يواصل الدكتور رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع ورئيس مجلس ادارة صحيفة الاهالي الناطقة بلسان الحزب سرد وقائع الايام العاصفة لاحداث المظاهرات يومي 18 و 19 يناير 1977, والشهير اعلاميا بمظاهرات الخبز , وسياسيا حسب وصف المعارضة المصرية بانتفاضة يناير, وعلى لسان اعلام الرئيس الراحل أنور السادات بانتفاضة الحرامية. في هذه الصفحات التي لم تنشر في الجزء الثاني من مذكراته يتناول رفعت السعيد يوميات الحملة الاعلامية والبوليسية الشرسة التي تعرض لها حزب التجمع, وتمكن الحزب بصلابة وعناد كل من زعميه خالد محي الدين ونائب رئيس الحزب وقتها المناضل الراحل كمال الدين رفعت من احتواء الازمة, دون احناء الرأس للعاصفة, وتوسيع نطاق عضوية الحزب وتدوير آلته التنظيمية بكفاءة نادرة. ويشير السعيد في مذكراته بنزاهة رئيس نيابة امن الدولة العليا وقتها المستشار عدلي حسين ــ محافظ المنوفية الآن, وانقاذه للسعيد وغيره من مئات المتهمين من تلفيقات اجهزة الامن .. ومع ذلك تبقى في مذكرات السعيد سطور ناقصة .. سواء عن عمد او غير عمد. وتسارعت الامور .. ربما اسرع مما تصور الجميع. فما من احد استطاع ان يقيس عمق الجرح في قلب السادات .. كشخص وكنظام. الدبابات في الشوارع, وحظر التجول يخيم على كل مكان. والشائعات تسرع فتخيم هي ايضا .. آلاف اعتقلوا, وآلاف سيعتقلون. كنا مساء الخميس, رنين التليفون لايتوقف . كل يسأل وكل يريد ان يطمئن, احدهم صعقته الدهشة, سمع لتوه من راديو بغداد انني اعتقلت فاذا بي ارد عليه. الآخر اكد ان راديو لندن اكد اعتقالي. كنت اعرف احتمال الاعتقال, لكنه لم يأت, ويختار القلب دوما ان يتشكك, وان يخترع احتمالات الافلات. صباح الجمعة .. تليفون يدق مبكرا, يصعق المتحدث اذ ارد انا عليه .. جريدة (الجمهورية) نشرت نبأ القبض علي كمتهم اول في الاحداث. ارسلت لاحضر (الجمهورية) وفي الصفحة الاولى مقال رئيسي بقلم (محسن محمد) يقول صراحة ان اجهزة الامن تتهم حزب التجمع ورفعت السعيد تحديدا بالمسؤولية الاساسية عن الاحداث وانني قد قبض علي فعلا. كان الامر مضحكا لكنه موحيا ببداية حملة اعلامية وبوليسية ضد الحزب. اتصلت تليفونيا باحد رجال مباحث امن الدولة. ضحكته الصفراء اتت باهتة حتى عبر التليفون, لم ينف الخبر, فقط سألني: (انت رايح فين النهاردة؟) اختصرت القول قائلا: رايح النادي. قال: (روح واتفسح) وكأنه يقول: استعد لما هو آت. وبالفعل ذهبنا جميعا الى النادي. وعدت بعد الظهر لاعد حقيبتي .. ولاكتب رسالة الى نقيب الصحفيين طالبا كصحفي اذن مخاصمة لارفع دعوى قضائية ضد محسن محمد. وفي المساء, عندما دق الباب, لم يكن لدي ادنى شك فيمن هو الطارق, فتحت. ضابط امن دولة ( محمد عبد الفتاح عمر. اصبح عند كتابة هذه الاسطر لواء). كان مهذبا, منع الجميع من الدخول, ودخل هو فقط. بادرته بالسؤال التقليدي: هل معك اذن نيابة؟ قال: لا. قلت اذن لن اسمح لك بالتفتيش, ولن اذهب معك. حاول اقناعي ورفضت, اتصل تليفونيا برؤسائه, حاولوا افهامي بلباقة ان الامر اكبر بكثير مما اعتقد, وانه لامبرر للتشبث بهذه الشكليات. ورفضت, فامهلوني بعضا من الوقت. كان الضابط هادئا ومبتسما دائما, حاول تبسيط الامر فطلب شايا, لكن ليلى رفضت, وظل هو مبتسما. اخيرا دق التليفون والمتحدث وزير الداخلية قال: ثمة امر قبض صدر الآن من النيابة واسمك في رأس القائمة .. واذا أردت نسخة سأرسلها لك, ولكن الامر سيتسغرق بعض الوقت. على اية حال قلت له: ساذهب مادمت تقول ان هناك امرا من النيابة. التفت نحو الضابط وقلت: اتفضل .. فتش قال بذات الهدوء, مفيش داعي, زملائي اكدوا لي انك احرص من ان تترك اي ورقة في بيتك. القى نظرة على الكتب وجد مظروفا معنونا ( السيد نقيب الصحفيين) بداخله نسخة من جريدة الجمهورية, وطلب اذن المخاصمة. قال: نأخذ هذا علشان مانروحش بأيدينا فاضية, واستكمالا للشكل مر على غرف البيت, دون ان يجاوز باب الغرفة, فتحت بهدوء غرفتي خالد وغادة, دق قلبي طويلا وانا اتأملهما نائمين ( الفارق واضح بين القبض على في الماضي عندما كنت خلي البال, وبين هذه اللحظة التي ظلت وحتى الآن عالقة بذهني, وانا اتخيلهما يستيقظان ويراكمان اسئلتهما البريئة . اين ذهب بابا) تأملني الضابط, واذ لاحظ تأثري تسحب على اطراف اصابعه وكأنه يستحثني ان افعل مثله. ومضت بنا السيارة في شوارع خالية تماما الا من دبابات الجيش, وسيارات الشرطة .. واجتازت السيارة جامع الرفاعي وميدان القلعة, وصعدت .. انه اذن سجن القلعة. كم من قصص قيلت عنه, وبرغم كل ما كان افلت هذا السجن من زيارتي له, ابتسمت في اعماقي وانا اقول لنفسي: يصممون على استكمال الدورة. فتح الباب الضخم. سلمني الرجل وسلم علي بحماس معتذرا ( اصبحنا بعد ذلك اصدقاء) ومضى. بالداخل ضابط شاب صغير السن تتدلى سلسلة ذهبية من عنقه, يعلو صوته اكثر من اللازم عند كل قول, حتى وهو يرد التحية. وكان الاستقبال عاصفا, فتقاليد القلعة تقضي بوضع غمامة على عيني كل داخل. حتى لا يعرف جغرافية المكان .. ورفضت, وارتفع صوته مهددا بوضع الغمامة بالقوة, وارتفع صوتي رافضا, ثم حسمت الامر قائلا: اسأل رؤساءك. وبالفعل تحدث تليفونيا مع شخص ما, ثم قال متبرما, ومتوعدا في آن واحد ... اتفضل ودخل معي بنفسه ليفتح زنزانة ويأمر جنديا بان يلقي بطانية على الارض .. واغلق الباب بعنف, علمت فيما بعد ان اسمه مدحت وانه كان منتدبا من قسم الدرب الاحمر, وكان يبدي حماسا مبالغا فيه بامل ان ترضى عنه مباحث امن الدولة, فيبقى في القلعة. تأملت الزنزانة, جدرانها تتزين بنقوش وكتابات من كل نوع, جينات الوراثة الفرعونية لم تزل تلح على المصريين ان ينقشوا كل شيء على الجدران, عشرات العبارات, فكل من مر بهذه الزنزانة ترك اثرا. شيوعيون, ارهابيون , فلسطينيون, عمال النقل العام الذين اضربوا فاعتقلوا .. من بين النقوش لمحت واحدا شد انتباهي . والتوقيع شكري مصطفى ( زعيم جماعة التكفير والهجرة). سرت سكينة غريبة. صحيح ان شكري مصطفى قد اعدم. لكن المعنى والمغزى واضح. خلعت البالطو والبدلة علقتهما على مسمار وجد مصادفة خلف الباب لبست بيجامة. سويت البطانية الممتلئة ترابا .. وقررت ان انام, وفيما اغمض عيني سمعت صوتا يسأل: حطيتوا رفعت السعيد فين؟ ثم فتح الباب واطل شاب آخر مناديا, حاولت ان اوحي له انني نمت فعلا .. فقط لاغيظه, اذ يجد انني غير منزعج. لم يخف دهشته ياه نمت بسرعة .. ايه هدوء الاعصاب ده؟ وقفت وسلمت عليه واشرت الى عبارة شكري مصطفى دون ان اتكلم . كان الضابط مدحت يتضاءل عندما وجد الآخر يتباسط معي. وارتجف عندما عاتبه هذا الآخر: كيف تركني بلا سرير ( زنازين القلعة كانت تمتلك في العادة اسرة .. لكن الضابط اختار من فرط غضبه عليك واحدة جرداء) وبسرعة انطلق السجانة وجنود الخدمات يحملون امتعتي الى زنزانة اخرى .. وفرشوا على السرير ملاءة نظيفة, وكذلك بطانية بلا تراب, واذ استقام الامر جلس هذا القادم الجديد معي وانسحب الجميع. قدم نفسه قائلا: انا العقيد مجدي, وسأكون من الآن فصاعدا هنا ( فيما بعد, وعندما التقينا بعد الافراج عني لاعرب له عن شكري لذكائه في التعامل معي قال: آن الآوان ان تعرف اسمي الحقيق قلت اعرفه اسمك نديم حمدي. عرفت الاسم من احد المخبرين المقيمين معنا). طار النوم, ودعاني الرجل الى غرفته في السجن, وقال: نتحدث كرجال. انت المتهم الاول في اخطر قضية مرت على, والله اعلم حتخرج امتى. ( كانت نظراته تتابع اثر الكلمات) وعلينا ان نتعامل مع بعضنا كاصدقاء . وكرجال. بدوت باردا .. وابتسمت, وضحكت, وقلت نكاتا ( بعدها, عندما اصبحنا اصدقاء قال لي : انني كنت سخيفا اذ تعمدت الايحاء بانني غير مكترث بكل ما تقول). عدت الى الزنزانة التي ظلت مغلقة دوما. لكني كنت اشعر من دبيب الارجل في الممر ان الوافدين كثيرون وكان صوت العقيد مجدي ينظم كل شيء بلهجة آمرة وهادئة. وبعد الظهر فتح باب الزنزانة لاول مرة, قال مخبر: اتفضل قابل الباشا رئيس النيابة .. تصورت اننا سنذهب الى النيابة, ارتديت بدلتي. ربطت الكرافاته باتقان, والمخبر مندهش, وهو يراني افكها واربطها عدة مرات ( فيما بعد علمت انهم ينقلون الى العقيد مجدي كل هذه الاشياء الصغيرة .. ليحسب مدى تأثير الامر على اعصابي, وانا بدوري كنت اتعمد المبالغة في ان ابدو عاديا بل واكثر من عادي) ... اقتادني المخبر الى غرفة اخرى, .. لاجد رئيس النيابة وكاتبه .. قدم نفسه لي: المستشار عدلي حسين ( الآن هو محافظ المنوفية) .. وقبل ان يبدأ سألته: هل يسمح القانون بان تجرى النيابة تحقيقها داخل السجن؟ قال: ان الظروف صعبة للغاية, وانت لاتدرك مدى خطورة الموقف, الموقف العام خطير جدا, وموقفك انت خطير جدا, ولهذا انصحك الا تجادل كثيرا في مثل هذه التفاصيل. قلت: هذه ليست تفاصيل ... هذه اساسيات قانونية. وجرى جدل طويل, وانتهى بان قلت: حسنا اوافق بشرطين. قال: وهما قلت : الاول ان يثبت في بداية المحضر ان التحقيق اجري في السجن, ومن جديد تمدد حوار ممتد, واخيرا اتفقنا على صيغة (اجرى التحقيق بالغرفة التي خصصت للنيابة بسجن القلعة) فتح المحضر قلت: يبقى الشرط الثاني. قال: وماهو . قلت: فنجان قهوة سادة. وهرول الكاتب, وحضر العقيد مجدي الذي يبدو انه كان يتابع النقاش عبر ادواته الخاصة. كانت ابتسامته المندهشة تطل من الوجه او الذي يحاول الايحاء بالهدوء وقال: سأرسل لكما فنجاني قهوة من البن الخاص بي. وجرى التحقيق عاديا, وعلق كله بالمبرقة وقصتها, ومن صاغها, ومن ارسلها, ولماذا وقعت باسمي. وطوال التحقيقات التي تلت ذلك حكيت الى درجة الملل ذات القصة.. وكانوا يحاولون دوما ايجاد ثغرة ينفذ منها الاتهام ضدى فلا يجدون ويعاودون السؤال, واعاود ذات الاجابة. صياغة المبرقة عادية, لم نحرض فيها احدا عبارة (الالتحام بحركة الجماهير) لا تعني التحريض على التظاهر. اكدنا على ضرورة الوقوف ضد التخريب, المبرقة وقعت باسمي لانني وحدي المخول سلطة توجيه المكاتبات الى اجهزة التلكس بالاتحاد الاشتراكي, د. مصطفى خليل الامين العام للاتحاد الاشتراكي اتصل بي بالمنزل وطلب عدم ارسال المبرقة فقد يفهم منها التحريض, ووافقت وبناء على موافقتي فإن المبرقة لم ترسل.. فقط سمع عنها زملاؤنا بالمحافظات عندما تسلموا مبرقات تقول: (رجاء الغاء المبرقة رقم 91 وعدم العمل بها (د. رفعت السعيد) وبدأت التليفونات تدق.. المبرقة 91 لم تصل.. لماذا لم تصل؟ لماذا الغيت؟ ما هو نصها؟ دار التحقيق اكثر من دورة شربنا اكثر من فنجان قهوة ولم يتجاوز الامر كله عتبة السؤال عن المبرقة اذن هم لا يمتلكون اي شيء ولا اي دليل او حتى القدرة على اصطناع دليل.. وعدت الى الزنزانة وانا اكثر هدوءا. يمكن ان احكي ولو بشكل موجز كل ما كان في هذا السجن الغريب, والذي امتاز دوما برهبة خاصة لانه وفق القانون.. لايخضع للائحة السجون, ومن ثم يمتلك تقاليده الخاصة جدا وباختصار وفق القانون هو لا يخضع للقانون ولهذا كان من الطبيعي ان نجد اطقم عدة في الحراسة والتأمين والخدمة الداخلية. ضباط بوليس عاديون ضباط امن دولة, ضباط امن قومي, مخبرون, جنود عاديون, مجندون. وعلى اية حال كانت الايام الاولى ذات سمة متشدده بشكل خاص باب الزنزانة مغلق دوما.. ودوما هذا تعني 24 ساعة يوميا., ولا شيء معك او لك.. لا صحف ولا كتب ولا ورق ولا اقلام ولا راديو (ذات يوم طلبت من العقيد مجدي ان يصرح لي براديو وكان ذلك بعد ان استقر بي الاستقرار لعدة اشهر هناك .. وعد ثم عاد فقال وزير الداخلية اعترض خوفا من ان تتلقى عبر الراديو رسائل من موسكو قالها وهو يضحك.. ولم املك سوى الضحك لكنهم وكنوع من المساومة وبعد ضغوط واحتجاجات سمحوا بكاسيت شرط ان تراجع الشرائط.. وارسلت لي ليلى عشرات الشرائط واستمتعت بالاستماع الى سيمفونيات والى فيروز وعبدالوهاب عندما كان شابا وايضا لمسرحيات كاملة مثل مدرسة المشاغبين التي نجحت دوما في ان تجمع حولها كل المخبرين في ضحك متواصل. سألت : هل يمكن ان احكي ما حدث.. الاجابة لا.. فلا هو ممكن ولا هذا مكانه, لكنني سأحاول فقط ان القى بعضا من بقع الضوء على مساحات محدودة لتعلقها بكل ما اريد ان اقول. فجأة حدثت ضوضاء وطلب من السجناء جميعا ان يحزموا امتعتهم اذ سينقلون الى سجن ابي زعبل وفيما استعد لحزم امتعتي اتى العقيد مجدي وقال (لاتفعل انت باق هنا) قلت: وحدي؟ قال: وحدك. ذهب الجميع وبقيت هل يمكن ان اصف احساس سجين وحيد, في سجن يحيط به مئات الحراس وعدة اطقم مختلفة الاجهزة الامنية كل جهاز له رجاله في هذا الجب. لا جدوى من اية محاولة للوصف فقط الامر موحش.. ومخيف الى حد ما. سألت مجدي لماذا؟ قال انا اريدك هنا. وبعد عدة مناقشات تبينت لماذا بقيت وحدي, كان العقيد مجدي يأتي الى الزنزانة كل مساء.. ثم يصطحبني الى مكتبه يعبث قليلا في الدرج (خمنت انه يضبط اجهزة التسجيل) وبدأ حوارا ممتدا عن الاوضاع السياسية يتمهل في بعض المواقع يستفزني لاتحدث عن نفسي وعن حزب التجمع, ابدا لم يلمس موضوع القضية ثم عرفت السبب فذات مساء اتى ومعه شخص لا اعرفه ظل الآخر صامتا طوال الوقت ومجدي يعود فيكرر الحديث عن اعجابه الشديد بكتبي وبكتاباتي في التاريخ افراطه ـ هذا اليوم ـ في الاعجاب شد انتباهي وفجأة قال (لو انك تتفرغ لكتابة التاريخ لاصبحت واحدا من اهم مؤرخي مصر) اعتبرت العبارة جزءا من المجاملة المبالغ فيها في ذلك المساء, لكن العبارة تكررت بنصها عدة مرات.. وبدأت انتبه.. وبدأت اتحفز.. وما ان نطقها مرة اخرى (ربما كانت الخامسة او السادسة) حتى بادرته بطلقة مدوية معدة سلفا: سيادة العقيد هل تبلغني رسالة محددة؟ اخد الرجل,, ووجه نظرة الى الآخر الصامت دوما ثم قال : بصراحة نعم. وقلت: وما هي الرسالة تحديدا؟ قال ان تستقيل من حزب التجمع وتتعهد كتابيا بعدم الاشتغال بالسياسة.. ويفرج عنك فورا منعت نفسي بالقوة من الانفجار رغم انني ادركت ان القضية بالنسبة لي قد انتهت وانه لا دليل ضدي ولهذا بدأوا المساومة,.. سألت ببرود: ومن صاحب الرسالة؟ قل : لنقل انه رئيس الوزراء السيد ممدوح سالم وخرجت شتيمة كبيرة جدا رغم انفي, وسرى فزع في وجه الاثنين مجدي والآخر ثم اكملت: ارجوك ابلغ صاحب الرسالة انني سجنت قبل ذلك ثلاثة عشر عاما, ولم اشعر برغبة في التراجع, وقل له انه هو لن يبقى في الحكم اربعة عشر شهرا, وبالطبع ليس لديه اي امل في ان اتراجع وهو في الحكم. لم ينطلق اي منهما واقتادني مجدي هادئا وصامتا, الى الزنزانة. والغريب انني في اليوم التالي تلقيت زيارة من محامي.. الدكتور عصمت سيف الدولة وانفرد بي في غرفة لست اشك في انها ممتلئة بالميكروفونات واثار ذات الموضوع.. وفضت قال: انا محاميك واشعر انهم يريدون الايقاع بك بأي ثمن.. ورفضت قال: لدى حل ان يصدر خالد محيي الدين قرارا بفصلك وبهذا لا تبدو اية شبهة ضعف في موقفك وقلت: خالد لن يفعلها إلا اذا طلبت وانا لن اطلب. وانتهت الزيارة وتوقفت هذه المحاولة. وطوال الاشهر الاولى.. كنت وحيدا في الزنزانة وحدها بل في السجن باكمله وكان الباب مغلقا طوال الوقت فقط يفتح عندما ادق لانفلت تحت اعين عديدة ومتعددة بصورة مثيرة للدهشة نحو دورة المياه, اطالع هناك نقوشا اخرى قديما هي ايضا.. رسائل مكتوبة على الحائط.. نصائح, اخبار عبارة منها لصقت في ذهني (اذا كنت انا قد احتملت فلابد انك ستحتمل.. عزة الخميسي) . كيف يمكن للوقت ان يتململ؟ وكيف يمكن لك ان تدفعه كي يتحرك؟ فيل ضخم ممل بطىء لا اصل في تحريك عقاربه الملل يبدد القدرة والمقدرة على الاحتمال كيف يمكن ان تحتمل زمانا يأبى ان يمضي, فجأة خطرت في خاطري فكرة.. ان اشغل نفسي بكتابة رواية, كنت استعيد بعضا مما كان, وطافت بمخيلتي احداث حدثت اثناء فترة هروبي من امر القبض 1959.. وتساءلت في حوار ودود مع نفسي: لم لا اكتب رواية؟ كيف بلا ورق ولا اقلام واجبت على تساؤلي: في ذاكرتي. وقطعت الوقت في كتابة رواية.. سطرا سطرا.. فصلا فصلا نقشها باتقان في ذاكرة متلهفة لم يشغلها بشىء اي شيء واعود لاعدل وابدل وامحو نقوشا واعيد نقشها من جديد.. ولم يعد الوقت كافيا.. واكتملت رواية (السكن في الادوار العليا) . وعندما افرج عني حاولت نسيان الامر او تناسيه لكنه فرض نفسه فرضا وظل يناوشني حتى سكبته نعم كلمة سكبته ملائمة تماما فأنا لم افعل سوى استعادة ما نقشت وكنت اكتب بسرعة متعجلة فقط لافرغ ذهني من مشاكسة هذا المخزون ولم اتخيل انني ساتجاسر فأنشرها. وتستمر التحقيقات عدة مرات يتم استدعائي الى مبنى نيابة امن الدولة المستشار عدلي حسين يصمم على ذات الاسئلة, وانا اصمم على ذات الاجابات. ذات مرة كان هناك شخص آخر جالس على المكتب متكىء بذراعيه عليه ويتابع الامر كله باهتمام صامت واعاد المستشار ذات الاسئلة, واعدت غاضبا ذات الاجابات اكدت ان المبرقة لم ترسل لان د. مصطفى خليل تحدث معي تليفونيا بمنزلي ووافقت على عدم ارسالها ويبدو ان صوتي ارتفع اكثر مما يجب وغضب المستشار عدلي حسين وصاح هو ايضا بصوت غاضب ونطق الجالس طالبا ان تهدأ وطلب تأجيل التحقيق لبعض الوقت, واذ خرج المحقق تقدم الرجل مني وقال: ازيك ولاحظ برودي فسألني انت مش عارفني, ونظرت اليه ولم اجب.. فقال: انا المحامي العام لنيابة امن الدولة مصطفى طاهر, لم يعطني الاسم اية اشارة هو لاحظ ذلك, وقال هامسا: التقينا ذات يوم في الابراهيمية الثانوية وكان معنا بدوي محمود وعبدالباسط خلاف ونبيل غالي (تدفقت شلالات الذاكرة, رابطة الطلبة الشيوعية, وانا مسؤول قسم ثاني ـ وفي مدرسة الابراهيمية عقدت عدة اجتماعات لخلية المدرسة تأملت الوجه.. هو كان في الاجتماع) . قال: لا شيء ضدك مطلقا ولست اجاملك اذ قلت انك لن تكون في قرار الاتهام لكن السادات يصمم على افتراسك وانا لن اسمح بذلك مهما كان الثمن. قلت: ارجوك لا تضع نفسك في موضع صعب من اجلي قال :الامر متعلق بشرف المهنة, بشرفي, وليس بك شخصيا لكن ارجوك ساعدني. وقلت: كيف؟ قال: هل قصة اتصال د. مصطفى خليل بك حقيقية؟ قلت: بالتأكيد وقال: وهل وافقت على عدم ارسال المبرقة؟ قلت : كنت اعلم انهم لن يرسلوها حتى لو الححت ولهذا وافقت هي لم ترسل فعلا. قال: هل تعتقد ان د. مصطفى خليل مستعد للشهادة لصالحك؟ قلت: لعله يفعلها. وفي هذه الاثناء عاد المستشار عدلي حسين ليجد رئيسه منهمكا في حديث ودي معي. وقال المستشار مصطفى طاهر.. اثبت في المحضر اقواله, وارسل خطاب الى د. مصطفى خليل لتطلب شهادته وانفرجت اسارير المستشار عدلي حسين, فقد كان يعتقد انني لا اقول الحقيقة. وبعد ايام وصل الرد من د. مصطفى خليل مؤكدا كل ما قلت وفي هذا عدة اسطر تؤكد على براءتي. استدعيت مرة اخرى للتحقيق وكان المستشار مصطفى طاهر منفرج الاسارير همس في اذني بشهادة مصطفى خليل وقال: الآن انا متأكد من استبعادك من قرار الاتهام ولكن من يستطيع ان يصدر قرار الافراج؟ القاضي الصدفي الذي نعرض امامه يكرر استمرار الحبس دون نظر في الاوراق. ذات يوم لاحظ القاضي اشمئزازي: فقال: انت لما يكون عندك انفلونزا مش الدكتور يأمرك ان تبقى في البيت؟ بهذا المنطق انا ارى ان تبقى في السجن لبعض الوقت؟ وتكررت اوامر استمرار الحبس حتى تغير القاضي بقاض آخر. وفي هذا السجن الذي شاركني بعد فترة عبدالمنعم القصاص في امتلاكه وحدنا كان البعض يأتي مرورا ويذهب سريعا احدهم (ح. ي) وكان يقول عن نفسه انه ناصري (هو الآن مستشار في مجلس الدولة) بقى معنا بعض الوقت, وكنا اصدقاء حميمين, وقدمنا له ما استطعنا من عون, واقتسمنا معه طعامنا, ذهب الى القاضي الصدفي طلب الكلمة بعد ان عرف قواعد اللعبة جيدا.. قال: لست معترضا على استمرار الحبس فهذا امر الله, لكن ارجو نقلي من سجن القلعة, فالسجناء هناك يتهكمون علي عندما اصلي (لم يكن يصلي. ولم نكن بالطبع لنتهكم عليه لو انه صلى) الرسالة وصلت للقاضي, وامر على الفور بالافراج عنه. واخر يمني فوجئنا به مكتوما في احد الزنازين صحنا عليه لم يرد, ولم يرفع حتى البطانية عن رأسه, بقي ملفوفا في البطانية لفترة طويلة حتى انزعجنا ان يكون قد مات, بناء على طلبنا فتح المخبر الزنزانة لنجده حيا لم يزل. محمد قاسم نعمان, اسمه, قال انهم قبضوا عليه, ارسلوه الى قسم الدقي, هناك اودعوه الحجز, قال له الشاويش اذا احتجت شيئا دق الباب, سمعه الضابط, واتى وضربه علقة ساخنة. وعندما اتى الى القلعة قالوا له وهم يغلقون الزنزانة, اذا احتجت شيئا دق الباب. فهم الملعوب, والتف بالبطانية, ولم يدق الباب ولم يلتفت لأي نداء. .. واخر كان قائدا في حزب العمال الشيوعي, لنرمز له (ع. ع) في الصباح اكتشفنا وجود زنزانتين مغلقتين, عندما اتى العقيد مجدي طلبت منه ان اتعرف على القادمين الجدد, فتح الزنزانة الاولى, بداخلها شاب قال له انه مهندس اذاعي, لمحت نظرة ما, لا يمكن وصفها, ولكن يمكن الاحساس بها, شعاع ما جرى تبادله بين الاثنين, والاخر كان (ع. ع) عندما ذهب العقيد اسرعت الى (ع. ع) قلت في بساطة: احذر من الاتي معك, رد غاضبا بل وشاتما بعد ساعات استدعوه للنيابة, هناك اكتشف ع. ع ان الاخر مصدر امني, وانه هو الذي سلمه للامن, وعاد ليسألني كيف عرفت؟ لكن ع. ع, وقد اصبح واحدا من المقيمين معه لعدة ايام اثار معي مشكلة, حاولت ان اعطيه بعضا مما لدينا من طعام يصلني يوميا من اسرتي, لكنه رفض, قال انت تعطي حتى الاعداء الطبقيين (المخبرون.. فقراء تحت خط الفقر, تحته بكثير, والرجل يعتبرهم اعداء طبقيين), حاولت ان اشرح له بالمنطق السياسي فأبى, اخيرا قلت له: امي علمتني الا اكل من شيء دون ان اقتسمه مع الحاضرين جميعا, وانت منهم, وهم كذلك, رفض, وقال: اما انا, او هم, بعد فترة استقام الامر وتفهم هو الوضع, وصرنا انا وهو قاسم نعمان والمخبرون نأكل سويا. شاب من بني سويف (نسيت الان اسمه) اتوا به, وكان صوته يعلو دائما في صراخ مزعج وهو يغني بلا انقطاع نشيد يقول (هي الشمس دي طالعة لمين؟ طالعة تحيي الشيوعيين) كان متحمسا الى درجة التوتر, وبعد ان افلت من السجن اختفى, ولم يسمع عنه احد, لقد استنفذ كل حماسه في فترة قصيرة, وبعدها لم يتبق من حماسه اية قطرة تكفل له الاستمرار. د. شوقي الكردي طبيب بيطري, حاول ان يجد وسيلة للتواصل مع المخبرين, لم يجد ما يتحدث به, شاهدهم يطاردون قطة, قال من الناحية التشريحية هي تماما كالارانب, سأله المخبر: يعني ممكن نأكلها؟ قال: طبعا, غادرنا بعدها بايام, وذات يوم سمعت اثنين من المخبرين يتحادثان, احدهما سأل, يعني ايه شيوعيين؟ اجاب الاخر: الشيوعيين همة اللي بياكلوا القطط, وتلقيت درسا في الحرص في التعامل المبسط مع البسطاء. *** وتمضي اشهر عدة ويتغير القاضي الصدفي, ويأتي قاض اخر, ويأمر بالافراج عني, وبعدها بقليل يصدر قرار الاتهام في قضية يناير ولم يرد اسمي فيه. السادات غضب, كان يريد اتهامي ليشفي غليله من التجمع ومن خالد محيي الدين, وعوقب المستشار مصطفى طاهر عقابا شديدا, ابعد عن نيابة امن الدولة, مستشارا في محكمة اسيوط. ودوما كنت التقيه وانا ذاهب الى مقر الحزب.. وهو يمضي على قدميه في شارع سليمان باشا (كان يسكن هناك) ودوما كنت اعتذر له.. انا اسف. انا السبب. ودوما كان يجيب. بالعكس انا متشكر جدا لقد اتحت لي الفرصة كي اصبح انسانا, وكي استعيد صفاء ضميري (صفاء ضميري.. ياله من تعبير معبر). وحتى ينقضي العمر لن انسى ابدا الابتسامة الودود, والموقف الشجاع للمستشار مصطفى طاهر الذي رحل سريعا عن دنيانا. وطوال فترة سجني بالقلعة كان هناك صراع صامت بيني وبين العقيد مجدي, كان رجلا مهذبا ودودا, لكنه كان ينتظر لحظة الضعف المفترضة ثم يلجأ الى اقتراحه القديم.. التعهد بعدم الاشتغال بالسياسة, وكانت عيناه دائما تحاول ان تبحث عن ثغرة ضعف, ولهذا طلب من المخبرين المنوط بهم الحراسة الداخلية, اي المتابعين لكل تحرك اقوم به, ان ينقلوا اليه ملخصا يوميا عن كل ما افعل, هل نمت جيدا؟ هل اكلت جيدا؟ هل تمشيت؟ وبدهشة بالغة نقل لي احد المخبرين المطلوب منه, وفهمت. وبعثت اليه كل يوم برسالة.. كالعادة استيقظ مبكرا جدا, العب رياضة, ادور في الممر المحدود مائة دورة جريا, استحم, افطر, اقرأ اكتب (في الاشهر الاخيرة سمح بكتب واوراق) استمع الى موسيقى من الكاسيت, وهكذا شخص لم يبدأ بعد مرحلة الاستسلام, ولا يبدو عليه انه يقترب منها. ذات يوم سألني بمودة.. الا تشعر بقلق, او خوف, او ملل من هذا السجن الذي لا تعرف له نهاية؟ قلت له: هل تذكر العبارة التي قرأتها لك على جدار الزنزانة ليلة حضوري الى هنا؟.. ونطقناها معا: (كل هم يزول) . وبعد فترة اقتنع (مجدي) انه لافائدة ولا مبرر.. ولا جدوى. وبدأنا نناقش وبصراحة خطط حزب التجمع للمستقبل, وخططه هو شخصيا للمستقبل. .. وعندما افرج عني حرص على مجاملتي بان سمح لي بمكالمة زوجتي تليفونيا لأرتب معها مسألة العودة للبيت.. بل وحرص على مجاملتي في عدة ايام.. فوق القانون كانت وزارة الداخلية تمتلك الحق في احتجاز المفرج عنه خمسة عشر يوما تالية. وذات يوم وفيما تبقى حوالي خمسة ايام اتى مبتسما ليسألني: هل لديك مانع ان تخرج اليوم؟ طبعا لا مانع. قال: الححت على الوزير حتى وافق.. كنوع من الترضية لك, بعد ان اخطأنا في حقك. واتفقنا على ان نلتقي خارج السجن.. وفعلا التقينا واستعدنا تلك المناقشات الطويلة والممتدة عبر ساعات طوال.. والموضوعات التي اجتزنا فيها عتبات المناقشة الى تبادل الرأي, والى المحاضرة احيانا فقد كان يحدد موضوعا ثم ينصت لساعات, ويستمع باهتمام من يريد ان يعرف, وتجولت مناقشاتنا حول موضوعات عدة. ولم ازل ممتنا له.. فقد خفف كثيرا من اثر السجن, ولم ازل مندهشا من تفتحه, ورغبته العارمة في التعرف, والمعرفة. وبعد زيارة الرئيس السادات للقدس, قابلته عرضا, ودهشت اذ قال دون ان اسأل: هل عرفت انني استقلت؟ ودهشت, ولم اخف دهشتي, فهذا نوع من الضباط يمكنه ان يصعد الى اعلى قمم الجهاز, قال: كانت زيارة القدس هي اخر ما استطعت ان اتحمل. وبعدها لم استطع, ولن استطيع. جلسنا نشرب قهوة.. ابديت اعجابي. ابتسم قائلا: منك لله انت السبب. القاهرة ـ مكتب البيان