عتمت وكالات الانباء العالمية, وكذا مختلف وسائل الاعلام الامريكية, على قرارات الكونجرس الاخيرة بمعاقبة السودان, ودعم حركة التمرد الجنوبية , وذلك بالرغم من ان بعض الاجهزة الاعلامية روجت لمشروع القرار قبل اجازته, وقامت بتقديم التمهيد اللازم له, من تهيئة للرأي العام, وحث صناع القرار لاجازته وربما جاء التعتيم بسبب ان القرار قد تم زجه في مجموعة قرارات كثيرة (نحو مائة وخمسين قرارا) اندرجت كلها تحت عنوان (قرار التخصيصات المالية للعمليات الخارجية رقم 1234) , وقد شملت تلك القرارات توقيع عقوبات على دول كثيرة مثل بورما واندونيسيا والسودان, وكوبا, وسوريا, وايران, والعراق والكونغو, وحجب الدعم عن دول مثل الاردن, ومنظمة التحرير الفلسطينية, وروسيا, وهايتي, وادخال يوغسلافيا في قائمة الدول المساندة للارهاب, وحجب الدعم عن مواقف السيارات التي تستخدمها البعثات الدبلوماسية في مدينة واشنطن وغير ذلك من القرارات غير المتناسقة. في سياق تلك القرارات المتكاثرة تم اصدار قرار العقوبات على الحكومة السودانية, وقرار تقديم المعونات لحركة التمرد الجنوبية, فيما يشبه السرية التامة, مما اربك متابعي الشأن السوداني بل وبعض مسؤولي حكومة الخرطوم وصحافتها, بل والصحافة العربية التي تحدثت تارة عن (توصيات) واخرى عن (قرارات) واحيانا عن (تقرير) حتى ان مسؤولا سودانيا رفيعا قال ان الصحافة تثير ذوبعة في لا شىء. كان عضو الكونجرس ورئيس لجنته الفرعية للعلاقات الخارجية بيل فيرست, مع اثنين من زملائه قد زاروا المناطق التي تحتلها حركة قرنق وكتب فيرست مقالا قصيرا لصحيفة (واشنطن بوست) نشرته الصحيفة في باب (رسائل القراء) بتاريخ 11 يونيو الماضي, اسهم فيه باعادة تكرار دعاوى وجود ممارسات للرق بجنوب السودان, واتجاه العرب الشماليين المسلمين, إلى فرض الاسلام على الجنوبيين. وبيل فيرست جمهوري متشدد ويمثل كتلة من الناخبين لها انتماءات دينية قوية, وقد عمل مع زملائه على انتهاز فرصة تدخل القوات الامريكية في كوسوفو, ليدعو إلى القيام بعملية شبيهة في جنوب السودان, وعمل على خلق مقارنات كثيرة بين الحالتين لتهيئة الرأي العام الامريكي, واقناع صناع القرار على الاقدام على اتخاذ نفس الخطوة بشأن السودان, والدوائر التي ينتمي اليها فيرست وزملاؤه, كانت تعترض علنا على تدخل امريكا والدول المسيحية الاخرى, لنجدة مسلمي كوسوفو, ولكنهم انتهزوا الفرصة في اخر ايام قصف يوغسلافيا للدعوة إلى خلق وضع معاكس بالتدخل ضد دولة مسلمة لنجدة اقلية مسيحية, واستخدم فيرست في مقاله كما استخدم في مشروع قراره لغة صاخبة وضع فيها الدينين الاسلامي والمسيحي واتباعهما في حالة تضاد, كما صور الوضع في جنوب السودان على انه حرب دينية بين الطرفين. وفي خلال ايام قلائل اجتاز مشروع القرار كل الخطوات من اللجنة الفرعية وإلى اروقة مجلس النواب والشيوخ, ومع ان جميع المراقبين بدون استثناء كانوا يقدرون ان ينال المشروع تأييد غالبية اعضاء المجلسين الا ان سرعة تصعيد القرار كانت محط دهشة اولئك المراقبين وكذلك اللغة العنيفة التي تمت بها صياغته, لم يكن المراقبون يتوقعون اجهاض مشروع القرار لان سقوط قرار مثل ذلك يعتبر نصرا للدولة المستهدفة به, وحماية لها, أو على اقل تقدير القبول بمجريات الاوضاع فيها. اجاز مجلس النواب مشروع القرار بكل بنوده التي بدت وكأن السودان قد خاض حربا ضد امريكا, أو خاضت امريكا حربا ضده, كالعراق, ثم انهزم امامها, ولم يبق الا اصدار قرارات لمعاقبته, لان مثل تلك القرارات لا تتخذ ولم تتخذ ابدا الا في حالة بعض الدول التي خاضت الحروب ضد امريكا, فهي لم تتخذ مثلا في حالات كوبا, وبورما, ونيجيريا, وغيرها من الدول التي دخلت في حالات نزاع مع الولايات المتحدة. اهم بنود القرار (57) الذي اصدره مجلس النواب هي التي تدعو الحكومة الامريكية إلى تقديم مشروع قرار إلى مجلس الامن بقصد منع الطيران السوداني من التحليق في جنوب وجنوب غرب السودان (جبال النوبة) واعلان ملاذات آمنة بالجنوب, ومد حركة قرنق بالاسلحة, بما يمهد لقيام دولة جنوبية منفصلة عن الشمال. تشذيب القرارات لكن مجلس الشيوخ عاد واجرى تعديلات جذرية على القرارات, بما بدا وكأنه اقرار ضمني بتطرف أو تجاوزات في قرار مجلس النواب, فقد اسقط مجلس الشيوخ البند الذي يتعلق بدعوة الادارة الامريكية لمد حركة التمرد التي يقودها جون قرنق بالصواريخ المضادة للطائرات (سبق لحركة قرنق ان اسقطت طائرة ركاب مدنية بمدينة مالكال واعترفت بذلك) , كما حذف المجلس ايضا دعوة الحكومة الامريكية إلى خلق ملاذات آمنة بالجنوب والانقسنا على غرار الملاذات الآمنة بالعراق, ويشهد جنوب السودان بالفعل ملاذات آمنة لان حركة التمرد تستولي على مساحات شاسعة منه لا تقترب منها الحكومة السودانية, اما جبال الانقسنا فهي مناطق وثنية بشرق السودان, وتنشط فيها عمليات تنصير واسعة, وحركة دعوة اسلامية ايضا, ولا توجد فيها عمليات حربية تذكر, ولا دعوة جدية للانفصال, أو الانضمام إلى اثيوبيا. واسقط مجلس الشيوخ ايضا ادانة مجلس النواب, لأي دولة تقدم دعما أو معونة من أي نوع, للحكومة السودانية, بغرض عزلها واضعاف موقفها تجاه حركة التمرد, ومنع صمودها في وجه العقوبات الامريكية, وقد تعمدت الادارة الامريكية (الجهاز التنفيذي) إلى تخفيض حدة القرار, وعدم تنفيذ بعض بنوده الصارخة لاسيما انها عادت في الشهر الماضي إلى اسقاط بعض جوانب العقوبات التي اتخذت ضد السودان من قبل, والتي كانت قد صدرت ضمن قرار تنفيذي عنيف اللهجة, اتخذ الرئيس كلينتون, جاء في ديباجته انه قد قرر ان يعلن حالة طوارىء في امريكا بسبب تصرفات الحكومة السودانية, ولكنه عاد بعد عام ونيف فخفف من حدة ذلك القرار. تفسيرات متضاربة بعض المراقبين عزوا قرارات كلينتون حينها, كما عزوا قرارات الكونجرس إلى حالة احباط تنتاب الحكومة الامريكية حيال الحكومة السودانية, غير ان مراقبين اخرين يشيرون إلى خطورة القرارات الاخيرة لانها ذات طبيعة عسكرية واستراتيجية, كما انها ذات دوافع دينية عقائدية لا ينتظر ان تتغير أو تهدأ, ويشير هؤلاء إلى أنه مهما جرى لتلك القرارات من تلطيف بواسطة مجلس الشيوخ, الا انها مع ذلك قد حددت الوجهة المستقبلية لتعامل امريكا مع السودان, ومهدت الارضية الثابتة لاتجاه التدخل السافر في شؤون السودان, وسيزداد الخطر على السودان, اذا تمكن الجمهوريون في الانتخابات المقبلة من الوصول إلى البيت الابيض, فحينها سيكون الرئيس الامريكي ميالا إلى التماشي مع تلك القرارات والعمل على تنفيذها. في السودان شجبت بعض رموز المعارضة القرار الامريكي, كما اجتمع بعض قادة المعارضة الكبار شأن الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني بوزير الخارجية المصري ومن المفترض ان يكونوا قد ناقشوا ذلك الموضوع, والمعروف ان مصر تبدي اهتماما كبيرا بملف جنوب السودان وتعترض على فصله أو عزله لخطورة ذلك على الترتيبات القانونية لتوزيع مياه النيل وهكذا فمن المتوقع ان تتناسق آراء اطراف المعارضة مع توجهات الحكومة المصرية التي تعترض على اي اتجاه لفصل جنوب السودان, وهو الاتجاه الذي من اجله صدر القرار الامريكي الاخير. ارتياح امريكي قابلت دوائر اليمين الديني الامريكي, المهتمة بملف جنوب السودان, قرار مجلس الشيوخ, بنوع من الارتياح, باعتبار انه اول انتصار لها في هذا المجال, لانها كانت تضغط كثيرا في الماضي في سبيل اصدار ذلك القرار, من غير جدوى, ولم تنتقد تلك الدوائر ما حدث للقرار من اختصار وتشذيب في مجلس الشيوخ, باعتبار ان بعض البنود التي اجازها مجلس النواب غير واقعية, ولا ينتظر ان يجيزها مجلس الامن, مثل قرار حظر الطيران في جنوب السودان, أو تشييد ملاذات آمنة في ربوعه. وفي تصريحات صحفية اصدرها السناتور سام براونباك, الذي اسهم في صياغة قرار السودان, قال انه عاد قبل اسبوعين فقط من جنوب السودان, وانه رأى هنالك شعبا نبيلا من مسيحيي الجنوب, يضطهدهم الشماليون المسلمون, وانه سعيد لانه اقنع الكونجرس اخيرا بدعم اولئك المضطهدين, وانه سيعمل لايقاف تجارة الرق, والمجاعة, والتبشير الاسلامي بجنوب السودان. وزعم السناتور سام ان زيارته لجنوب السودان اكدت له ان كل ما تروجه الميديا العالمية عن وجود فظائع بجنوب السودان هي حقائق لا اساطير, ونسى السناتور ان تأكيده لوجود تلك المآسي والفظائع انما يدين حركة التمرد بممارسة تجارة الرق أو تشجيعه على الاقل لان تلك الممارسات ــ ان صحت ــ انما تقع داخل نطاق الاراضي التي تحتلها وتديرها حركة التمرد, وهي المناطق التي اتيح للنائب زيارتها, دون ان يزور بقية جنوب السودان أو جبال النوبة أو الانقسنا. واشنطن ــ محمد وقيع الله