اتسمت الجلسة الثالثة لمجلس النواب اللبناني والمخصصة لاستكمال مناقشة مشروع موازنة حكومة الحص للعام 1999 بشن هجوم مضاد من قبل النواب الموالين للحكومة لصالحها وذلك رداً على الهجوم العنيف الذي شنته المعارضة في الجلسة السابقة . واتضح ان افضل من يدافع عن الحكومة في اكثر من موضع سواء كان سياسيا أو اقتصاديا أو قضائيا هي الحكومة نفسها وتناول النواب الموالون لها في هجومهم التركه الثقيلة للحكومات السابقة والنتائج الاقتصادية الكارثية التي اوصلت البلاد الى حالة الافلاس اضافة الى اطناب سياسي في ابراز مساويء الحكومات السابقة بالكشف عن اخطائها ونشر غسيلها. وتكلم في الجلسة النواب, نديم سالم وعدنان عرقجي وسليمان كنعان واكرم شهيب وشاره مرهج وانطوان حداد وآخرون وتناولت الكلمات قضايا متشعبة منها مغالطات قانون الجنسية وما يسمى بالجزر الامنية اي المخيمات الفلسطينية وموضع البطالة وابرز نقطة كانت دعوة احد النواب الى ان يكون لبنان خزانا نفطيا ومعدنيا كما هو خزان مياه في المنطقة. وفيما يلي وقائع الجلسة: النائب سالم في مستهل الجلسة, اعطى الرئيس بري الكلام للنائب نديم سالم الذي رأى ان (هناك ترابطاً وثيقاً بين السياسة والاقتصاد) وقال:(ان الاستقرار السياسي يتحقق اذا تسنى للحكومة تنفيذ ما جاء في خطاب القسم, ومنه الا مستقبل لاحد في هذا البلد الا بقيام دولة القانون والمؤسسات في ظل النظام الديمقراطي البرلماني, وهنا اسأل ماذا فعلت الحكومة لتحقيق قيام دولة القانون والمؤسسات وهي التي لا تنفك اوساطها تسرب انها باقية حتى الالفين وانها ستشرف على الانتخابات, وكأن لا وجود للمجلس النيابي, او لا دور له) . اضاف:(ورد في الخطاب ان الناس يريدون ان نحترم تمثيلهم في كل ما نقول. وهنا اسأل: هل الحكومة طبقت هذا القول واحترمته؟ وهل هي في ممارساتها احترمت من تمثل؟ وهل فيما قامت به اخذت بعين الاعتبار المصلحة العليا ومصلحة من تمثل؟ وجاء في خطاب القسم ايضاً: ان الناس يريدون قضاء منزها ومستقلاً عن كل انواع التدخلات والتأثيرات, وهذا ما نرحب ونطالب به جميعاً ونعتبره الركيزة الاساس لقيام الدولة, فلا دولة بلا قانون ولا قانون من دون قضاء نزيه ومستقل, واتساءل عن كيفية تحقيق ذلك, وقد عزمت الحكومة على رفع الحصانة عن القضاة لتطهير القضاء الذي سبق وقال كلمته في عدد من الملفات, وهناك ملفات لا تزال قيد التحقيق وكان حري بالحكومة ان تفتح ملف القضاء قبل ان تبدأ بفتح الملفات, ولا يسعنا هنا الا ان نسأل عن المقياس المعتمد في فتح بعض الملفات وتجاهل بعضها الآخر او طمسه) . وتطرق الى ما ورد في خطاب القسم لجهة:(ان الناس يريدون ادارة يديرها مسؤولون يكتسبون الحصانة من حسن الممارسة لا من قوة الحماية السياسية والطائفية) . وسأل:(هل هذا ما طبق؟ وقد شاهدنا في حملة الاصلاح العشوائية التي اقدمت عليها الحكومة في انطلاقتها ان سيف النقمة اقتص من بعض الموظفين في حين لم يقرب جانب المحسوبين والذين يتمتعون بالحماية السياسية والطائفية, وكان من المفروض في التعيينات الادارية التي اقدمت عليها الحكومة ان تأتي هذه على اسس ومعايير الكفاءة والعلم وقد تبين ان اكثرية الذين عينوا كانوا من الازلام والاصدقاء والجميع يعلمون ذلك) . وتساءل:(هل ان الامن مستتب؟ لقد حصلت حوادث لافتة اكدت وجود جزر امنية لم تقدم الحكومة على اتخاذ اي تدابير او اجراءات لتلافيها ومثال على ذلك ما حصل في صيدا والرميلة, والقرية وغيرها من المناطق في السنوات الاخيرة) . وسأل:(اين اصبح قانون الانتخاب الموعود, وقد مضى على تأليف الحكومة سبعة اشهر ولم توحد موقفها من هذا القانون الذي وعدت باصداره في فبراير 99؟) . وتطرق الى مشروع قانون الجنسية, مشيراً الى (انه ينطوي على مغالطات تتناقض واحكام الدستور وكذلك تتناقض وقرارات الحكومة في رفض التوطين ومنعه ومحاربته, سواء مباشرة او بطريقة ملتوية, فيما تبين ان مشروع القانون يجيز في بعض مواده حصول الفلسطينيين على الجنسية) . واعتبر ان الوضع في منطقة جزين (استمر على ما كان عليه قبل التحرير لجهة غياب الاهتمام الرسمي على المستويات كافة) وطالب باصدار قانون عفو عنهم. واكد (دعم مسيرة العهد والوقوف الى جانبه في كل خطوة تعزز دولة القانون والمؤسسات التي ننشدها جميعاً) . وطرح بعض المخاوف مثل (محاولة تهميش الطبقة السياسية والطغيان غير المدني على بعض المؤسسات الذي اشار اليه بعض اهل الحكم) لافتاً الى (وجوب وضع حد له ولتدخل الاجهزة الامنية بأمور تمس الحريات العامة) . وعن الوضع الاقتصادي اشار الى (ان على الدولة اعادة النظر في دورها التقليدي وتكوين رؤية جديدة في اطار معالجة العجز واعادة القدرة التنافسية للقطاعات الانتاجية من صناعية وزراعية وخدماتية لتتلاءم مع التطورات الحاصلة في اواخر هذا القرن) . واوضح انه لا بد من البحث عن (حلول سريعة لتقليص العجز من خلال التركيز على تنمية القطاعات الانتاجية فعلاً لا قولاً) . النائب عرقجي واعطى الرئيس بري الكلام للنائب عدنان عرقجي الذي استنكر الهجمة الشرسة التي قامت بها اسرائيل ضد لبنان مؤخراً, واعتبر ان (تفاهم نيسان) وجد لحماية المدنيين, واسرائيل تريده لفك المسارين اللبناني والسوري) وحيا الشهداء المقاومين (الذين سقطوا في ساحة الشرف, والذين سقطوا في الغارات الاسرائيلية خصوصاً رجال الاطفاء) , مؤكداً (ان هذا العدوان لن يخيفنا) , وشدد على (حقنا في المقاومة من اجل تحرير الارض) . وحيا الجيش اللبناني ودوره الفعال في اقامة الجسور ونوه بجهود وزير الاشغال العامة في هذا المجال, وسأل عن مخصصات مدينة بيروت واين التعويض على المهجرين. ورأى (ان السياسة التي اعتمدتها الحكومة بالتركيز فقط على تخفيض العجز والتناقضات التي وقعت فيها من خلال تصريحات رئيسها واعضائها, ادت الى نمو سلبي والى احجام الاستثمارات الجديدة والى نمو اضافي في البطالة ينعكس على المستوى المعيشي للبنانيين) . ولاحظ بطالة متزايدة لدى خريجي الجامعات في مختلف الاختصاصات, مشيرا الى انه (اذا كان هناك من قاسم مشترك بين الموزانة وفذلكتها وبرنامج التصحيح المالي اي الخطة الخمسية الموعودة فهو ان جميعها تنطلق من ارقام غير صحيحة وآمال وردية لا تستند الى اي واقع على الاطلاق بحيث تطلب الحكومة من المواطنين اللبنانيين ان يناموا على وسادتها ويطمئنوا الى وعودها, وهي ليست سوى كمن يشتري سمكا في البحر) . وسأل: (هل ان توقيف المحافظ سابا كان من اجل موضوع بيت المحترف اللبناني, وهو الذي نفذ في هذا الشأن قرارات مجلس الوزراء؟ ام من اجل ما قام به لوقوف التعديات على الاملاك البحرية في امكنة اخر) . وطالب بعقد جلسة عاجلة لمجلس النواب لتفسير المواد الدستورية 39 و 40 و 66 و 70 و 71 و 80 بما يؤكد فصل السلطات وتعاونها. النائب كنعان واعطي الكلام للنائب سليمان كنعان الذي قال ان الازمة المعيشية التي يعيشها المواطن في هذه الأيام تنذر بعواقب وخيمة بسبب الاستحقاقات الاقتصادية الداهمة, فالازمة التي يمر فيها لبنان وفي هذه المرحلة المملوءة بتحديات السلام وتحديات العولمة التي بدأت تطل برأسها مع بداية الالفية الثالثة ستكون الكلمة الفصل فيها للتكتلات الاقتصادية والمالية الكبيرة والاسواق المشتركة. ورأى ان منطقة جزين التي عادت حديثا الى قلب الوطن بعد غربة دامت اكثر من خمسة عشر عاما لم تجن بعد ثمار هذه العودة لاعتبارات انمائية واقتصادية, عدة, ولعقم المعالجات التي انتهجتها الحكومة تجاه هذه المنطقة. وقال: ان منطقة جزين المنكوبة كما تبين من المسح الذي اجراه مجلس الجنوب, وكذلك من قبل الوزارات المعنية لم يتم حتى الآن التعويض عن الاضرار الجسيمة التي لحقت بها بفعل العدوان الاسرائيلي, رغم ان الاجهزة الادارية المعنية قامت بواجباتها على اكمل وجه, اكان من الناحية الميدانية عبر المسح الشامل للاضرار او الفنية من خلال الكشف الهندسي الذي اثبت وبين ان هناك الكثير من المنازل غير الصالحة للسكن بفعل الاعمال العسكرية, خصوصا في بلدتي كفرحونة وروم. النائب شهيب وسأل النائب اكرم شهيب: ماذا بقي من هذه السنة, للموازنة, ولبرنامج التصحيح الذي يرسم مرحلة تأسيس اصلاحية تنتهي في العام ,2000 تمهيدا لمرحلة التطوير التي تمتد حتى العام 2003؟ تأخرت ثم جاءت, اهلا بها. وقال: (ان الحكومة اطلقت وعودا لانجازات لم تحققها, ولم تلتزم بمقتضياتها فاطاحت بالشفافية التي تحدثت عنها, وفشلت في الاصلاحات الادارية, فتوقفت, وتوقفت عجلة الادارة, وتركت المشكلات الاقتصادية ـ الاجتماعية الراهنة فتوقفت, ثم قدمت الاعتذار تلو الاعتذار, قبل ان تأتي الى المجلس النيابي لمناقشة مشروع الموازنة, وبات الرأي العام اللبناني يعرف, ان ما قالته الحكومة عن اسباب تخبطها وتأخرها, لم يكن دقيقا ولا منطقيا, وان المجلس النيابي لم يكن هو الذي اخرها او عرقلها, كما شاء بعضهم ان يقول حينا, وان يوحي احيانا, وان المشكلات المالية, والاقتصادية العامة لم تكن هي سبب التأخير الفعلي, بمقدار ما كان ضياع الرؤية, والتخبط في القرارات, وفقدان لغة الحوار) . ولاحظ ان (برنامج الحكومة للتصحيح المالي, يطرح على الناس تفاؤلا ليس في مكانه ابدا, فهو تحت عقدة التخلص من العجز وتخفيض الدين, يقع في مبالغات كثيرة في تقدير الايرادات, ويبني نظريته على لجم مستمر للانفاق في السنوات الخمس المقبلة, وكأن الحكومة تضمن منذ الآن ان الانفاق سيكون محسوبا بمعادلات ثابتة, ولا تتأثر بالطوارئ الاجتماعية والاقتصادية والسياسية) . وقال: (لقد قررت الحكومة زيادات على استخدام الهاتف الخليوي, فدفع المواطن صاغرا, لكنه في المقابل لم يسمع عن خطة فعلية مقنعة لتحسين وتوسيع شبكة الاتصالات العادية في مختلف مناطق لبنان, بل حلت محل هذه الخطة, لعبة الانتقاء السياسي في تجهيز السنترالات وتشغيلها, وفي الاستنساب في الاعفاءات كما في قرار اصدره الوزير ينص على اعفاءات هاتفية بنسبة مئة في المئة من اجور المخابرات المحلية والداخلية والدولية وبمفعول رجعي, انه الانتقاء تكرارا وكأن الاتصالات السلكية, تسلك طريقا لا سلكية كي تصل سريعا الى اهداف الاختيار العشوائي والتميز المنطقي) . النائب دده يان وقال النائب ابراهام دده يان ان (الوطن اكبر من القيادات والاشخاص, والمصلحة الوطنية العليا هي فوق كل مصلحة, وعلى مذبح الوطن ترخص تضحيات المواطنين) . واشار الى جملة ثوابت منها (ان لبنان هو لجميع ابنائه, ويجب ان يكون جميع ابناء لبنان للبنان, وان تحصين الجبهة الداخلية, والوحدة الوطنية, واجب وطني كبير يجب تأديته في وجه الاخطار المحدقة بلبنان. قال: ان الاحتلال الاسرائيلي للجنوب والبقاع الغربي هو احتلال للارض والانسان, لذلك فان مقاومة الانسان للاحتلال هي مقاومة مشروعة لاعادة السيادة للارض والكرامة لانسانها) , ونوه بدور المقاومة والبطولات التي قامت بها. اضاف: ان وحدة المسار والمصير بين سوريا ولبنان هي احدى الثوابت الوطنية والقومية والاخوية التي يستحيل التفريط بها, والفصل بينها, باعتبارنا من المؤمنين بأن السلام العادل والشامل هو الهدف المرجو الذي نسعى له جميعا. وتطرق الى موضوع المناقشة, مشيرا الى ان ارضنا اللبنانية حبلى بالثروات التي تنتظر (القابلة القانونية) لولادتها ولادة طبيعية وليس ولادة قيصرية, لأن هذه الثروات الدفينة تمثل اهم الموارد لدعم الموازنة, وسد العجز والديون والفوائد المترتبة على خزينة الدولة. وسأل: اذا كان معروفا ان لبنان هو (خزان مياه) بالنسبة الى الدول العربية, فلماذا الاستغراب في ان يكون لبنان (خزانا نفطيا ومعدنيا) أيضا؟ ان التقارير الجيولوجية التي قدمها خبراء دوليون اكدت وجود البترول في مناطق كثيرة من لبنان. وقدم بعض الاقتراحات والحلول, منها: ــ بما اننا نعيش ازمة ديون خانقة, والمشاكل كثيرة على اساسها, ولكن لا مشكلة بلا حل ــ كما يقال ــ لذلك فإنني ارى ان عملية استخراج الثروة البترولية والمعدنية من باطن الارض اللبنانية والمياه الاقليمية, هي من اهم الحلول المتوافرة حاليا, كما انها تشكل بارقة الأمل الكبيرة في هذا المجال لدعم الموازنة وتسديد الديون. ــ هناك شركات بترولية دولية ذات شهرة وخبرة ورأسمال تنافست فيما بينها العام 1974 للحصول على امتياز البحث والتنقيب عن البترول في المياه الاقليمية اللبنانية, وفي البر اللبناني, وكان من بين هذه الشركات, شركتا أجب وتوتال. النائب الميس وأعطي الكلام للنائب محمد علي الميس الذي اعتبر ان مناقشة مشروع الموازنة للعام الحالي تضعنا امام خطب اقتصادي لست مبالغا بنعته بــ (الجلل) . وتطرق الى خطوط الجبهة المشتعلة بين الكارثة الاقتصادية الزاحفة في اتجاهنا وبين الدولة ومؤسساتها ومقدراتها, وقال: كلنا عليه ان يواجه مع الحكومة من دون منة أو فضل وليس بالضرورة حبا وموالاة لها لأن الواقعة الاقتصادية التي هي حيالها, منها ما هو جني يديها, ومنها ما هو موروث عن أب, ومنها ما هو موروث عن جد, فنحن امام تراكم من الأزمات اكتمل عقد استحقاقها حاليا ولا مجال الا بدفع الأثمان مهما كان هذا الثمن صغيرا أم كبيرا. لا أريد ان يفهم كلامي هذا بمثابة دعوة للتسليم بكل الاجراءات والحلول والعلاجات التي تبنتها الحكومة من خلال مشروع موازنتها, لمواجهة الأزمة الاقتصادية. فكما ان الوقوف معها في هذه المواجهة لمساندتها في انجاح هذه الاجراءات وهذه الحلول وهذه العلاجات, أفهم أيضا الوقوف معها في الأزمة بالتصويب والتنبيه والتحذير وخلاف ذلك اذا كانت هناك ضرورة لأن من شأن ذلك المساعدة على انجاح الانجازات التي تتوخاها الحكومة من هذه الموازنة. النائب مرهج وأعطي الكلام للنائب بشارة مرهج الذي تناول العدوان الاسرائيلي الأخير وقال: ان الحكومة استوعبت العدوان بسلسلة مواقف سياسية مسؤولة مستندة الى صمود المقاومة والتفاف اللبنانيين وقواهم السياسية حول الثوابت الوطنية والقومية. وتحركت في صورة فاعلة فرممت بمساعدة الجيش والقطاع الخاص بعض الجسور التي أصيبت بأضرار بالغة. وقال: لكن على رغم مرور عشرين يوما على العدوان ما زالت مناطق عدة من بيروت غارقة في الظلام. فإذا كانت الحجة نقصا في الاعتمادات فلقد تدفقت التبرعات حتى تجاوزت قيمتها الأكلاف المقدرة. اما اذا كانت الحجة نقصا في القرارات, فلقد اتخذ مجلس الوزراء قرارا فوض بموجبه مجلس الانماء والاعمار عقد الاتفاقات بالتراضي واعادة بناء محطة التحويل في الجمهور. وفوض مجلس ادارة كهرباء لبنان المدير العام اتخاذ كل الاجراءات الاستثنائية لاعادة التيار الكهربائي الى بيروت. ومع ذلك مازالت بيروت تعاني الأمرين. فهل تتحمل الادارة المترددة الخائفة مسؤولية التأخير والناس في عز الصيف وموسم الاصطياف في بدايته؟ أم ان الحكومة استهواها التقنين الذي بدأ محدودا وأصبح اليوم مقلقا فباتت تخشى متابعة المواطنين في بيروت جلسات الموازنة على شاشات التلفزيون؟ أضاف: (ان بيروت اليوم يجري تضييق الخناق عليها باجراءات مختلفة وأساليب بدائية, وكأنها ارتكبت معصية, وهي المدينة الوفية الأبية التي عاشت الحرب بكل أهوالها وأوزارها ومعاركها, وهي المدينة التي صمدت في وجه الجيش الاسرائيلي, وهي المدينة التي ترعرعت فيها وانطلقت منها المقاومة) . وتطرق الى موضوع الموازنة وقال: (لو كلف مهندس الموازنة نفسه فأعطى للدرس والتشاور وقتا موازيا للوقت الذي أعطاه للقدح والذم ربما كان استفاد قليلا ليأتي بمشروع متوازن معقول. لكن عندما ينطلق الانسان في أفعاله ومواقفه من الاحقاد والضغائن, فمن الطبيعي ألا يجد بارقة خير واحدة في الماضي, ومن الطبيعي ألا يرى خيرا الا في نفسه. ولقد فات وزير المال كما فات الحكومة ان الثقة تبنى ولا تستجدى, تستحق ولا تعطى. ومتى وجدت سرت بين الناس نسمة خير, ومتى غابت لا معنى لكل الشعارات والرؤى ولا جدوى لكل البرامج والاجراءات) . واعتبر ان (الثقة تستعاد عندما يستقيم الاصلاح فيصبح عادلا وشاملا متطلعا نحو التطوير والمكننة والتحديث بعيدا عن الفوقية والاستنساب والمحاصصة, والثقة تستعاد عندما تهب الحكومة لحماية الحريات وحفظ الكرامات بعيدا عن الاستئثار والكبت والاكراه. والثقة تستعاد عندما تمارس كل سلطة صلاحياتها على قاعدة الاستقلالية فتتعاون فيما بينها على قاعدة التكامل بعيدا عن ذهنية الالغاء أو الاحتواء. وتستعاد الثقة عندما يتوقف خرق الدستور ويقف الاجتهاد عند حدود النص, فالمرجع الوحيد المخول تفسير الدستور هو مجلس النواب, ولو أراد المشترع تخلي مجلس النواب عن هذا الحق لقال ذلك صراحة) . وقال: (تستعاد الثقة حيث تتبع الاصول الدستورية في محاكمة الرؤساء والوزراء والنواب فلا يجري ابتداع أصول جديدة مع كل طلعة شمس. تستعاد الثقة عندما تتوقف المصادر الوزارية عن مصادرة دور الحكومة وتتمسك الحكومة بصلاحياتها فيأمن الناس على أنفسهم وأموالهم ومستقبلهم وينفتح الطريق أمام الاستثمار وتنشيط الاقتصاد, تستعاد الثقة عندما تخضع الاجراءات الادارية للأحكام القضائية وتصبح السلطة في خدمة المواطن فلا تستخدم مواقعها لإذلاله) . أضاف: (هناك احكام قضائية يتم وقفها بقرارات ادارية وهذه الممارسة اللادستورية اللاشرعية اللاقانونية) . * الرئيس بري مقاطعا: كيف هيك ــ كيف؟ ــ النائب مرهج: (نعم دولة الرئيس أعني ما أقول, أنا أعطي مثلا عشته, الدكتورة سميرة أبي نادر استاذة جامعية تبني منزلا من تعبها وعرقها, ونالت رخصة من كل الاجهزة المعنية ووصل المنزل الى مشارف البناء ومع ذلك كل يوم يصدر قرار اداري بتوقف العمل, ويقال لها راجعي هذه المراجع, راجعي الوزير الفلاني, راجعي المسؤول العلاني) . * الرئيس بري: أين القرار القضائي؟ ــ النائب مرهج: أنا مستعد ان آتي بكل هذه المعلومات. * الرئيس بري: أين القرار القضائي الذي تتكلم عنه في القضية؟ النائب مرهج: المحكمة أصدرت قرارا مع احكام قضائية تثبت حق هذه اللبنانية في بناء منزلها, ومع ذلك تصدر قرارات ادارية لوقف العمل بهذا المنزل, لماذا؟ لأنهم يريدونها ان تأتي وتطلب من بعض المراجع, وان تقدم الولاء والخضوع كي تحصل على حقها. هذا الأمر مرفوض على الأراضي اللبنانية. منزلها في المتين, في بلدة المتين التي عانت الأمرين من الحرب التي عشناها في لبنان, من بلدة شاكر أو سليمان, زميلنا المحترم. ليس هذا هو الاسلوب الحضاري في التعامل مع المواطنين. وتابع مرهج قراءة كلمته المكتوبة: (الثقة تبنى عندما تتعزز الشفافية التي رفعتها الحكومة كشعار لها) . وسأل رئيس الحكومة: (عندما اعطي الاذن بملاحقة موظفين كبار في الدولة مثل مهيب عيتاني ونقولا سابا وغيرهم, هل درس الملف المرفق؟ وهل طلبت من هيئات الرقابة ان تعطي رأيها في الموضوع؟ وهل طلب من الدائرة القانونية في رئاسة الوزارة دراسة الأمر؟ ان القانون قد منح الموظف حصانة تمكنه من ممارسة صلاحياته والقيام بواجباته دون خوف من ردود الفعل السياسية والادارية الظالمة ولذلك لا يمكن ان يحال الموظف الى القضاء الا بعد ان تحقق ادارته ورئيسه في الموضوع, كذلك هيئة التفتيش المركزي. فاذا كانت المخالفة إدارية احيل للمجلس التأديبي العام واذا كانت مالية احيل لديوان المحسبة, واذا كانت جزائية احيل الى القضاء. شرط ان يجري كل ذلك في نطاق من السرية الكاملة حتى يصل المحال الى المحاكمة, فالتحقيق سري والمحاكمة علنية هذه هي الاصول.. فهل تم التقيد بهذه الاصول؟) . وسأل: (كيف يكن التصحيح المالي وايرادات الموازنة على انخفاض؟ وكيف يكون التصحيح ونفقات الموازنة على ازدياد؟ وكيف يكون التصحيح والشفافية اصبحت شعاراً بلا مضمون؟) . وقال: (ان التركيز على التقشف فقط, كأساس للسياسة الاقتصادية, ادى الى تراجع جذري في الحركة الاقتصادية, والى انكماش في الاقتصاد الوطني) . وأشار الى ان (الموازنة جاءت غير محققة للاهداف المعلنة للحكومة بل ومتناقضة معها) , وفند بعض ارقام الموازنة والايرادات المنتظرة. وطالب بعقد جلسة خاصة فور الانتهاء من اقرار الموازنة وتخصص لتفسير المواد الدستورية بما يؤكد على فصل السلطات احتراما للدستور, وبالغاء المواد ,32 ,33 ,35 ,38 42 مع الموافقة على التعديل الجاري على رفع نسبة الضريبة على ارباح شركات الأموال الى 15% بدلا من عشرة في المائة. النائب الصمد وقال النائب جهاد الصمد: (درجت العادة في لبنان, وفي دول اخرى من العالم ايضا, ان تدوم (فترة السماح) لأي حكومة ستة اشهر على الاقل, تكون بمثابة فرصة يمنحها النواب للحكومة, لكي تضع يدها على الملفات وتبدأ عملية التخطيط والبرمجة, اما هذه الحكومة الماثلة امامنا اليوم فقد تعثرت قبل ان تقلع, تماما كما تلعثمت قبل ان تنطلق بما لديها من افكار وبرامج) . اضاف: (لم اكن راغبا في اغتنام هذه المناسبة لكيل الاتهامات والانتقادات ضد الحكومة, ولاسيما انها اول حكومة في عهد الرئيس اميل لحود, الذي علقنا وسنبقى نعلق آمالا عريضة عليه, لانه الضمانة الاولى والاخيرة, ولانه الفرصة التي ربما لن تتكرر في هذه الحقبة المهمة من تاريخنا السياسي والوطني, كما لم أكن راغبا في توجيه الانتقاد الى هذه الحكومة, لان على رأسها ضميرا قلما اخفق في سلوكه الشخصي والسياسي, ولان في صفوفها قلة من الوزراء نشهد لهم بالكفاءة والتمثيل والوضوح في الرؤية. الا انني لم اعد قادرا على الصمت, ولا على القفز من فوق الحقائق, ولا على التفرج ازاء ما يحصل, لاننا جميعا مسؤولون امام الوطن والشعب, ولاننا جميعا معرضون للمحاسبة امام المواطن, الذي خفض مرغما سقف مطالبه, املا منه في الحصول على لقمة العيش فقط, وعلى كرامة كرسها له الدستور, وعلى حقوق هي من ادنى واجبات الدولة. واشار الى وجود (خلل رهيب في مسار هذه الحكومة قولا وفعلا, وأكد اكثر من مرة انها تفتقر الى مقومات بديهية ليست في متناول يدها, ان مواجهة سياسة الهدر لا تكون بتقشف مبالغ فيه يكاد يخنق الطبقات الفقيرة, ولان مواجهة الفساد الاداري لا تكون بايصال الادارة الى ما يشبه الشلل الكامل) . وختم: نكرر ما اعلناه في جلسة الثقة بالحكومة, ان ثقتنا التي منحناها اياه انما منحناها للعهد وللرئيس اميل لحود تحديدا ثقة منا بمناقبيته السياسية والخلقية, وبخياراته القومية وخصوصا مع سوريا الشقيقة, اما ماعدا ذلك فأستطيع ان اؤكد ان ثقتنا هذه يمكن ان نحجبها عن اكثر من وزير في هذه الحكومة, وضميرنا مرتاح. النائب حداد واستهل النائب انطوان حداد كلمته باطلاق مثلين عامين شائعين يتجانسان مع حالتنا والموازنة الاولى (المديون ما إلو علة) والثاني (القلة بتورت النقار) . وقالك (ان المديونية العامة بلغت حوالي 27000 مليار ليرة لبنانية, واما المداخيل المرتقبة من كل الموارد للدولة فلا تتعدى 4900 مليار لهذه السنة, وان تخفيف نسبة العجز في المالية العامة هو خط احمر للحياة الاقتصادية في البلاد بالنسبة الى امور عدة, منها: تثبيت الدين العام, العمل على زيادة معدل النمو, اعادة الثقة الى المؤسسات المالية الدولية وكل الرأسمال وطنيا كان ام اجنبيا وتحفيزه على الاستثمار في لبنان, ومن هنا الوصول الى امكانية تقليص الدين العام. وسأل: كيف يمكن تخفيف نسبة العجز حين نقرأ انه يتوجب 3900 مليار ل.ل لخدمة الدين و 2819 مليار ليرة لبنانية كلفة لموظفي القطاع العام و800 مليار للصيانة العامة اي ما مجموعه 7519 مليار ليرة لبنانية؟ وطالب الحكومة بدراسة شاملة لمشروع بناء الدولة القادرة والقوية دولة القانون والمؤسسات, ودولة العدالة الاجتماعية, مع وضع خطة مدروسة بكل تكاليفها وبشفافية وارقام صحيحة, اساسها: قضاء صالح وقادر, وادارة سليمة منتجة, وبنى تحتية كاملة تعزز الانماء المتوازن على مساحة الوطن كله والعمل على تفعيل القطاعات الانتاجية بقروض ميسرة على امد طويل. النائب كيروز واخيرا اعطيت الكلمة للنائب ربيعة كيروز الذي تمنى في مستهلها ان يأتي تأخر الموازنة حاملا ثمرة التأني البناء فتخرج إلى النور مشبعة درسا وتحميصا ودراية وتحمل سلام التأني دون عجلة الندامة وامل في ان تكون الموازنة صائبة في الهدف والرؤية تختصر مسافات الزمن الميت تحاكي المعاناة تقول لتغير, تلتفت لوجع الناس ضمن الخطة الاقتصادية. وقال نحن اليوم في جلسة الموازنة امام حكومة جديدة نعتبر شطارتها ذكاء فما لدينا من آراء واقتراحات وتحفظات سنوصيها بها على رغم ما يقال (بعات الشاطر وما توصي) آملين في ان تتابع المحاسبة في الهدر والسرقة حتى النهاية وفي كل الملفات مع اسقاط الاقنعة عن كل الوجوه الزائفة فمال الدولة للدولة والخزينة خزانة تأخذ من الشعب لتعطيه والخلل في مالية الدولة ككرة الثلج يكبر ويتسع وينسحب الى مراحل وسنين متلاحقة وهو ما نعانيه اليوم من ارث ثقيل ارخاه عهد وحكومة سابقة. واشار الى ان علم الاقتصاد يطلعنا ان الطبقة الوسطى تشكل عصب ولولب الحياة الاقتصادية للاوطان لكن تجدنا كلبنانيين نعاني من تدهور قاس وحياة صعبة تفرضها اجواء معيشية غير سليمة نحرت الطبقة الوسطى واردتها في دوامة الفقر فبات المواطن اسير جوعه وغدا الرغيف امل الكثيرين. وتطرق الى الملف الزراعي وطالب بضرورة ايلاء الزراعة في الموازنة حيزا اكبر لتكون موازنة الزراعة اعلى شأنا. ودعا الحكومة الى نظرة اكثر جدية الى الريف اللبناني ولكل المناطق المحرومة. وقال: عهد جديد نعول عليه الكثير خصوصا بعد خطاب قسم حقن اوردة الوطن بدماء الصدق. لذا نسأل الحكومة السير بمضمون هذا الخطاب باعتماده ورقة عمل متميزة لنقلة نوعية في الدولة فيدرك المواطن حقه ليسر بواجباته ويشعر بانتماء فعلي الى وطنه مما يعزز عامل الثقة بين المسؤول وبينه فتغدو المحاسبة سلم التوجهات وتسقط حواجز الفوقية بين المواطن والمسؤول فتنهي رحلة العذاب امام ابواب الوزارات والادارات ومؤسسات الدولة ليستفيق مبدأ الثواب والعقاب معززا الدولة الحديثة. واشار الى ان هناك ركودا اقتصاديا جارفا يضر الاقتصاد اللبناني برمته ويشل حركة العمل والمشاريع كافة امام موازنات مؤجلة افرغت الاسواق اللبنانية من النقد والسيولة وقال: مع اقرار الموازنة نتطلع الى تحرك الاقتصاد والمشاريع مع تسجيلنا ملاحظة هامة تقول بضرورة ايلاء الشأن الصناعي الاهمية لانه يمثل مكانا هاما في المجتمع اللبناني. وتطرق الى موضوع المغتربين وقال: علينا ان نحيك من هذا الخيط الذي سيربطهم بلبنان رداء التواصل. فمن خلال وزارة الخارجية والمغتربين تستطيع الحكومة ان ترسم حدود التواصل بين لبنان ولبنان لانه عمل لا ينتهي فقط بالعاطفة والحنان وروابط الانتماء بل يتفاعل ومن خلال ذلك ليضفي على الاقتصاد اللبناني تصورا بارزا من خلال اموال المغتربين واستثماراتهم في الوطن الام والتاريخ خير دليل. ثم نادى الرئيس بري على النواب نزيه منصور, حسين يتيم, عبداللطيف الزين, فلم يكونوا حاضرين عندها اعلن الرئيس بري رفع الجلسة. بيروت ــ وليد زهر الدين