي توشك على التحول الى كارثة جفاف وخلت نقاط الاتفاقات السبع من اية اشارة لقطاع كبير يئن تحت وطأة العطش والمستوطنون الغزاة ينعمون بمياه في المسابح. وفي الافق تلوح بوادر انفجار جديد في هذا القطاع الذي احترف تفجير الثورات وآخرها الانتفاضة. والمياه في قطاع مشكلة كبيرة مثلها مثل باقي الدول العربية, تحدثنا سوزان عقل الباحثة في مركز التخطيط التابع لمكتب الرئيس الفلسطيني حول واقع واخطار هذه المشكلة فتقول: الامن المائي يعني المحافظة على الموارد المائية المتوافرة واستخدامها في الشرب والري والصناعة والسعي بكل السبل للبحث عن مصادر مائية جديدة وتطويرها ورفع طاقات استثمارها. وأكدت ان الامن المائي لا تقل اهمية عن سواه بل هو يفوق كل ما سواه نظرا لامكان تحقيق المزيد من الغذاء وبطرائق زراعية وصناعية مختلفة. واوضحت الباحثة ان للأمن المائي ابعاداً ثلاثة: بعد اقتصادي وبعد جغرافي وآخر سياسي وانه لا شك في وجود علاقة عضوية وطيدة بين الامن المائي وبين الاستقلال الاقتصادي والسياسي وتحقق الامن المائي يقود الى ضمان تحقيق الاستغلال السياسي. وقالت ان الدولة التي لا تستطيع تأمين ثروتها المائية من مخاطر التبذير وسوء التصرف اللاعقلاني في الداخل او من مخاطر السيطرة الخارجية على مصادر المياه المستثمرة اقتصاديا هي دولة عاجزة عن ضمان امنها الاقتصادي وعندها تكون عاجزة عن تحقيق حاجاتها الاقتصادية بسبب فقدانها الحد الادنى من السيطرة على ثرواتها. واشارت الى انه من ابرز خصائص ازمة المياه هو استخدامها كسلاح سياسي وورقة ضغط لحل المشكلات الاخرى والامر لا يعدو ان يكون واحدا من ثلاثة: اما حالة المساومة والتهديد واما حالة القسر والجبر واما حالة الاستيلاء. وأكدت الباحثة عقل ان الحالة التي تميز قطاع غزة هي حالة الاستيلاء حيث يستولي الاحتلال الاسرائيلي على المياه الفلسطينية ويحرم السكان من التمتع بحقوقهم. ونبهت الى ان قضية المياه تستخدم كوسيلة لتحقيق أحد الابعاد العامة للامن القومي لاسرائىل الذي يتجسد بصورة واضحة في استيلائها على كميات متزايدة من المياه واستنزاف المياه العذبة في قطاع غزة. اخطار وتحدثت الباحثة عن اخطار كبيرة تهدد الامن المائي في قطاع غزة هي: مشكلة التلوث ومشكلة الملوحة موضحة ان التلوث يعد واحدا من اهم الاخطار التي تهدد الموارد المائية في القطاع بسبب ضعف تقنيات حماية البيئة من التلوث الصناعي وهذا يؤدي الى خسارة كميات كبيرة من المياه السطحية والجوفية ويزيد نسبة التلوث بزيادة النفايات الصناعية وفي الزراعة وينجم التلوث في المياه عن وصول مياه المجاري للخزان الجوفي بسبب عدم توفر شبكات الصرف الصحي في مناطق عديدة من القطاع. تتابع: نتجت ظاهرة التلوث عن انتشار ظاهرة الحفر الامتصاصية الى اعماق كبيرة تصل في بعض الاحيان الى مستوى الخزان الجوفي مباشرة اضافة الى ان الاستخدام المفرط للاسمدة والمبيدات الكيماوية في الزراعة يشكل واحدا من اسباب التلوث وفي قطاع غزة يستخدم (75) مكب مبيدات منها (19) مكباً محرما دوليا بسبب خطورتها وهذه المكبات اذا ما زادت نسبتها عن حد معين فستؤدي الى زيادة مادة النيترات في المياه الجوفية عن الحد المسموح به دوليا وهو 45 ملجراماً/ لتر وتتركز نسبة النيترات اكثر في المناطق الشمالية من القطاع والمتميزة بعذوبة مياهها لكن يجرى هناك استخدام الاسمدة النيتروجينية في الزراعة اضافة الى انتشار حفر الامتصاص وتسرب مياه الصرف الصحي الى خزانات المياه الجوفية. وحسب تقارير رسمية فإن الامراض السرطانية وخاصة سرطان الدم وامراض الجهاز الهضمي لدى الاطفال والامراض الباطنية التي اخذت تنتشر بين الفلسطينيين في قطاع غزة سببها الابرز تلوث مياه الشرب. اما بخصوص مشكلة ملوحة المياه فقد حددت الباحثة عقل سببين اساسيين وراء زيادة ملوحة المياه: الأول اطلقت عليه الملوحة المكانية وذلك عندما تتسرب مياه الامطار الى الخزان الجوفي فإنها تذيب بعض الاملاح القابلة للذوبان في الماء وتعمل على ملوحة المياه مع تلك المنطقة وهذا يرتبط ايضا بنوع التربة وكمية ما تحتويه من املاح. والسبب الثاني وراء مشكلة ملوحة المياه في قطاع غزة, هو ملوحة مياه البحر حيث تتركز هذه الملوحة في الابار القريبة من البحر والناتحة عن تسرب مياه البحر عبر الطبقات الحافظة للمياه الى الخزان الجوفي. واكدت ان سبب هذا الوضع هو الاستنزاف المتزايد للمياه في بعض المناطق الساحلية وبصورة خاصة المستوطنات الاسرائيلية والزراعية منها على وجه التحديد والتي تتجاوز بكثير الكمية المتفق عليها للضخ من المياه الفلسطينية سنويا. وتوضح عقل ان نوعية المياه الجوفية تختلف من منطقة الى اخرى وذلك اعتمادا على الموقع الجغرافي وعمق الطبقات الحاملة للمياه ونفاذيتها وبصورة عامة فإن المياه الجوفية العذبة تتركز في منطقتين منفصلتين عن بعضهما البعض الاولى تقع في شمال القطاع (بيت حانون) وتغطي مساحة (45) كيلو متراً مربعا والثانية في جنوبه (رفح) بمساحة (35) كيلو مترا مربعا, اضافة الى بعض المناطق الممتدة على طول الشريط الساحلي ذات الكثبان الرملية. اما في المناطق الاخرى من القطاع فالملوحة في الطبقات العليا من الخزان الجوفي تتراوح مابين 500 ــ 1000 ملجم/ لتر من مادة الكلورايد والاخطر ان هذه الكمية تزداد تدريجيا مع العمق. واعتبرت عقل ان ازمة المياه في قطاع غزة تفاقمت وزادت حدتها في السنوات الاخيرة لعدة اسباب منها, غياب التشريعات المائية وما لحق ذلك من غياب للسياسات المائية ومنها ايضا تنفيذ اعادة انتشار الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة وقدوم السلطة الفلسطينية وفق اتفاقات السلام وما يمثله ذلك من مرحلة انتقالية اذ كانت التشريعات والقوانين غائبة تماما في هذه الفترة وادى الحفر العشوائي للابار وزيادة كمية الضخ منها وزيادة عدد السكان الى زيادة ازمة المياه موضحة ان هذا الوضع استمر الى ان تشكلت سلطة المياه الفلسطينية وجرى اصدار القوانين التي تحد من استنزاف المياه. واوضحت ان الضخ الزائد من الخزان الجوفي للمياه في قطاع غزة سواء كان بفعل المستوطنين ام المواطنين قد ادى الى هبوط مستوى المياه العذبة بمعدل يتراوح مابين 15 ــ 20 سم سنويا, حيث وصل منسوب المياه الجوفية العذبة في بعض المناطق الى مستوى سطح البحر, واذا ما استمر التناقص بنفس المعدل فإنه من المتوقع ان تنفذ المياه العذبة خلال الاعوام القليلة المقبلة. وتشير الباحثة الى ان العجز في المياه العذبة في قطاع غزة يبلغ حاليا (50) مليون متر مكعب في السنة وفق التقديرات تعتقد عقل ان الصراع على المياه هو الصراع المستقبلي الذي قد يصل في احدى مراحله الى حالة الحرب وان من الاثار السياسية لازمة المياه ان الفصل بين أراضي الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة وباقي اجزاء فلسطين ادى الى زيادة ازمة المياه وعزلة القطاع وعدم التمتع بالفائض المائي الموجود في الضفة الغربية. و نوهت الى انه في اطار السعي للحصول على القوة الاقتصادية كسمة مميزة للنظام العالمي الجديد فان عنصر المياه سيكون بارزا في الاستراتيجية الدولية وقالت (ستلعب المياه دورا كبيرا في اعادة توزيع خريطة القوى السياسية في المنطقة بحيث تصبح الدول ذات المصادر المائية المتوافرة هي القوى الاقليمية الجديدة) . اما على الصعيد الاقتصادي فتوقعت عقل ان تصبح المياه سلعة تباع وتشترى وهو ما تسعى اسرائيل الى تحقيقه كما توقعت ان يؤدي تفاهم ازمة المياه الى تزايد حدة ازمة الغذاء. وحول مدى خطورة ازمة المياه وتفاقمها على الوضع السياسي الفلسطيني قالت عقل: (يحذر الخبراء من عدم وجود اي علاج شامل في التعامل مع مشكلة نقص المياه. واضافت ان اقتراح تحلية مياه البحر في غزة مثلا باهظ التكاليف كما ان استيراد المياه من الخارج يجعل المنطقة تحت رحمة الدول المصدرة للمياه. واشارت الى انه يبقى الاحتمال المتزايد بان تؤدي النزاعات والخلافات على المياه سواء في مصادرها او الحق فيها الى تغذية التوترات الاقليمية حيث يدعم هذا الاستنتاج عدة عوامل: اولها ان موارد المياه حاليا وبسبب التوترات السياسية القائمة في المنطقة لاتخضع لاتفاقية تقسيم المياه كما ان القانون الدولي لم يوفر اساسا واضحا لتلك الاتفاقيات وهو ما يعزز تحكم اسرائيل في الموارد المائية المتوفرة والتمسك بها وتجاهلها لحقوق الشعب الفلسطيني في المياه. المستوطنات واستنزاف المياه وعن اثر المستوطنات على تفاقم ازمة المياه في القطاع قالت عقل: منذ الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية, عملت السلطات الاسرائيلية على حرمان الفلسطينيين من التمتع بحقوقهم المائية ومارست كافة الوسائل التي تحول دون ذلك وهي وسائل تتعارض تماما مع القوانين الدولية من اجل فرض السيطرة الاسرائيلية على مصادر المياه حيث اقيمت المستوطنات في قطاع غزة بطريقة منظمة ومدروسة حيث يتم اختيار الموقع بعد دراسة ومعاينة ومسح شامل للمكان المطلوب اقامة المستوطنة فوقه ومن ثم اعداد الخرائط للموقع مع دراسة لكمية الامطار ونوع التربة ومصادر وجودة المياه قبل مرحلة التشييد. واكدت ان المستوطنات في القطاع افتتحت في المناطق التي تتوفر فيها كميات كبيرة من المياه ذات النوعية الجيده والعذبه والقريبة من السطح وبالتالي فان معظم المستوطنات في قطاع غزة هي مستوطنات زراعية تعتمد على المياه الجوفية والامطار وهذه المناطق محظورة على الفلسطينيين حيث مارست السلطات الاسرائيلية اساليب شتى لاحكام سيطرتها على المياه. وتتدخل السلطات الاسرائيلية مباشرة في استثمار الفلسطينيين للمياه لحماية امدادات المياه للمستوطنين الاسرائيليين حيث اصدرت على مدى سنوات الاحتلال عدة اوامر عسكرية تمنع بموجبها المواطنين من حفر ابار جديدة او تعميق ابار قديمة او تجديد دوراتها الا بتصريح مسبق يصدر بعد دراسة ورؤية يحددها الحاكم العسكري والسلطات الزراعية المختصة. واصدرت السلطات الاسرائيلية في 22 اغسطس 1967م الامر العسكري رقم (92) وبعد ذلك بوقت قصير اصدرت امرا آخر برقم (158) وضعت بموجبهما الابار والينابيع ومشاريع المياه تحت السيطرة المباشرة لقيادة الحاكم العسكري وفرض هذا الاخير على المواطنين بموجب اوامر يصدرها الحصول على تصريح من المسؤول في القيادة اذا ما رغبوا في حفر ابار جديدة وتعميق او اصلاح الابار القائمة بل ان الامر شمل ايضا الابار التي كانت قائمة قبل احتلال اسرائيل للاراضي العربية عام 1967. وتابعت عقل ان المضايقات شملت الابار القديمة حيث طلب من اصحابها الحصول على تراخيص بحسب القوانين الجديدة ويعطي القانون للمسؤول الاسرائيلي الصلاحية في رفض او تعديل او تجديد التراخيص للمشروع القديم حسب ما يراه مناسبا وبدون ابداء الاسباب. ولعل ابرز الامور العسكرية التي صدرت هو الامر رقم (291) للعام 1967م الذي يمنع اي فلسطيني بحفر وتنفيذ اي مشروع يتعلق بالمياه بما في ذلك فحص المياه او مراقبتها وكذلك الامر العسكري رقم (498) للعام 1968م الذي ينص على ملكية جميع مصادر المياه لاسرائيل وفقا لقانون المياه الاسرائيلي للعام 1959م. وغني عن البيان ان هذه الاوامر تهدف الى احكام السيطرة الاسرائيلية على مصادر المياه بالاضافة الى ان السلطات العسكرية كانت تمنع المواطنين من حفر او تعميق الابار بالقرب من المستوطنات وكانت تقوم بردم الآبار التي يتم حفرها بدون ترخيص. وقالت الباحثة الفلسطينية استنادا الى معلومات وثقتها ان المستوطنات اليهودية تشكل نسبة 16.3% من اجمالي مساحة القطاع حيث شيدت (17) مستوطنة حتى عام 1987م منها (11) مستوطنة زراعية او ذات طابع زراعي يسكنها ( 5000) يهودي وان المساحات الاستعمارية في قطاع غزة وصلت الى ( 42575) دونما حتى عام 1997م وان هذه الاراضي تقع معظمها على الشريط الساحلي في المنطقة الجنوبية وتحديدا ما بين مدينتي دير البلح ورفح وفي منطقة الكثبان الرملية شمالا حيث تتركز المياه العذبة وتؤكد عقل ان معظم المستوطنات الاسرائيلية اقيمت في المناطق التي تتميز مياهها بالنوعية الجيدة, ومن اهم هذه المستوطنات: المستوطنات الشمالية وتشمل: ايرز وتأسست عام 1968, نيسانيت وتأسست عام 1982, إيلي سنياي وتأسست عام 1983, دوغيت وتأسست عام 1990م. وتوضح عقل ان هذه المستوطنات تعمل بالزراعة باستثناء مستوطنة ايرز الصناعية وان هذه المستوطنات جميعها تقع على الخزان الجوفي المائي للقطاع في الجزء الشمالي منه وتعتبر المياه في هذه المنطقة من اجود واعذب المياه حيث تتحكم اليوم مستوطنات الشمال في مياه الفلسطينيين. اما مستوطنات جنوب غرب غزة مغايرة عن مستوطنة واحدة وهي منشاريم تأسست عام 1972 وهي مقامة على بحيرة من المياه الجوفية العذبة. ومستوطنات المنطقة الجنوبية تبلغ احد عشر مستوطنة وهي: نتسير حزاني وتأسست عام 1973 غوش قطيف وتأسست عام 1977م جاني تال وتأسست عام 1978م نفيه دقاليم وتأسست عام 1983 جديد وتأسست عام 1979م حان اور وتأسست عام 1980م بدولح وتأسست عام 1986م بني عتصمونة وتأسست عام 1979م بات سرى/ شيلين وتأسست عام 1989م رفيح يام وتأسست عام 1984م وموراج وتأسست عام 1972م وتؤكد الباحثة عقل ان هذه المجموعة من المستوطنات تقع فوق المياه الجوفية العذبة ويتحكم المستوطنون في مياه هذه المناطق بشكل مباشر مشيرة الى ان السلطات الاسرائيلية حظرت على الفلسطينيين حفر آبار بالقرب من المستوطنات وتحديد كمية المياه التي يستخرجها المواطن من البئر وذلك حتى لا يؤدي الى الحاق الضرر بالمياه في آبار تلك المستوطنات. وحسب عقل فقد بلغ عدد الآبار في المستوطنات حتى عام 1993م (31) بئرا تضخ ما يقارب (10) ملايين متر مكعب من المياه سنويا . وكشفت انه تستهلك داخل المستوطنات من هذه الكمية فقط 3.5 ملايين متر مكعب اما الباقي فتباع خارج المستوطنات داخل الخط الاخضر ومن ثم تقوم شركة المياه الاسرائيلية موكوروت ببيعها للسكان الفلسطينيين في القطاع تحديدا سكان المنطقة الجنوبية منه. وحسب مصادر متخصصة يوجد في مستوطنة جديدة (10) أبار وفي مستوطنة غوش قطيف (7) وفي كل من كفاردوم ونتساريم (2) وفي جنوب دير البلح (5) وفي مستوطنة موراج ( بئر واحدة). هذا اضافة الى الابار (الخاصة) التي تمتلكها المستوطنات وتستغلها دون قيود ولم يعرف عددها, وتضخ المستوطنات كميات كبيرة من المياه من هذه الابار ولا يناسب كمية المياه التي يتم ضخها مع مساحة وعدد المستوطنات حيث تفوق هذه الكمية الاحتياجات الطبيعية لتلك المستوطنات. وتقول الباحثة عقل يقدر استهلاك المستوطن من المياه بحوالي (7) اضعاف ما يستهلكه المواطن الفلسطيني موضحة انه يبلغ معدل استهلاك الفرد الفلسطيني من المياه حوالي 60 لتراً في اليوم في المحافظات الوسطى والجنوبية ( دير البلح ــ المغازي ــ البريج ــ النصيرات ــ الزوايده ــ خانيونس ــ رفح) ويزداد هذا المعدل الى حوالي 100 لتر/ اليوم في محافظتي غزة والشمال ( غزة ــ جباليا ــ بيت لاهيا ــ بيت حانون) فيما يبلغ استهلاك المستوطن حوالي 350 لتراً في اليوم تقريبا. وحسب التقديرات الفلسطينية بلغ استهلاك المستوطنين للمياه في عام 1991م حوالي 30 مليون متر مكعب في حين بلغ استهلاك الفلسطينيين في نفس العام 5.31 ملايين متر مكعب اما استهلاك المستعمرات للمياه المنزلية فقد بلغ حسب احصائيات عام 1995م حوالي 5.5 ملايين متر مكعب / السنة كما ان معدل استهلاك المياه في الزراعة مرتفع جدا مقارنة بباقي المناطق حيث وصل الى حوالي 90%. ولخصت عقل الممارسات الاسرائيلية تجاه الحقوق المائية الفلسطينية باربع نقاط: أولا: اقامة السدود على وادي غزة لحجز المياه ولتحويلها الى منطقة النقب داخل الخط الاخضر وتبلغ كمية المياه التي يتم تحويلها حوالي (20) مليون متر مكعب سنويا. وثانيا: قيام اسرائيل برمي المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي في أودية القطاع , وثالثا: قيام اسرائيل بحفر سلسلة من الآبار على حدود القطاع من جهة الشرق وعلى طول الخط الحدودي معها تضخ من خلالها المياه لمدة (18) ساعة يوميا تسحبها الى منطقة النقب وسجل في هذا الصدد نشاط (24) بئرا اسرائيلية وجميعها تعمل على استنزاف المياه الجوفية القادمة من جبال بئر السبع والخليل قبل دخولها الى القطاع. والنقطة الرابعة والاخيرة قيام اسرائيل بحفر آبار محاذية لخط الحدود الشمالي ( شمال بيت لاهيا) وهذه الآبار تستنزف مخزون المياه العذبة الموجودة في الشمال (وهي الرصيد المتبقي الآن في القطاع) . أوسلو وأزمة المياه أوضحت عقل ان هناك تسعة بنود تتعلق بالمياه وردت في اتفاق القاهرة لا يوجد بينها أي بند يتعلق بالحقوق الفلسطينية في مياه قطاع غزة. وانتقدت خبيرة المياه الفلسطينية اتفاقات السلام لما فيها من خلل يؤدي إلى استغلال الاسرائيليين والمستوطنين اليهود المياه العذبة في الاراضي الفلسطينية ويهدد بكارثة في المياه تتمثل في زيادة الملوحة وما ينتج عنها من امراض وتلوث ثم فقدان المخزون الجوفي من المياه مما يعزز احتمالات تأجج الصراع من جديد بسبب المياه هذه المرة. وأشارت عقل إلى أن أبرز مظاهر الخلل والاتفاقات الموقعة بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية هي اولا: بقاء ادارة مياه المستوطنات في يد شركة المياه الاسرائيلية موكورت وهو ما سيخلق وضعا لا يمكن من خلاله مراقبة المياه الجوفية ولا يمكن وضع سياسة مائية وطنية بدون ادارة هذه المصادر. ثانيا: تفتيت مصادر المياه اذ انه من غير المقبول بل وعلى درجة من الخطورة ان يتم القبول بادارة مصادر المياه في غزة ضمن الحدود الجغرافية لهذه المنطقة بدون التعامل مع المناطق الاخرى, فلا يمكن أن ينفصل قطاع غزة من الناحية الهيدرولوجية عن باقي اجزاء الارض الفلسطينية, وهذا الحال سيخلق تشتتا في التخطيط كما سيخلق صعوبة بل استحالة في حل مشكلة قطاع غزة على الاقل. ثالثا: بقاء معدلات استهلاك المستوطنين على ما هي عليه, وهذا الامر غاية في الخطورة حيث انه يجري استنزاف للمصادر المائية الفلسطينية, ويخلق معدل الاستهلاك الزائد في غزة مشكلة نوعية للمياه من حيث التلوث والملوحة والاحتياطي. رابعا: لم يتطرق الاتفاق إلى الابار الاسرائيلية المحيطة بقطاع غزة من ناحية الشرق بالرغم من ان هذه الابار تسبب فقداناً كبيراً للمخزون الجوفي للمياه الفلسطينية ويؤثر على درجة الملوحة والتلوث فيها. خامسا: لم يتطرق الاتفاق إلى الحقوق المائية الفلسطينية في وادي غزة, ولا إلى حق التعويض عن الاثار السلبية التي تركتها السياسة المائية الاسرائيلية على الاوضاع الاقتصادية والبيئية والخدماتية والبنية التحتية في القطاع. الادانة الدولية لاسرائيل اصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة العديد من القرارات ادانت فيها اسرائيل بسبب سرقتها للمياه العربية ومن ذلك القرارات 3005 و3336 و61/91 لكن اسرائيل ضربت بعرض الحائط هذه القرارات وهو ما فعلته بالاتفاقات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية, اذ كانت تعهدت باعطاء المعلومات الكاملة حول كميات المياه المستغلة وعدد الابار الموجودة في المستوطنات, الا انها حتى الوقت الراهن لم تعط معلومات بهذا الخصوص ولازالت مفاوضات المياه تراوح مكانها بعد الفشل في تحقيق اي تقدم. وفي الوقت الذي خرقت اسرائيل كل الاتفاقات والمواثيق والقرارات الدولية بشأن المياه فان الجانب الفلسطيني يلتزم بتنفيذ كل ما يتعلق به من بنود ويقدم كل الاستحقاقات ومنها دفع اثمان المياه لشركة المياه الاسرائيلية. وفي حال التأخير عن موعد الدفع تقوم السلطات الاسرائيلية بفرض غرامات تأخير تخصم من اموال السلطة الفلسطينية المستحقة لديها. آفاق الحل وللخروج من المأزق الفلسطيني الذي اوجدته الاتفاقات وكذلك الواقع الاحتلالي والسيطرة الفعلية على مصادر المياه الفلسطينية, يرى المختصون جملة اقتراحات من شأنها ان تساهم في حل ازمة المياه المتفاقمة لدى سكان أراضي الحكم الذاتي على النحو التالي: * مراقبة الضخ للمياه من داخل المستوطنات الاسرائيلية من قطاع غزة. * تبني قضية توفير المياه النقية من خلال الحد من التلوث الذي يهدد الموارد المائية الفلسطينية وتوسيع آليات ذلك. * الحصاد المائي بالاستفادة من كل قطرة من مياه الامطار الشتوية المتساقطة على القطاع. * المطالبة بالحقوق المائية كاملة منذ الاحتلال الاسرائيلي لقطاع غزة وسرقته للمياه وحتى الوقت الحاضر وعدم التهاون مطلقا في موضوع المياه اثناء المفاوضات مع اسرائىل. * عمل ممر مائي بين الضفة وغزة (ربط جغرافي وهيدرولوجي) والسماح للفلسطينيين باستخراج ما قيمته 70 مليون متر مكعب في السنة من مياه الضفة الغربية التي يوجد فيها فائض مائي يكفي لسد العجز في قطاع غزة. * وضع سياسة مائية وطنية حول اولويات توزيع الموارد المتاحة. * تحلية مياه البحر أو استيراد الماء من الخارج وذلك حسب ما يتناسب مع الاقتصاد الفلسطيني. وتقول الباحثة عقل (ان استمرار تفاقم الازمة المائية واستمرار تعرض المخزون الجوفي للتلوث يجعل من الضروري ايجاد مصادر اخرى للمياه) , واضافت: ان تحلية مياه البحر سيكون من الخيارات المناسبة للحل رغم ارتفاع التكاليف التي تقدر اليوم بنحو 1.5 دولار للمتر المكعب الواحد. * اغلاق الابار التي يتم حفرها بصورة عشوائية. * اعادة استخدام مياه الصرف المعالجة حيث تعتبر مصدرا اساسيا في حماية المياه الجوفية ويمكن استخدامها في سد جزء كبير من الحاجات الزراعية وضخ الفائض في اجزاء مختارة من الخزان الجوفي. غزة ــ ماهر ابراهيم