ربما ما سأرويه لكم في السطور التالية يبدو مدهشا أو مثيرا, لكنه الواقع والحقيقة التي لم نتجاوزها كفنانين أو سينمائيين حتى الآن . فهل لكم ان تتصوروا انه بالرغم من انتصار اكتوبر العظيم الذي مر عليه 25 عاما لم تستطع السينما المصرية ان تعبر عنه وتقدمه في عمل ملائم يساوي حجمه الحقيقي؟! من هنا يطاردني حلم ان أقدم فيلما يرصد فترة الصمود ثم الردع ثم حرب الاستنزاف الى حرب اكتوبر.. فيلما يبدأ من لحظة الانكسار في ,1967 لأن هذه اللحظة هي البداية الحقيقية للانتصار, وهذا الكلام ليس كلامي ولكنه الرؤية الصواب التي أجمع عليها قادة القوات المسلحة الحاليون والسابقون, حيث أكدوا جميعا ان حرب الاستنزاف التي بدأت عام 1968 عقب النكسة كانت تمهيدا لانتصاراتنا في السادس من اكتوبر, ذلك اليوم الذي لا ينسى. حلم الكثيرين حلمي هذا يشاركني فيه الكثيرون, وها هو المخرج محمد راضي سيعرض فيلمه (حائط البطولات) الذي يتناول تلك المرحلة, ولكن (اكتوبر) لا يكفيه فيلم واحد أو حتى عشرة أفلام. فالامريكيون حتى اليوم ينتجون أفلاما عن فيتنام رغم انهم سبق وقدموا ما يزيد على 150 فيلما, والحرب العالمية الثانية قُدم عنها ما يزيد على 500 فيلم, لأن الحروب الكبيرة يمكن تناولها من أكثر من جانب. ورحمة الله على الصديق عاطف الطيب الذي كانت لديه فكرة جميلة جدا عن الحرب, ولكن لم يمهله القدر لانجازها, عن مجموعة من ضباط الطيران عاصروا هزيمة ,1967 وكان معه في هذا المشروع نور الشريف, وكان الفيلم يبدأ بحياتهم الاجتماعية ويرصد مشاعرهم وأحاسيسهم وضحكاتهم المقطوعة المتوترة وضمائرهم جميعا, فيها جزء مصاب من هزيمة ,1967 وجاءت الحرب لتمثل حزءا من الخلاص للكل وكأنه خلاص الوطن نفسه. اذن الحرب يمكن تناولها من أكثر من زاوية وليس بالضرورة ان يكون الشكل العسكري هو الخاص بالحرب, فكثيرا ما تكون لقطة انسانية معبرة أكثر من معركة. شلة (قرف) أنا الآن أتذكر عاطف الطيب بسبب الفيلم الذي لم يتمكن من انجازه, ولكنه انجز فيلما رائعا اسمه (سواق الاتوبيس) هذا الفيلم يغني عن مئات المعارك الحربية, وقد أعجبني الفيلم جدا, ولكن بشكل خاص أعجبني مشهد نسجه من تجربته بالجيش, مشهد (شلة الآروانة) حين تجمع الاصدقاء في لحظة (قرف) مما يحدث اجتماعيا في الوطن, وللوطن. تجمعوا كي يتذكروا أيام الحق والخير والجمال, أيام الاستشهاد والانتصار في ,1973 مشهد صنع من أبدع ما يمكن, قطعة موسيقية, سيمفونية عذبة, جميلة, لذا أعتبر (سواق الاتوبيس) فيلما عن حرب اكتوبر. وربما يندهش البعض اذا قلت انني أتمنى لو قمت بدور السادات في هذا الفيلم الحلم, لأنه جزء من تكويني ولأنه ببساطة شديدة جزء من ثورة 23 يوليو 1952 التي شكلت كل وجداني وكل حياتي. السادات له فيها جزئية خاصة, فهو رجل من رجالات الثورة التي عشقتها وعشقت رموزها منذ طفولتي, ثم ان أخي واستاذي محمود السعدني عمل معه وبجانبه حين تولى رئاسة تحرير صحيفة الجمهورية وكان صديقا وقريبا منه, وكثيرا ما سمعت عنه, وحين قرأت حياته اكتشفت انها كانت غريبة.. حياة زاخرة بالدراما. دور السادات أقول ذلك رغم ان لي تجربة شخصية في عصر السادات, وهي انني فُصلت من وظيفتي وأخي سُجن في العصر ذاته, وبعد ان سُجن نقلوني الى هيئة الاستعلامات ومُنعت من التمثيل, وبعد ان خرج أخي من السجن رفض النظام اعادته الى عمله, فساح في بلاد الأرض, نفي اختياري لمدة عشر سنوات, وتشردت معه أسرته بالكامل, وبالنسبة لي تم فصلي.. صحيح انه لم ينقطع مرتبي وكان 22 جنيها, لكن كان دخلي الحقيقي كله من التمثيل والسينما, فصدر أمر غير مكتوب.. اشارة بسيطة (ده مش عاوزينه) . فصدر عليّ حكم بالاعدام الفني المعنوي, ورغم ذلك لا يمكن ان أنكر دور السادات في حرب اكتوبر, ومن ينكر دوره يكون انسانا غير طبيعي. أنا أحب عبدالناصر جدا, أعشقه, لأنه أول حاكم مصري يحكم مصر منذ ان سلمت كليوباترا البطلمية مصر الى الرومان. عبدالناصر أول حاكم حقيقي, بل هو أعظم من حكم مصر في تاريخها كله, والسادات امتداد للثورة المصرية برؤيته الخاصة وليس امتدادا لفاروق أو العائلة العلوية!!