قدم البيت الأبيض الامريكي كل لفتات المجاملة الاستثنائية لايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي وأسهب الرئيس بيل كلينتون في تقديم التوضيحات والاعتذارات عن وصفه لهفته للقاء باراك بلهفة طفل صغير بلعبة جديدة . وسعت واشنطن الى التقليل من أهمية وساطة الرئيس الفنلندي مارتي اهتساري التي يأمل فيها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات, معتبرة ان لا أحد يشاركها دورها الفريد, الذي قلصته ترضية لاسرائيل الى دور (المسهل) وليس دور القاضي والحكم والشرطي. من جانبه واصل باراك برنامجه وسط حفاوة امريكية بدأت الليلة قبل الماضية بعشاء رئاسي في كامب ديفيد وصباح امس بافطار عمل مع وزيرة الخارجية, مادلين اولبرايت اعقبه بلقاء مع وزير الدفاع ويليام كوهين, مكررا تمسكه بالخطوط الاربعة الحمراء متعهدا بحل وسط مؤلم مع سوريا لا يعيد لها كل الجولان. واضطر كلينتون الى الاعتذار عن قوله انه كان (متلهفا كطفل معه لعبة جديدة) للقاء باراك. وحينما اجتمع كلينتون وباراك في البيت الابيض اصيب الرئيس بالحيرة في باديء الامر حينما قال صحفي اسرائيلي ان تصريحه الذي ادلى به في مأدبة عشاء في ميامي يوم الثلاثاء ينطوي على تعال وسأله (أي لعبة تريد ان تلعبها معه) . وشرح صحفي امريكي بعد ذلك ان الصحف الاسرائيلية ضخمت التصريح قائلة انه يعني ان كلينتون يرى الزعيم المنتخب حديثا باراك لعبة وحاول كلينتون جاهدا تفسير ما كان يعنيه بهذا التعبير. وقال كلينتون (في الانجليزية ما يعنيه هذا هو انك تشعر بخفة وفرح وليس له اشارة لرئيس الوزراء. ما كنت لافعل ذلك ابدا) . واضاف شارحا (فلو كنت ذاهبا في رحلة الى هاواي فلربما قلت انني فرح مثل طفل معه لعبة جديدة. ولا يعني هذا انني اعتقد ان هاواي لعبة اذا فهمت مقصدي) . وقال مسؤول امريكي رفيع ان كلينتون وجد باراك (مخلصا جدا) . وقال المسؤول (قال الرئيس انه كان من الواضح جدا ان هذا زعيم سيكون مدققا من حيث الوفاء بالالتزامات وسيكون ايضا يقظا جدا من حيث السعي الى السلام وفي ذهنه امن اسرائيل) . واعرب باراك عن استعداده لمقابلة الرئيس السوري حافظ الاسد لبحث خلافاتهما بشأن مرتفعات الجولان. وقال (حينما يحين الوقت ارجو ان يمكننا الاجتماع. التانجو تحتاج الى اثنين) . وعلى الرغم من النوايا الحسنة والتفاؤل فان باراك وجد نفسه على خلاف مع المفاوضين الامريكيين بشأن تنفيذ اتفاق الارض مقابل الامن الذي قام كلينتون بجهد وساطة شاق في التوصل اليه مع نتانياهو وعرفات الخريف الماضي في واي بلانتيشن بولاية ماريلاند. وتقول الولايات المتحدة انها تفضل ان تنفذ اسرائيل والفلسطينيون الاتفاق دون اجراء اي تغييرات فيه قبل الانتقال الي محادثات بشأن اتفاق سلام نهائي مع الفلسطينيين بشأن الحدود ومستقبل القدس. وقال باراك (هناك حاجة الى ربط تنفيذ اتفاق واي بلانتيشن بالمضي قدما نحو اتفاق الوضع النهائي) . وفي سياق متصل قال مسؤول اسرائيلي رفيع ان رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد ايهود باراك ابلغ الرئيس بيل كلينتون يوم الخميس ان الشرق الاوسط وصل الى (لحظة صدق) وانه مستعد للتحرك سريعا من اجل سلام واسع. وقال المسؤول واصفا محادثات دامت ساعتين ونصف الساعة بين باراك وكلينتون (الشرق الاوسط عانى طويلا. نحن مستعدون. هذه لحظة صدق انها لحظة مصيرية. هناك مخاطر لكننا مستعدون لمحاولة تقليلها) . واجتمع باراك مع كلينتون للمرة الاولى بصفته رئيس وزراء اسرائيل وقابل ايضا نائب الرئيس آل جور وتوجه مع كلينتون الى منتجع الرئاسة في كامب ديفيد في ولاية ماريلاند لتناول العشاء وقضاء الليل. وتعهد كلينتون ورئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد ايضا بضخ قوة دفع جديدة في محادثات السلام بالشرق الاوسط. وقال باراك امام حشد من الصحفيين الامريكيين والاسرائيليين بالحديقة الوردية في البيت الابيض قبيل بدء محادثات خاصة مع كلينتون (جئت هنا كرسول من شعب اسرائيل الذي دعا للتغيير والتجديد) . واضاف (ان نيتنا هي ضخ قوة دفع جديدة في عملية السلام واعادتها على كل المسارات. نحن نحتاج من اجل ذلك الى قيادة ودعم امريكي على امتداد الطريق) . ورنت كلمات باراك كأنغام الموسيقى في اذني كلينتون الذي كانت علاقته مضطربة مع بنيامين نتانياهو سلف باراك. ووضع كلينتون باراك في نفس فئة صناع السلام مثل رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل اسحق رابين الذي اغتيل عام 1994 برصاص متشدد يهودي. وقال كلينتون (السيد رئيس الوزراء.. لو كان مرشدكم اسحق رابين هنا فأعتقد انه كان سيسره جدا ان يرى قيادة بلده الاثير في يدكم ذات الكفاءة المتناهية) . وقال المسؤول الاسرائيلي ان بارك اخبر كلينتون انه (مستعد لحل وسط مؤلم) مع سوريا بشأن مرتفعات الجولان التي استولت عليها اسرائيل في الحرب العربية الاسرائيلية عام 1967. موضحا انه لا يشمل الانسحاب من كل الجولان. واضاف المسؤول قوله (هدفنا ان ينهي هذا الجيل جيلنا الصراع وان يضع نهاية للصراع. واذا لم يتم الاتفاق الان فسوف نعرف ان الوصول الى اتفاق مستحيل لاننا مستعدون لطرق كل سبيل لنرى هل هناك اتفاق ممكن يقوي اسرائيل) . واكد المسؤول انه لا عودة لسوريا اى ضفاف بحيرة طبريا. وقال المسؤول للصحفيين الاسرائيليين بعد الاجتماع ان باراك ابلغ كلينتون انه مستعد في الاسابيع المقبلة لبدء مفاوضات لا مع الفلسطينيين فحسب بل ايضا مع السوريين واللبنانيين. والتقطت صور تذكارية للزعيمين اللذين تصحبهما زوجتاهما هيلاري كلينتون ونافا باراك وهم خارجون من البيت الابيض لركوب طائرة هليكوبتر لمشاة البحرية للذهاب الى كامب ديفيد. وقدم البيت الابيض كل لفتات المجاملة لباراك الذي قضى ساعتين ونصف ساعة من المباحثات في مقر الاقامة الخاص للرئيس قبل توجهه الى منتجع الرئاسة.وقضى الاربعة الليل هناك في لفتة غير معتادة من كرم الضيافة الرئاسي. ومن الواضح ان البيت الابيض سعد بنصر باراك في انتخابات اسرائيل في مايو وبرغبته في احياء مساعي السلام في الشرق الاوسط مع الفلسطينيين وكذلك مع لبنان وسوريا. وقابل باراك اولبرايت صباح امس ثم قضى عطلة نهاية الاسبوع في نيويورك ويعود الى البيت الابيض مساء الاحد لتناول العشاء على شرفه. وسوف يقابل كلينتون مرة اخرى في البيت الابيض يوم الاثنين المقبل. وفي سياق الحفاوة البالغة اجتمع كلينتون مع باراك في الغرفة البيضاوية الصفراء في مقر الاقامة الرئاسي وليس الجناح الغربي ذي الطابع الرسمي, وسمح لباراك باستخدام غرفة روزفلت لمقابلة الصحفيين الاسرائيليين. وفي سياق السعي للتقليل من الوساطة الاوروبية قال جيمس روبن المتحدث باسم وزارة الخارجية الامريكية تعليقا على دعوة عرفات الى قيام اهتيساري بدور وساطة في الشرق الاوسط (سنرحب بجهود الاخرين لتشجيع الاطراف على المضي قدما بشأن السلام) . لكنه اضاف (لا أعتقد ان اي شخص اشار الى ان احدا سوى الولايات المتحدة يمكن ان يكون له هذا الموقع الفريد الخاص بالولايات المتحدة تجاه الفلسطينيين والاسرائيليين) موضحا (بل لا أعتقد ان اكثر موظفي الاتحاد الاوروبي جرأة وطموحا سيقدم على مثل هذه الاشارة) . وساعد اهتيساري على التوسط لانهاء صراع كوسوفو. وتتولى فنلندا الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي حتى نهاية العام الجاري. وحاول الاتحاد الاوروبي على مدى سنوات القيام بدور الوسيط في الصراع العربي الاسرائيلي لكن اسرائيل صدته مرارا. ويفضل العرب دورا اوروبيا اقوى. من جهة اخرى اعلن مسؤول اسرائيلي في واشنطن ان باراك سيبذل اقصى جهوده من اجل التوصل الى الافراج عن جوناثان بولارد المحكوم بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة بتهمة التجسس لحساب اسرائيل. وقال هذا المسؤول الكبير في الوفد الاسرائيلي المرافق لباراك ان رئيس الوزراء الاسرائيلي (يهتم بالملف قدر المستطاع (اي) ليس بطريقة علنية) . ولم يوضح هذا المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته, ما اذا كان باراك قد بحث الموضوع خلال محادثاته مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون التي استمرت ساعتين ونصف الساعة. يذكر ان المسؤولين الامنيين الامريكيين ما زالوا يعارضون اطلاق سراح بولارد مؤكدين ان نشاطات التجسس التي قام بها ألحقت اضرارا كبيرة بالمصالح الامريكية. وكان بولارد قد سلم اسرائيل من مايو 1984 وحتى اعتقاله في نوفمبر ,1985 وثائق سرية تتعلق بنشاطات الولايات المتحدة التجسسية عبر العالم. ــ الوكالات