ردود الفعل الأوروبية حول انتفاضة الطلبة في ايران اتخذت جانبا حذرا وكأنها ترقب لمن ستكون الغلبة, هل للتيار الديني المتشدد الذي هيمن لأعوام طويلة على نظام الحكم في ايران , أم ستكون الغلبة لاتجاه الاصلاح الانفتاحي لمحمد خاتمي, والذي يتوافق تماما مع الارادة الأوروبية. فقد ناشدت الحكومة الهولندية محمد خاتمي بحقن الدماء بين صفوف شعبه واتخاذ قرارات حاسمة لتهدئة الغضب بجانب ايقاف العنف من قبل رجال الشرطة. وطالبت ايطاليا الحكومة الايرانية بوقف العنف ضد المتظاهرين, وبسرعة اجراء اصلاحات ديمقراطية تلك التي وعد بها محمد خاتمي منذ توليه السلطة, في حين وقفت فرنسا بشدة لدعم محمد خاتمي وسياسته الاصلاحية, وأعربت باريس عن أسفها لتفجر الصراع بين الزعماء الروحيين للأصوليين وبين الاصلاحيين وعلى رأسهم خاتمي بهذه الصورة التي تهدد البلاد, وهو الأمر الذي تسبب في اشعال التوتر الداخلي وهز الاستقرار. ويأتي تفجر الأحداث الايرانية في وقت غير استراتيجي بالنسبة لأوروبا, وقت تبدأ فيه دول الاتحاد الأوروبي فتح صفحة جديدة من خلال خاتمي مع تلك الدولة الاسلامية, بعد أن نجح خاتمي في فرض سياسة تنبئ ببوادر اصلاحية وديمقراطية جديدة داخليا وانفتاح خارجي مع دول الجوار, وتحسين العلاقات مع أوروبا التي شهدت توترات عديدة بدءا من اصدار ايران فتوى اباحة دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي, وانتهاء بالتوتر الخطير عام 97 من خلال تخلخل العلاقات مع ألمانيا عقب اصدار محكمة في برلين حكم الادانة ضد مسؤولين ايرانيين تورطوا في اغتيال أربعة من الأكراد المعارضين في مقهى ميكونوس الألماني عام ,92 في مقدمتهم وزير الاستخبارات علي فلاحيات, وهو الحادث الذي أعقبه طرد طهران لسفير ألمانيا, وتضامنت بقية دول الاتحاد الأوروبي مع ألمانيا وسحبت سفراءها احتجاجا على هذا التصرف الايراني. غير ان ايران نجحت بعد ذلك من خلال محمد خاتمي في رأب الصدع مع أوروبا بذكاء وحنكة, فخاتمي يعلم انه لا يمكن الاستغناء عن أوروبا لمواجهة القوى الأمريكية التي فرضت سياسة من العزل الاقتصادي وأيضا السياسي على ايران لمواجهة الثورة الاسلامية واتهام ايران بتصدير العنف إلى دول الجوار والعالم. وعمق هذه العلاقات بين ايران وفرنسا وألمانيا ظلت باقية حتى في أحلك سنوات العلاقات الأوروبية الايرانية, حتى ان فرنسا وألمانيا نجحتا مؤخرا من خلال ضغوطهما وتحفيزهما لدول الاتحاد الأوروبية التي تتعامل مع دول الارهاب كما أطلقت عليها وهي ايران وليبيا وكوبا, وهو القانون الذي كبد الشركات الايرانية وكذلك الأوروبية خسائر فادحة. وكما تمثل أوروبا لايران نقطة توازن ضد أمريكا, وأهمية اقتصادية, فإن ايران أيضا تمثل للدول الأوروبية أهمية كبرى, خاصة بالنسبة لفرنسا وألمانيا أيضا قاطرتي الاتحاد الأوروبي, سواء من حيث الاستثمارات والمصالح البترولية, والصادرات الضخمة لايران والتي تتجاوز لألمانيا وحدها أكثر من 5.1 مليار دولار, كما ان ايران تعد نقطة توازن في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لفرنسا التي ترغب منذ سنوات في لعب دور أكثر أهمية بالنسبة لقضية السلام في الشرق الأوسط بجانب الدور الأمريكي, وسعى فرنسا كذلك لتدعيم وجودها في الخليج من خلال علاقتها مع ايران لمجابهة الهيمنة الأمريكية على الخليج منذ حرب الخليج الثانية وهيمنتها على مصادر البترول. يبقى ان تصدي الشرطة للمتظاهرين المنادين بسرعة الاصلاحات إنما يدل على قوة اليد المحافظة وأحكامها السيطرة على السلطة الأمنية في البلاد بصورة كبيرة, وهو الأمر الذي سيجعل أوروبا تحبس أنفاسها انتظارا لانتهاء هذه الأحداث, وليتضح لمن ستكون الغلبة للدينيين المحافظين, أم للاصلاحيين, أم ان الأحداث ستهدأ بصورة أو بأخرى, لتبقى النار تحت الرماد واستقرار ايران من جديد بكل آمال في الاصلاح, وهي الآمال التي تعول عليها أوروبا كل مستقبل العلاقات الجيدة والانفتاحية مع ايران. لاهاي - سعيد السبكي