عندما شرع الاستاذ يشرح لنا احدى النظريات المستحدثة في اطار الاداء السياسي الديمقراطي, سألته باستغراب: هل هذا الاستاذ ــ صاحب النظرية ــ متخصص في علم السياسة ؟! أجاب الاستاذ: هذا سؤال حسن.. ان صاحب النظرية هو استاذ اقتصاد لا سياسة! ولأنه غريب طارىء على هذا الحقل فقد ابدع فيه وتجاوز معهود النظريات التقليدية. صاحب تلك النظرية هو أنتوني داونز الذي عمل لسنوات طويلة بجامعة هارفارد, كما عمل مستشارا لعدة ادارات امريكية, وهو الآن بالتقاعد, يتأمل تفاعلات الآراء حول نظريته المثيرة. أسواق السياسة بعقلية الاقتصادي التي تتمحور نشاطاتها حول موضوعي الربح والخسارة, نظر داونز الى اسواق السياسة في العالم الديمقراطي, وجاء يقول ان الاحزاب الديمقراطية تصوغ برامجها من اجل ان تنال بها اصوات الناخبين, ان هذا هو الصحيح. وليس صحيحا أبدا القول ان تلك الاحزاب تسعى للفوز في الانتخابات ونيل القوة السياسية, من اجل ان تنفذ سياسات, أو برامج بعينها, تؤمن بها, وتناضل في سبيل تحقيقها, أو لتخدم الشعب, أو طبقات, أو قطاعات معينة منه. انها لا تخدم او لا تنوي ان تخدم احدا الا اذا اعطاها صوته ابتداء. فينبغي تقرير وتأكيد هذه الحقيقة القائلة بأن الدور السياسي للاحزاب في صياغة السياسات وتنفيذها, لا يأتي الا بصورة عرضية, وكنتاج ثانوي لمهمتها الاساسية, وهي البحث عن السلطة والقوة. وهي المهمة التي كان ينبغي ان تكون المهمة الاساسية, ولكنها اصبحت ذيلا للمهمة الشخصية البحتة لقادة الاحزاب, الباحثين عن النفوذ, ومراكز الهيمنة والبروز. عندما يصل هؤلاء الى السلطة فإنهم يتصرفون بنفس الطريقة.. ليس المهم رعاية (المبادىء) ولا تحقيق غايات عليا, ولا حتى التصرف بالطريقة السليمة, انما المهم هو التصرف بطريقة تنفيذ (ما يطلبه الناخبون) والتفاني في تنفيذه حتى ولو كان في خاتمة امره مضرا بالدولة وبالمجتمع.. وهكذا يسعى معظم السياسيين الى تخفيض الضرائب حتى لو كان في ذلك اضرار بالاقتصاد القومي, وهكذا يسعى كثيرون منهم الى اباحة الاجهاض, حتى ولو كانوا من غلاة اليمينيين او المنتمين الى التيار المحافظ, شأن امر بوش الابن الآن وقد يقبلون بالشذوذ الجنسي كأمر واقع, شأن القس والسياسي جيسي جاكسون وربما يسعون لمصادرة برامج الخصم كشأن كلينتون الذي برع في التقاط اي شعار, وتبنيه, كما برع في سرقة سياسات الجمهوريين وتسويقها للناخبين تحت لافتات ديمقراطية؟ اما المثال الافضل من كل اولئك فهو حاكم ألباما الذي مات اخيرا جورج والاس, قدم نفسه للناخبين في 1958 كسياسي معتدل يحمل افكارا متوازنة في المسألة العنصرية, فهو لا يحبذ اضطهاد السود ولا عزلهم, ولكنه لا يقبل ايضا بمساواتهم او دمجهم في مجتمع البيض, وعندما لاحظ ان تلك الآراء لا تنال استحسان الناخبين, بدل قناعاتها بشكل جذري متبنيا أفكارا عنصرية فظيعة لا تقول فقط بتفوق الانسان (الابيض) وانما بانحطاط (الاسود) انحطاطا ابديا لا فكاك عنه على الاطلاق, وصاغ سياسته قائلا: إنني أؤمن بالتفرقة العنصرية اليوم, وأؤمن بها غدا, وأؤمن بها بعد غد وأؤمن بها الى الأبد. وعندما فاز والاس طبق تلك الافكار بحماس طاغ وطغيان متحمس وتحدى قرارات الحكومة الفدرالية بدمج الطلاب البيض والسود في المدارس. فالحكومة الفدرالية لم تكن تستطيع ان تعزله , وانما تستطيع ان تحطم سياسته فقط.. واما الشعب فسيبقى معه ويدعمه في الانتخابات المقبلة, لانه حاول تطبيق ما يؤمن به الشعب. المبدأ الاقتصادي الاول تتصرف الحكومة هنا كمؤسسة تجارية تبيع السياسات لقاء الاصوات الانتخابية وهذا هو الفرق الوحيد بينها وبين رجال الاعمال الذين يبيعون سلعا لقاء المال. وفيما عدا ذلك الحكومة تخوض نفس المنافسات التسويقية, وهي في هذه الحالة تتنافس مع احزاب المعارضة الساعية لزحزحتها واحتلال مقاعدها في السلطة ولكن الحكومة تكون دائما اقوى من المعارضة, اذ ان لها سلطات تبدو وكأنها بغير منتهى, فهي تستطيع ان تتصرف في الاموال العامة والقوة العسكرية والبيروقراطية كما تستطيع ان تثيب وتعاقب فهي في وضع مريح جدا ولا يقلقها فيه إلا شيء واحد هو انها لا تستطيع ان تكبت حركة المعارضة, ولا ان تحل الاحزاب, او تحدد نشاطها, او تمنعها من السعي الجاد للوصول الى السلطة. تتصرف حكومات الديمقراطيات الغربية, كما تتصرف جهات المعارضة فيها, بمنهج اقتصادي سليم هو فرع من المبدأ الاقتصادي الاصولي او بديهية الاقتصاد الكبرى القائلة بأن اي انسان يتصرف من اجل تحقيق مصالحه الشخصية, وهذا امر كان حريا بعلماء الاقتصاد ان يكونوا اول من اكتشفوه ولكنهم مع ذلك ظلوا يفترضون ان الحكومات الديمقراطية في الغرب تقوم على تحقيق مبادىء عليا وبرامج تفصيلية خاضت على هداها الانتخابات وفازت وستبقى لعدة سنوات تناضل من اجل تمثيلها في الواقع. هذا الخطأ في الفهم مسؤول عن عدم جدوى كثير من الاستشارات والتوصيات التي يتقدم بها خبراء الاقتصاد الى السياسيين... خبراء الاقتصاد (مثاليون) مغرقون في المثالية الحرفية, التي قد يقتضيها العلم.. اما السياسيون الغربيون, فهم دهاة واقعيون.. لا يقبلون بالصحيح من تلك السياسات, وإنما بالمطلوب منها والمرغوب والمتلائم مع الحاجات العاجلة للناخبين, وبعبارة أوجز: ما يمكن ترجمته الى أصوات في أقرب انتخابات! ولأن السياسيين لن ينفكوا عن حاجاتهم لاستشارة رجال الاقتصاد, فجب على رجال الاقتصاد ان يكونوا في الصورة حتى يدلوا بآرائهم على هدى الحاجة الحقيقة للحكام والناخبين, وان يتخلوا لأجل ذلك عن مثاليات علم الاقتصاد وليتبعوا عوضا عن ذلك بديهيته الكبرى ويطبقونها ولو بشكل مقلوب, فذلك هو عين المطلوب! الرجعية الجديدة نظرية دوانز تمثل ولا شك مدخلا جيدا لفهم السياسة, وبالطبع فقد بسّطنا عرض النظرية كثيرا, فتعقيداتها لا تلزم في هذا المجال. أما الاستخلاص الأكبر منها فهو المهم.. ليست الديمقراطيات الغربية هي حكومات المبادىء, وإنما حكومات المصالح, مصالح الحكام, ومصالح الشعوب (العاجلة). أما المثل العليا فقد تصبح ضمن تلك المصالح إن كانت قابلة للبيع, في مقابل قبض الثمن: وهو الأصوات الانتخابية. كان رائد الفكر السياسي الانساني (أفلاطون) يحتقر الديمقراطية لهذا السبب, فهي في نظره حكم (الرعاع) .. و(الدهماء) هم الذين يحكمون (الحكام) هنا, ويوجهونهم, و(العوام) ــ حتى لو كانوا في ظل الحضارة الغربية الحديثة ــ لا يتمتعون ببعد النظر, ولا برعاية المبادىء العليا وعوالم الافكار والمثل, التي كان افلاطون ــ وكذا أستاذه سقراط, وتلميذه أرسطو ــ يرونها أكثر حقيقة من عوالم المعاينة, أو عوالم الحقيقة المشاهدة. ان الحكم ينبغي ان يذهب للأعقل, فهذا هو الذي يقود الجماهير نحو الأصلح. أما السعي في ارضاء حاجات الجماهير ومطالبها, مهما كانت, فهو ركوب للطريق الطويل الذي ينتهي عادة بافساد الشعب, وافساد نظام الحكم. وقد رسم أفلاطون في (جمهوريته) صورة فكاهية ضاحكة لاستشراء فوضى الشعب الناتجة عن مغالاته في حرياته ومطالبه, قائلا انها ستُعْدِي حتى الحيوانات (فترى الكلاب مدللة مثل أصحابها, وترى الخيول والحمير وقد انتقلت اليها عادة السير في الطرقات سيرا طليقا, حيث تصدم كل ما لا يفسح لها الطريق) ثم ما يلبث ان يرسم عقب ذلك صورة تراجيدية قاتمة لمأساة الشعب في ظل الديمقراطية التي تنتهي الى فوضى وحكم طاغوتي. المصير المظلم تهافت حكام الغرب في استرضاء الجماهير أدى أخيرا الى ان تتشابه برامج الاحزاب, والى ان تتشابه الاحزاب نفسها, الى الحد الذي أعيا الناخبين ان يميزوا بينها, وهذا هو أبرز أسباب تقاعس الجماهير عن التصويت, فلماذا يعطي الناخب صوته لهذا الحزب ويحجبه عن ذاك طالما انهما متشابهان, وطالما ان الفائز منهما ــ أياً كان ــ سيسعى قدر الامكان الى تنفيذ مطالبه ورغباته. كان المنظّرون الليبراليون يتفاخرون بأن أبرز خصائص الثقافة السياسية للمجتمعات الديمقراطية, هي نزعة مواطنيها نحو المشاركة السياسية, وأهم ملامح تلك النزعة هي المشاركة في الانتخابات, ولكن الانتخابات الامريكية لم تعد تستقطب الا نحو نصف عدد من يحق لهم التصويت, ومن المنتظر ان تتناقص تلك النسبة باطراد, ونفس الظاهرة تتفاقم في ديمقراطيات أوروبا الغربية. ها هي التجربة الديمقراطية الغربية تنجرُّ رويدا رويدا الى مصير مظلم شبيه بما تنبأ به الفيلسوف النافذ أفلاطون, ولن تتوازن تلك التجربة, أو تستقر حتى تكفكف قليلا من غلواء تهافتها في استرضاء الناخبين, وحتى تعطي اعتبارا كافيا لعالم المثل والقيم الكبرى التي كان ينادي بها افلاطون, أو تلك التي نادت بها أديان السماء.. وهي أجدى وأسدى.