لم تشهد قارة في العالم حجم الصراعات الدموية الدائرة في القارة الافريقية, فأكثر من 12 دولة افريقية تشهد حروبا وقلاقل سواء على مستوى الجوار او على المستوى الداخلي , والحروب والانقلابات العسكرية التي تهز معظم البلدان الافريقية تحركها في الغالب ايد ومصالح دول كبرى غربية, تلك الدول التي كانت تستعمر افريقيا على مدى عقود طويلة استنزفت منها ما استنزفت, وعندما رحلت خلفت وراءها اشواكا تفجر الصراعات وتسيل الدماء الافريقية من خلال نزاعات الحدود او الطوائف, وتنافس القوى الكبرى على افريقيا وكنوزها لم ينته بعد وان كان قد اتخذ اشكالا متطورة لاستعمار اقتصادي بدلا من الاستعمار السياسي والعسكري, والشعوب الافريقية تدفع ثمن مخلفات الاستعمار وثمن التنافس الجديد, وثمن صراع القادة الافارقة وتفضيلهم الوسائل العسكرية على السياسية والدبلوماسية لحل المشاكل والخلافات سواء الداخلية او الثنائية. (الملف) حاور الدكتور محمد بوجابي استاذ القانون بمنظمة حقوق الانسان الصومالية في هولندا حول افريقيا.. الصراع والمستقبل وكانت البداية حول صراعات القارة الافريقية وامكانية وجود آمال لوضع نهاية لها فيقول : ـ لا يمكن ان نعلق آمالا كبرى على انتهاء الصراعات داخل افريقيا لعدة اسباب تتمثل في: ـ وجود ارث استعماري قديم لدى هذه الدول الافريقية متمثل في ترك خلافات على الحدود بين دول الجوار لتفجير ازمات دائمة بين البلدان الافريقية. ـ وجود خلافات طائفية وقبلية داخل معظم البلدان الافريقية, وتترجم هذه الخلافات في استحواذ فئة قليلة على الثروات والخدمات وترك فئات اخرى تعاني الفقر والجوع وهو مخلف لعب الاستعمار دورا كبيرا في تمييزه بين مناطق دون اخرى في دوله الاستعمارية او تمييزه لقبائل او طوائف دون اخرى وفقا لما كانت عليه مصالحه. ـ افتقار نسبة كبيرة من القادة الافارقة الى الخبرة السياسية, وتمسكهم بالاسلوب الديكتاتوري في السياسة رغم ادعاءات الانفتاح على الديمقراطية والتعددية الحزبية, إلا ان الواقع يقول ان معظم الدول الافريقية لا تزال تفتقر الى شكل سياسي سليم يمكن ان يعبر بهذه البلدان الى السلام السياسي الداخلي ويجعل جميع فئات او طوائف الشعب تشارك في النظام السياسي. ـ التزام معظم القادة الافارقة بسياسة التدخل في شؤون الغير, وافتقادهم للحيادية في التعامل مع الازمات التي تنشأ مع او داخل دول الجوار ويتمثل التحيز في ارسال قوات عسكرية للمشاركة مع دولة ضد اخرى, الامر الذي يجعل خطوط الصراع متشابكة داخل القارة الافريقية وتزداد تعقيدا. ـ تحول منظمات اقليمية اقتصادية بأفريقيا الى الدور الامني, متخطية بذلك دورها الذي انشئت من اجله على غرار منظمتي (ايكواس) و(سادك) فكل منهما اعطت لنفسها الحق في التدخل الامني في جنوب افريقيا وغربها لفرض حلول عسكرية للمشاكل الدائرة بهذه المناطق. ومع كل هذه الاسباب يبدو الامل ضعيفا في انتهاء الصراعات الافريقية وان كنا لا نزال نأمل كأفارقة في استقرار تلك القارة التي ذاقت الويلات على ايدي المستعمر القديم والآن على ايدي ابنائها وهذا يلزمه تقديم تضحيات كبيرة من ابناء القارة الافريقية, ولعب منظمة الوحدة الافريقية لدور اكثر فعالية, وتدخل دول حيادية للوساطة في هذه الصراعات, دول ليس لها مصالح او مآرب استعمارية جديدة في القارة, وان يقتنع القادة الافارقة ان الحل للاستقرار يجب ان يأتي اولا من الداخل وليس بفرض حلول من الخارج, اذ يجب التخلي عن لغة التفاهم بالسلاح في حل المشاكل السياسية. فرصة امريكية * ما هو اثر تنافس الدول الكبرى على القارة الافريقية على المستوى السياسي والاقتصادي؟ ـ لو حاولنا رصد تنافس الدول الكبرى سنجد ان امريكا هي الواضحة الآن في الواجهة, بينما يتقهقر الدور الفرنسي في القارة الافريقية, ففرنسا لم تعد لديها القدرة ـ وفقا لظروفها الاقتصادية التي تضطرها الى النظر لشؤونها الداخلية للوفاء بالتزاماتها مع الاتحاد الاوروبي ـ لان تدفع ثمن بقاء نفوذها في مستعمراتها الناطقة بالفرنسية, ولذك كان انسحابها طواعية, ولم يعد لها نفوذ يذكر إلا في السنغال, وكانت هذه فرصة للتواجد الامريكي الذي تأخر كثيرا من وجهة النظر الامريكية. فقد نجحت امريكا في ايجاد نفوذ لها في معظم مناطق العالم, بدءا من امريكا الجنوبية والوسطى, مرورا بآسيا والشرق الاوسط, والآن في اوروبا الشرقية, وقد حانت فرصتها الآن في افريقيا بانسحاب النفوذ العسكري الفرنسي من هذه الدول, خاصة وان هزيمة النفوذ الفرنسي قد توجت مؤخرا بازاحة لوران كابيلا ـ الامريكي الصنع ـ لموبوتو ـ صنيعة الفرنسيين ـ في الكونغو, وامريكا بدخولها الدول الافريقية تحاول ان تمحو كل اثر للوجود الفرنسي بما في ذلك اللغة الفرنسية التي تعد الاولى في الدول التي كانت تحت سيطرة النفوذ الفرنسي, واستبدالها بالانجليزية او ادخال الانجليزية معها على التوازي. اما اثر التنافس فقد اعلن بيل كلينتون منذ تصريحه باشارة بدء دخول امريكا الى افريقيا ان هدفه هو الرقي بافريقيا وبتطوير الديمقراطية, وهي كلمات تبدو رنانة وذات سحر قوي, خاصة اذا علمنا ان دول افريقيا تعاني من ديون تزيد على 225 مليار دولار لدول العالم والصندوق والبنك الدوليين, وهي ديون تتزايد معظمها في الفوائد مع مرور الوقت, وتضع هذه الدول الافريقية داخل دائرة مغلقة لا تمكنها من النمو بصورة سريعة او حتى طبيعية لانها تخضع في كثير من امورها الاقتصادية لشروط المؤسسات الدولية الدائنة, واذا كانت امريكا قد تعهدت باسقاط نسبة كبيرة من ديون افريقيا لها, فإن هذه الديون في الواقع تمثل نسبة ضئيلة من اجمالي حجم الديون اذ لا تزيد عن 4.6 مليارات دولار, وامريكا ستأخد مقابل اسقاط هذه الديون اكثر مما تعطى فسيكون لها اولوية النفوذ الاقتصادي والاستثمار في القارة البكر, وستنجح في تحويل شعوب هذه الدول الى شعوب استهلاكية تعتمد على السوبر ماركت, كما فعلت في العديد من بلدان العالم وفي مقدمتها الدول العربية والشرق الاوسط, ولن يكون التدخل الامريكي من وجهة نظري في مصلحة المواطن الافريقي البسيط, ولن يساهم بصورة ملحوظة في نموه او رقيه فامريكا تدخل افريقيا بشكل متطور للاستعمار الحديث وهذا كل شيء. اما على المستوى السياسي, فإن مزاعم امريكا هي العناية بتطوير الديمقراطية في افريقيا فأية ديمقراطية سيتم تطويرها في شعوب فقيرة جائعة مديونة قادتها يقترضون للدخول في حروب مسلحة؟ وتفتقد سياسة معظم هذه الدول خاصة في افريقيا السوداء لابسط الاسس السياسية, رغم ادعاءات التحول السياسي من نظام الحزب الواحد الى التعددية الحزبية. إلا ان المحور الاساسي لسياسة دولة تعتمد على حقوق التعددية الحزبية والمشاركة السياسية لا تزال بمنأى عن جوهر هذه البلدان. وامريكا تتشدق بتبنيها الانسان الافريقي اقتصادا وديمقراطية لكن تخفي وراء ذلك اطماعها الاقتصادية في ثروات القارة المكنونة, كما تخفي اهدافها السياسية للتدخل في شؤون البلدان الافريقية على ادق مستوى يمس سيادة معظم بلدان هذه الدول, ولنا في ذلك امثلة عديدة على غرار تدخلها في تنصيب كابيلا ومساندته وفي تنصيب بول كاجامي في رواندا بجانب تدخلاتها في شؤون جنوب افريقيا والسنغال وغانا وغيرها من الدول الافريقية ولا يمكن ان نغفل في حديثنا هذا التنافس الخارجي على افريقيا, حيث ان القرن الافريقي على وجه الخصوص كان ولا يزال محط اطماع الغرب منذ عصر البرتغاليين, مرورا بالاتراك والايطاليين والانجليز, واخيرا الادارة الامريكية التي بدأت تغرس انيابها بعد الرحيل العسكري للفرانكفونية الفرنسية ـ على الرغم من استمرار المصالح الاقتصادية الفرنسية بالمنطقة. ولعل قضية الصراع الاثيوبي الاريتري الآن تلعب فيه اسرائيل ـ تدفعها امريكا ـ دورا كبيرا, وذلك بدءا من تاريخها الاسود هي وامريكا ووقوف الاخيرة بجانب الامبراطورية الاثيوبية لضرب حركة التحرر الاريتري ـ وهي الآن تربطها باريتريا علاقات وثيقة ومصالح تجارية كبيرة ـ وغرسها لقاعدة عسكرية بعد ذلك في اسمرا باريتريا نفسها لضرب حركات التحرر الافريقي, وكذلك اخماد الحركات العربية القومية, وقد تراجعت امريكا من المنطقة وتم تصفية القاعدة العسكرية بعد انهيار الامبراطورية الاثيوبية وظهور التحالف العسكري مع الاتحاد السوفييتي, غير ان الوضع عاد الى القبضة الامريكية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وزاد التمكن الآن بالانسحاب الفرنسي من المنطقة الافريقية عسكريا على الرغم من استمرار بعض القواعد العسكرية الفرنسية في جيبوتي وافريقيا الوسطى. غياب الفاعلية * وما هو دور منظمة الوحدة الافريقية في حسم هذه الصراعات والآفاق المستقبلية لهذا الدور؟ ـ النجاحات التي حققتها منظمة الوحدة الافريقية نجاحات محدودة منذ نشأت في 25 مايو 1963 وحتى نكون منصفين فإن المنطقة تبذل من خلال اعضائها جهودا ملموسة لحل الصراعات الافريقية ولكنها تفشل في الغالب لان القادة الافارقة انفسهم يفضلون اللجوء للحول العسكرية لحل المشاكل السياسية على مستوى الجوار والتي تنشب غالبا بسبب خلافات على الحدود حيث ان معظم الدول الافريقية رغم مرور اكثر من ثلاثة عقود على استقلالها وتحررها من الاستعمار إلا ان حدود الكثير من البلدان لم تتحدد حتى الآن, ولاتزال شوكة للصراع بين دول الجوار الافريقي وبصفة خاصة في القرن الافريقي. فالاستعمار هو الذي خلف وراءه صراعا حدوديا بين مصر والسودان, اثيوبيا والصومال, واثيوبيا واريتريا, انجولا وسيراليون, والصراع الحدودي مع جيبوتي, كما يفضل القادة الافارقة السلاح ايضا في حل النزاعات للمشاكل الداخلية سواء القبلية او الطائفية او الدينية, كما هو الحال بين طائفتي التوتسي والهوتو في رواندا, وبين الجنوب والشمال في السودان, وكما حدث في الكونغو. ومما يؤسف له ان منظمة الوحدة الافريقية رغم جهودها إلا انها تفتقر للآليات التي تؤهلها لان تكون ملزمة بقرارات فعالة بتوجيهاتها ومطالبها وليس مجرد توصيات تصدرها على ورق ليس لها قوة تساندها في بلدين او اكثر او حتى القبلية في البلد الافريقي الواحد, فلم تنجح المنظمة في التصدي وحل الصراع القبلي في الصومال, والذي ادى لانهيار الدولة الصومالية الموحدة واختفاء تمثيلها الدولي الواحد منذ اكثر من 27 عاما, او في حل الصراع الصومالي الاثيوبي على الحدود, وفي الصراع الرواندي بين قبائل الهوتو, ووقفت عاجزة امام المذابح والصراعات الدموية في انجولا وسيراليون وفشلت في اكبر اختبار لها بحماية السودان من الانقسام الى شمال وجنوب, والذي يعد اكبر قطر افريقي, كما فشلت في التصدي للعقوبات المفروضة على السودان. بل عجزت عن حماية الدول الافريقية من قرارات العقوبات الدولية الاقتصادية التي تطبق عليها واحدة تلو الاخرى, فلم تنجح في التصدى لقرار الحصار الجوي المفروض على ليبيا, ولم تنجح في التصدي لقرار امريكا بضرب ليبيا عام 86 وهو الامر الذي دفع العقيد القذافي في حينه لمقاطعة مؤتمرات المنظمة منذ عام 86 بسبب عدم المساندة من قبل الدول الافريقية كما قاطع الملك الحسن عاهل المغرب ايضا اعمال مؤتمرات المنظمة منذ عام 85 احتجاجا على تأييد المنظمة لقرار استقلال الجمهورية الصحراوية والتي تعتبرها المغرب جزءا من اراضيها, ومؤخرا عندما واجهت المنظمة الاختبار الصعب الذي فجرته اريتريا واثيوبيا, وحاولت ان تخرج عن سلبيتها وحدود التوصيات للمرة الاولى بقيام فريق من لجنة فض النزاعات لزيارة منطقة النزاع وبحث حل المشكلة بصورة سلمية غير ان المشكلة لا تزال قائمة ولا تحسم بصورة نهائية حتى وان اتسمت حينا بالهدنة لا بالهدوء. واعتقد ان منظمة الوحدة الافريقية تحتاج الى تطوير آلياتها لتكون ذات صبغة فعالة ومؤثرة ولها قوة ردع وثواب وعقاب لحل المشاكل بين الدول الافريقية, وألا يقتصر نشاطها على ذلك المؤتمر السنوي للاجتماع ومناقشة القضايا الافريقية واصدار توصيات بشأنها لان المحصلة الواضحة حتى الآن لتلك المنظمة هي فشلها في لم الشمل الافريقي. مراسل (البيان) في لاهاي