المياه مصدر الحياة.. ومادة اخماد النيران, لكنها في الشرق الأوسط قد تصبح شرارة الانفجار والحرب المقبلة, وربما تظل الى أمد بعيد المحرك الخفي للصراع في منطقتنا التي دعت اسرائيل حتى قبل انشائها أهمية المياه نظرا لشحها في المنطقة فاستولت على معظم مصادرها وأهمها نهر الاردن الذي اغتصبت حصة فلسطين منه وجزءا من حصة الأردن, وعمدت ايضا الى تلويث المتبقي من مياهه. والدولة العبرية تولي موضوع المياه أهمية قصوى الى الحد الذي قيل بأن حلم اسرائيل الكبرى لن يتحقق الا من خلال قطرة الماء, وكما ورد في النص التوراتي (كل موقع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى من البركة ولبنان هذا الى النهر الكبير نهر الفرات والى البحر الكبير نحو المغيب يكون تخمكم) يوشع 1و2و3و4. ويعتقد اليهود بأن السيطرة على المياه ليست ضرورة أمنية فحسب, بل هي واحدة من الحقائق الدينية, حيث ورد في التوراة (قطع الرب مع أبرام اتفاقا قائلاً لنسلك أعلى هذه الأرض من نهر مصر الى الفرات) . وفي التاريخ الحديث خطط الصهاينة ومنذ بداية هذا القرن لبناء دولتهم ومراعاة أهمية المياه في انشاء الدولة العبرية في فلسطين, حيث تفاوض زعيمهم هيرتزل مع اللورد كرومر عام 1903 لتحويل مياه النيل الى صحراء سيناء لتوطين المهاجرين اليهود فيها, وفي عام 1919 وبعده ربطت الحركة الصهيونية العالمية في مذكرة قدمتها لمؤتمر السلام الدولي فكرة انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والهجرة الصهيونية بالماء وجاء في المذكرة (ان حياة فلسطين كحياة أي بلد شبه صحراوي يعتمد على توفير الموارد المائية التي تغذي البلاد الآن, بل ويجب الحفاظ والسيطرة عليها) . وأشارت المذكرة الى (ضرورة تلازم حدود الدولة العبرية مستقبلا مع مصادر المياه) . وقالت (ان حدود فلسطين يجب ان تسير وفقا للخطوط المائية المحددة) . وأكد زعماء اسرائيل على هذا النهج في وجودهم وفي احتلالهم للأراضي العربية, وقال بن جوريون أول رئيس وزراء لاسرائيل (ان اليهود يخوضون اليوم مع العرب معركة المياه, وعلى مصير هذه المعركة يتوقف مصير اسرائيل, واذا لم تنجح في هذه المعركة فإنها لن تكون في فلسطين) . ويقول البروفيسور الاسرائيلي هيليل شوفال: (توجد حساسية مفرطة تجاه أي تهديد لمصادر المياه, وان حرية الوصول الى النبع من أهم الشروط التي يجب ان تمليها اسرائيل في رسم حدودها مع الدولة الفلسطينية) . وأضاف: (ان أية تسوية لن يكتب لها النجاح بدون تنظيم حركة استخدام المنبع المائي من الطرفين) . يبدو ان موقف اسرائيل تجاه المستقبل السياسي للضفة الغربية وقطاع غزة ورفضها اقامة دولة فلسطينية فيها واصرارها على الاحتفاظ بهما, كلها أشياء راجعة جزئيا الى العامل المائي في تلك الأراضي الفلسطينية, وتلعب الموارد المائية في الضفة وغزة دورا هاما في تشكيل المفهوم الاسرائيلي لمنح الحكم الذاتي لتلك الاراضي. وأضاف التقرير (سيبدو لاسرائيل من الصعب عليها ان تقبل تسوية سياسية في الضفة والقطاع تسفر عن تخليها عن السيطرة على الموارد المائية في تلك الأراضي) . ويقول الدكتور نبيل السمان الخبير في شؤون المياه (اسرائيل لا تكره فكرة السلام مقابل الارض فقط, بل فقدان فكره أهم من السلام ألا وهو الماء) . ويضيف: (ان المياه سبب رئيسي لتمسك اسرائيل بالضفة العربية وقطاع غزة وهضبة الجولان, وانه في حال قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة ستفقد اسرائيل السيطرة علي منبع مائي عام) . ويقول في موضع آخر (ان السياسة المائية الاسرائيلية في قطاع غزة ذات بعد استراتيجي وهو السيطرة الاقتصادية, وبالتالي اخضاع القطاع سياسيا, بالاضافة الى تحطيم الزراعة, فقد دمرت زراعة الحمضيات التي تشكل 20% من قيمة الانتاج الزراعي في القطاع. فالمياه اذن هي قضية حياة أو موت في الصراع العربي الاسرائيلي, وما حرب 1967 وما تلاها من حروب الا وكانت الثروة المائية هي الخلفية الحقيقية لها. وقد تنبأ الكثيرون بأن الحرب المقبلة في الشرق الأوسط ستكون حول المياه, مصادرها, استغلالها وانتشار الجفاف والتصحر وما يتبع ذلك من زيادة التوتر السياسي اقليميا. ورغم ان الدراسات تؤكد على ان مصادر المياه الاسرائيلية تكفي لضعفي سكان اسرائيل البالغ عددهم أكثر من أربعة ملايين نسمة, ان المياه الجوفية عندهم تتجدد من خلال الأمطار خاصة في النصف الشمالي من البلاد التي يتسرب 33% من أمطارها الى طبقات الارض, الا ان السلطات الاسرائيلية تنتهج شتى السبل للاستيلاء على المياه الفلسطينية والعربية, وتسعى حثيثا للتحكم في مصادرها من انهار وينابيع. ولا يخفي الاسرائيليون أطماعهم في نهر الاردن والفرات وغيرهما, فقد أكدت دراسة فلسطينية أعدها مركز البحوث والدراسات الفلسطينية ان لبنان وسوريا واسرائيل وفلسطين والاردن تشترك في حوض نهر الاردن, وان لهذه الدول الخمس مجتمعة الحق الطبيعي في استعمال مياهه, وخصصت خطة جونسون للفلسطينيين ما بين 257 و320 مليون متر مكعب سنويا. وتستغل اسرائيل حوالي 650 مليون متر مكعب سنويا من مياه حوض نهر الأردن العذبة, منها 150 مليون متر مكعب تحولها الى الجولان وبحيرة الحولة قبل ان تصل هذه المياه الى طبريا و500 مليون متر مكعب تأخذها من بحيرة طبريا نفسها, يضاف الى ذلك 70 مليون متر مكعب تأخذها من نهر اليرموك فيكون مجموع ما تستهلكه اسرائيل من مياه نهر الأردن 120 مليون متر مكعب سنويا. وتشير الدراسة الى ان اسرائيل استولت على حصة الضفة الغربية كاملة وعلى جزء من حصة الاردن, علما بأن الفلسطينيين لا يحصلون في الوقت الحاضر من حوض الاردن على أية كمية من المياه وأكثر من ذلك, حيث لا يسمح لهم حتى الآن الوصول الى منطقة النهر لأنها منطقة عسكرية مغلقة. واشارت الدراسة التي اعدها الدكتور هشام عورتاني وآخرون الى ان مياه نهر الاردن ازدادت ملوحة مع الزمن نتيجة لتزايد تحويل مياهه وروافده خارج الحوض بحيث اصبحت مياهه في الوقت الحاضر غير صالحة للاستعمال في الزراعة في اجزائه الوسطى والجنوبية وتتوقع الدراسة ان تبلغ نسبة الملوحة حالياً في مياه النهر اكثر من 4000 ملجم/لتر. اما في الضفة الغربية وقطاع غزة فتبلغ جملة ما تستنزفه اسرائيل من المياه الفلسطينية الجوفية حوالي 3 ملايين متر مكعب سنوياً. من ناحية اخرى تقول الدراسات ان 70% من اجمالي الموارد المائية الاسرائيلية تذهب للزراعة لان المشاريع الزراعية تؤدي الى فقدان نسبة كبيرة من المياه فعند زراعة القطن مثلاً تستخدم كمية مياه تعادل استهلاك (200) فرد في القطاع الصناعي ويتوقع خبير المياه الاسرائيلي زلمان شوفال ان يصل العجز المائي عام (2000) الى نحو (800) مليون متر مكعب على اعتبار ان مواردها ستقل عن الطلب بنسبة 30% في حين يرتفع الاستهلاك ليصل الى 15 او 20 مليون متر مكعب سنوياً. تأميم المياه ومنذ تأسيس اسرائيل بدأت بإحكام السيطرة على المياه الجوفية باصدار مجموعة من القوانين والاوامر العسكرية والادارية حيث سنت في العام 1949 قانون تأميم المياه ومصادرها وتنظيم استثمارها باعتبارها حقاً عاماً للدولة فقط. وبالرجوع الى دراسة الدكتور عورتاني فإن سلطات الاحتلال الاسرائيلي فرضت سيطرتها على مصادر المياه منذ احتلالها للاراضي الفلسطينية عام 1967 مما كان له اكبر الاثر على المياه المستغلة من قبل الجانب الفلسطيني ويمكن تلخيص الاجراءات والسياسات الاحتلالية على مصادر المياه الفلسطينية في الضفة الغربية بما يلي: (اولاً) السيطرة على مياه نهر الاردن وتلويثها حيث استولى الاحتلال على جميع حصة الفلسطينيين في نهر الاردن اضافة الى جزء من حصة الاردن وفي الوقت ذاته تقوم السلطات الاسرائيلية بتلويث المياه المتبقية من النهر من خلال القاء النفايات الصلبة والمياه العادمة المنزلية والصناعية والمياه المالحة وغير ذلك. (ثانياً) استنزاف المياه الجوفية حيث تؤكد الدراسة وفق مصادر مطلعة في دائرة المياه بالضفة الغربية ان سلطات الاحتلال قد حفرت خلال الثلاثين عاماً الماضية ما مجموعه (40) بئراً في الضفة وتبلغ كمية المياه المرخص باستخراجها من هذه الآبار حوالي (57) مليون متر مكعب, لكن الكمية التي تم استخراجها في عام 1997 بلغت حوالي (49) مليون متر مكعب. وتشير الدراسة الى ان الآبار الاسرائيلية الواقعة في منطقة الاغوار تستخدم للاغراض المنزلية والزراعية والصناعية للمستوطنات في وادي الاردن اضافة الى استنزاف مخزون المياه الجوفية. (ثالثاً) تحديد كمية المياه المستخرجة من الآبار الفلسطينية من خلال تركيب عدادات مياه على جميع هذه الآبار في حين فرضت عدداً من العقوبات والغرامات على كل من يتجاوز كمية الضخ المسموحة اضافة الى منع حفر آبار جديدة ومنع اعادة تأهيل وتطوير الآبار وتلويث المياه الجوفية والسطحية ومصادرة الآبار والاراضي الزراعية للتضييق على المزارع الفلسطيني وبناء السدود والخزانات لاستغلالها في الاغراض الزراعية. وحذرت الدراسة من ان ذلك سيؤدي الى مخاطر بيئية على المنطقة منها انخفاض المياه المتدفقة الى نهر الاردن وتسريع جفاف البحر الميت من ناحية وما سيعقبه من تصحر للاراضي على ضفتي النهر من ناحية ثانية. وفي شتاء العام الحالي 1999م تعرض جزء من مصادر مياه الضفة الغربية الى الجفاف ومثال ذلك نبع عين الفارعة شمال شرق نابلس الذي انخفض تدفقه لاقل من 40% اضافة الى تلوثه كما انخفضت كميات الامطار السنوية الى اقل من 30% عن المعدل السنوي وقال فضل كعوش نائب رئيس سلطة المياه الفلسطينية ان النقص في المياه المخصصة للشرب والاغراض المنزلية يتجاوز 70% واضاف ان كميات المياه الموجودة حالياً لا تكفي واشار الى ان مصادر المياه المتاحة للجانب الفلسطيني لا تكفي لسد الاحتياجات المنزلية والفردية وهي لا تغطي سوى نسبة 30% من هذه الاحتياجات. من ناحية اخرى حظرت السلطات الاسرائيلية على الفلسطينيين حفر آبار ارتوازية بعمق يزيد على 120 - 140 متراً فيما تقوم شركة المياه الاسرائيلية (موكوروت) بحفر آبار بعمق (800) متر لتزويد المستوطنين بالمياه كما صادرت (20) بئراً من اصل (120) في الضفة الغربية وادى ذلك الى تراجع الزراعة الفلسطينية وانهيار المستوى الاقتصادي وتراجع الدخل القومي في عام 1989 بنسبة 27% مقارنة مع عام 1969م. وفي عام 1982م قررت السلطات العسكرية الاسرائيلية دمج مصادر المياه في الضفة الغربية ووضعها تحت سيطرة شركة المياه الاسرائيلية التي سارعت الى منع المزارعين الفلسطينيين من زراعة بعض المحاصيل التي تحتاج الى كميات وفيرة من المياه فيما اطلقت للمستوطنين حرية الزراعة والري. ويقول اليشع كالي مدير التخطيط لاقتصاد المياه في شركة المياه الاسرائيلية ان من شأن نقص المياه في الضفة وغزة ان يقودهما الى نزاعات الى حد يحول دون استتباب السلام. غزة ـ ماهر ابراهيم