تعرف القارة الافريقية بثرائها الاقتصادي, لكنها ايضا عالم مفعم بالحيوية والغنى الحضاري والتنوع الاثنى واللغوي والديني والاجتماعي والسياسي, ومع ذلك, يمكن التعرض للموقف السياسي الافريقي العام تجاه الصراع الصهيوني العربي دون ان يضل التحليل طريقة, ففي داخل هذا التنوع, ثمة ما يجمع الافارقة ويبرر مقاربة رؤاهم من منظور واحد, وليست منظمة الوحدة الافريقية سوى احد الهياكل والبنى التي انتجها العقل الجمعي الافريقي, كتعبير عن الوحدة والتنوع في الوقت ذاته. وفي ادبيات طرفي الصراع ما يؤكد حدس العرب والصهاينة بحكمة التعامل مع الافارقة من منطلق النظرة الشاملة, فقد تحدث الزعيم (عبدالناصر) عن الدائرة الافريقية كواحدة من دوائر تحرك السياسة المصرية التي يفترض ان تحظى بأولوية, كان ذلك في كتابه عن (فلسفة الثورة) عام 1954. لكن القطب الصهيوني) (بن جوريون) عالج بدوره الدائرة ذاتها قبل ذلك ببضع سنين, حين اصدر توجيهاته باحتلال النقب والاستيلاء على مرفأ ام رشرش, المعروف لاحقا بايلات عام 1949, معللا ذلك بأن كيان اسرائيل يتوقف على تلك النقطة, حيث ان مستقبلها منوط بعلاقاتها الاقتصادية مع بلاد افريقيا واسيا) . هذا الوعي المبكر بأهمية افريقيا من منطلقات متباينة, انشأ مزاحمة وتدافعا متعدد الابعاد عليها بين العرب والصهاينة وقد شاركت في هذه المزاحمة كل الادوات الظاهرة والخفية المستخدمة في دنيا العلاقات الدولية, الدبلوماسية التجارة والمال والمعونات, والاعلام والدعاية, واستدعاء التاريخ وحملات الدعوة.. الخ. وشاركت في هذا السياق قوى دولية ومنظومات فكرية من الشرق والغرب, وانتقلت اصداء ذلك التدافع وترددت في جنبات اروقة شديدة الاختلاف والتأثير, داخل القارة وخارجها. اهتمام مبكر والملفت ان اطراف الصراع الصهيوني العربي المباشرين ومحازبيهم عن قرب او من بعيد, ادركوا موقع افريقيا وضرورة كسب مناصرتها, قبل ان تدرك القارة لاسيما جنوب الصحراء الكبرى, ابعاد هذا الصراع وتتفهم مساره وتداعياته على نحو أو اخر, فيما عدا نفر قليل في اقصى جنوب القارة. فحين اخذ الصراع مسماه الشهير, كصراع عربي اسرائيلي غداة حرب 1948 , كانت معظم شعوب افريقيا في حال سياسي لايسمح لها بقول كلمتها او حتى اسماعها بصدده. الدول الافريقية لم تتعامل مع هذا الصراع منذ يومه الاول, بسبب استقلالها المحجوب بفعل الاستعمار الغربي. لقد كان عدد الدول المؤسسة منها للامم المتحدة ثلاث فقط: مصر وليبيريا واثيوبيا (الحبشة), وعندما جرى التصويت على قرار تقسيم فلسطين (1947) اتخذت هذه الدول ثلاثة مواقف, اذ رفضته مصر وايدته ليبيريا وامتنعت اثيوبيا عن التصويت, وهكذا فانه بمجرد ان فتحت افريقيا غير العربية عينيها على الصراع, لم تكن كما قد يتصور البعض ظهيرا تلقائيا للحقوق والمواقف العربية, وفي تلك اللحظة, التقطت الصهيونية ثم اسرائيل عاجلا, الشارة الخضراء وراحتا تتغلغلان بسرعة مدهشة في تضاعيف القارة. وحين نستعرض الآن مداخل ذلك التغلغل, نجد ان اسرائيل لم تستثن اي اداة تلمست عوائدها السياسية والاقتصادية الا وامتطتها بشيء واضح من الجدارة, خاصة في مرحلة شبه الغياب العربي عن الساحة الافريقية بعد هزيمة 1948 بسنوات قلائل. وللحقيقة, كان ابرز تلك المداخل, الدعم الاستعماري المباشر, فقد سهلت الدول الغربية المستعمرة لربوع القارة باكملها تقريبا حركة المؤسسات الصهيونية على الاراضي الافريقية وبين شعوبها, وساهمت في الوقت نفسه في اعاقة النشاط العربي المضاد ما امكن ذلك, بل انها اوصلت كلمة الصهيونية واسرائيل ورؤيتهما للصراع في فلسطين وجوارها ولمعت صورة الدولة اليهودية بعد نشأتها, فيما شوهت الصورة العربية وألحقت بالطرف العربي اقذع الاوصاف, في ذلك الاطار, صارت اسرائيل احد منجزات (حركة التحرر الصهيونية) وظهر العرب كأحفاد لتجار الرقيق في افريقيا, وتم تقديم اسرائيل كدولة تعاني كالافارقة من التمييز, فالعرب يمارسون التمييز ضد اليهود كما يعاني الافارقة من التمييز على اساس اللون!! وقيل ايضا, ان اسرائيل دولة ديمقراطية تنتمي للعالم الثالث وتهتم بأمره وبتنمية افريقيا, وان يهود افريقيا المهاجرين اليها وكانوا قرابة 300 ألف عام 1967 ــ هم جسر يصل ما بين حضارة افريقيا السوداء التي يهملها العرب و(الحضارة اليهودية) التي اشعت في كل مكان تواجد فيه اليهود. وليس ادل على دور المستعمر الغربي من تمهيد المناخ للتتسلل الاسرائيلي الى افريقيا, مما ذكره (جوموكينياتا) عام 1964 حول (امتنانه لاسرائيل التي دربت طياري كينيا سرا بمساعدة بريطانيا) . الغياب العربي على ان المساعدة الغربية وحدها ما كانت كافية لتحقيق المآرب الاسرائيلية والمنافسة بكفاءة على ساحة كانت وماتزال بمثابة جوار حضاري وتاريخي بالنسبة للعرب, تجمعهم مع ابنائها قواسم مشتركة كثيرة في طليعتها الدين (الاسلام). لقد التقطت اسرائيل طرف الخيط, وبادرت بتفهم حاجات افريقيا وانتهجت لنفسها طريقا الى قلب القارة, وذلك ــ باختصار ــ عبر: المساعدات المالية والاقتصادية. الصلات الثقافية والنقابية. التعاون العسكري والاستخباراتي. الاهتمام بتبادل البعثات التمثيلية (بحلول 1967 كان لاسرائيل تمثيلا على مستوى سفارة مع 19 دولة افريقية وعلى مستوى مفوضية او قنصلية مع معظم دول افريقية الاخرى غير العربية). استقبال الكوادر الفنية والطلابية والبعثات التدريبية في كافة المجالات وتوجيه الدعوات الى هذه الكوادر. التبادل التجاري, وتوجيه الاستثمارات الى الرحاب الافريقية. يلاحظ ان هذا النشاط الاسرائيلي المكثف اوشك ان يؤتي اكله بالكامل على الصعيد الافريقي عشية عدوان اسرائيل على العرب عام 1967, ساعد في ذلك غفلة او غياب الدبلوماسية العربية والنشاط العربي المضاد رغم ان ثلثي العالم العربي يمثل دائرة تقاطع مع افريقيا وكذا في سياق انتفاء الجهود العربية الافريقية للتواصل والتنسيق الاقليمي الجماعي, وتسيد الاعلام والدعاية الصهيونية على نطاق عالمي لم تكن افريقيا استثناء منه. وهكذا احتاج احداث التحول لصالح وجهة النظر, العربية في الصراع مع اسرائيل, الى جهد بالغ ومواجهة حقائق عيانية جديدة فارقة. وقد ظهر حصاد هذه المستجدات بوضوح بعيد عدوان 1967, بأن راحت الدول الافريقية تصوت بصفة مستمرة ضد اسرائيل في الامم المتحدة وتشجبها كدولة عدوانية, وفي غضون الفترة ما بين 1967 و1973 (حرب اكتوبر), بدا وكأن صحوة كبرى انتابت العالم الافريقي ضد الصهيونية واسرائيل, فقد تقطعت وشائج الصلة الافريقية الاسرائيلية وراحت اسرائيل تخسر مواقعها الافريقية بتواتر مذهل, بلغ اوجه بعيد حرب اكتوبر وتبنت القارة عبر اطرها الجماعية المواقف العربية والفلسطينية ذاتها تقريبا. وبالطبع, لايمكن تجاهل اثر التضامن العربي والاهتمام بدور القارة وحاجاتها, في احداث ذلك التحول, وبالقدر نفسه, ينبغي الاعتراف بأن افول الائتلاف العربي ووقوع العرب في دائرة التنازع والتنابذ, وصولا الى الاقتتال, وتراجع الانشغال بافريقيا (وبغيرها على الصعيد الدولي), هذه الهنات, اعادت الروح الى النشاط الاسرائيلي في رحاب القارة. ولعله من الموضوعية, ان نشير الى تداعيات مسار التسويات العربية الاسرائيلية على السياسة الافريقية تجاه الصراع.. فمن السذاجة ان يتصور البعض تقيد افريقيا بسياسة عزل اسرائيل, فيما يتقاطر العرب تباعا الى الصلة بها بشكل او بآخر وقد يكون لمعاهدة السلام المصرية ــ الاسرائيلية, قصب السبق في زوال تلك السياسة باعتبارها اعادت لمصر الافريقية ارضها المحتلة. والآن تعود اسرائيل الى افريقيا وهي قليلة العناية باستمرار السياسة العدوانية الاسرائيلية على الاراضي العربية, ولكن هناك ماهو ادعى لقلق العرب عموما وعرب افريقيا بخاصة.. انه احتمال اقرار وتعميد تحالفات اسرائيلية متعددة الاهداف مع اطراف افريقية, تساهم حقيقة وعمليا في شد اطراف النظام العربي من الجوار الافريقي.. الامر الذي يحتاج لتأملات عربية معمقة. كاتب وباحث فلسطيني مقيم في القاهرة