خلال شهر مارس الماضي شهدت العاصمة الأمريكية المؤتمر الوزاري الأفريقي الأول والذي عقد بمقر وزارة الخارجية تحت شعار (شراكة للقرن الحادي والعشرين) وشارك فيه 83 وزيراً للخارجية والمالية والتجارة من 46 دولة أفريقية جنوب الصحراء وممثلو أربع دول عربية من الشمال الأفريقي. وقد جاء انعقاد هذا المؤتمر انعكاساً للتنافس الأمريكي الفرنسي للفوز بوجود أكبر في الأسواق الأفريقية, وتكثيف النفوذ السياسي في افريقيا, وهو التنافس الذي بدأ يأخذ اتجاها واضحاً منذ عام 1996 وأكدته تصريحات المسؤولين في الادارتين الأمريكية والفرنسية خلال الفترة الماضية, وهي التصريحات التي يؤكد البلدان من خلالها على الفوز بنصيب الأسد في الأسواق الأفريقية, باعتبارها سوقاً واعدة قوامها 700 مليون مستهلك يمثلون خمس سكان العالم. واستندت الدولتان في سياستهما الجديدة تجاه افريقيا على تقديم المساعدات الاقتصادية, واقتراح صيغ محددة للتعاون تمكن الاقتصاد الافريقي من المشاركة الفعالة في الاقتصاد العالمي, وكذلك السعي الى احلال الاستقرار والأمن في افريقيا من خلال انهاء المنازعات الافريقية المختلفة. وتشير دراسة حديثة استندت الى ثلاثة تقارير هامة, هي التقرير السنوى لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) عقد بالقاهرة العام الماضي, وتقرير البنك الدولي 98ــ,99 وتقرير اللجنة الاقتصادية لأفريقيا عن الوضع الاقتصادي عقد بالقاهرة في ابريل ,98 الى ان القارة الافريقية لم تكن بمنأى عن الأحداث والمتغيرات التي شهدها العالم خلال نصف القرن الماضي, كما أنها كانت مسرحاً لبعض هذه الأحداث منذ أن برز الاهتمام الدولي بها إبان فترة الخمسينات والستينات الميلادية, وحتى مرحلة التنافس الدولي على القارة وخاصة من جانب كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. فبالنسبة للسياسة الأمريكية في افريقيا من الثابت تاريخيا ان العلاقات بين الجانبين بدأت مع الحركات التحررية التي بدأت تظهر في القارة أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من اجل الحصول على الاستقلال. وبمرور الوقت أصبحت هناك عوامل ثابتة تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وأفريقيا أهمها العامل العددي, حيث اصبحت الدول الأفريقية تشكل حوالي ثلث مجموع أعضاء الأمم المتحدة وبالتالي فهي كتلة هامة في التصويت, أيضا افريقيا تعد مستودعاً هاماً للمعادن التي تمثل تنافساً غربياً عليها منذ استقلال الدول الأفريقية, ودخلت الولايات المتحدة حلبة المنافسة للحصول على البترول الخام من نيجيريا وانجولا والكاميرون, وعلى المعادن اللازمة لصناعتها من الجابون وجنوب افريقيا وزيمبابوي وزائير وزامبيا, كما تعد افريقيا سوقاً كبيراً لتصريف المنتجات الأفريقية. ولقد وفرت المتغيرات الدولية التي بدأت تظهر في منتصف الثمانينات وأوائل التسعينات مثل انهيار الاتحاد السوفييتي, وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في العالم, واتجاه فرنسا الى اعادة رسم اولويات استراتيجيتها لصالح البناء الأوروبي, ومن ثم اهمالها لسياسة فرنسية جديدة في افريقيا.. هذه المتغيرات الدولية وفرت مفاهيم سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية جديدة, وعززت بشكل مباشر من فرص التغلغل الأمريكي في افريقيا, وتطورت العلاقات بين الطرفين وبدأ الحديث عن شراكة أمريكية مع الدول الأفريقية وتعاون في جميع المجالات ومنها المجال الأمني. علاقات قديمة على الجانب الآخر تحتفظ فرنسا بعلاقات متميزة تقليدية قديمة مع أفريقيا منذ فترة الستينات وما قبلها, وتتمتع بنفوذ سياسي وعسكري في منطقة الغرب الأفريقي وبعض المناطق الاستراتيجية في شرق القارة, وتنظر فرنسا الى افريقيا على انها شريك تجاري طبيعي وقوة اقتصادية صاعدة لم تستغل بعد, كما تعد فرنسا على رأس الدول المانحة لأفريقيا حيث بلغت قيمة المساعدات الفرنسية لأفريقيا عام 1997 حوالي 7.18 مليار فرنك فرنسي أي ما يعادل 49% من مجمل المساعدات الفرنسية الخارجية. وقد شهدت العلاقات الفرنسية الافريقية خلال الفترة الحالية لحكم الرئيس جاك شيراك تحولاً كبيراً, يقوم على اعطاء دفعة للعلاقات الفرنسية الافريقية والانفتاح على العلاقات المتميزة التقليدية بين فرنسا وافريقيا الفرانكفونية والانفتاح على السوق الاستهلاكية الافريقية, وتحقيق مبدأ المنفعة المتبادلة في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين, ومبدأ الانتقائية في منح المساعدات الثنائية. ومعروف ان فرنسا لديها عدة قواعد عسكرية في كل من ساحل العاج والسنغال والجابون وتشاد وجيبوتي وأفريقيا الوسطى.. وقد جاء هذا التحول الايجابي في السياسة الفرنسية تجاه القارة الافريقية كمحاولة للحد من التراجع الذي شهدته السياسة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة فيما يتعلق بالقارة السمراء, وذلك بسبب عجزها عن مواجهة التزايد في النفوذ الأمريكي الجديد في القارة, حيث نجحت الولايات المتحدة في اقرار استراتيجية التعامل مع الدول الافريقية التي كانت تتمتع بدعم فرنسي, تقوم على أهداف عسكرية وسياسية مرسومة بدقة في حين كانت فرنسا تتعامل مع هذه الدول على أساس الارث الاستعماري القديم بكل تجلياته الفكرية والسياسية, وأيضا جاء التراجع الفرنسي بسبب ترحيب الافارقة ضمنيا بالأمريكيين على حساب كرههم للفرنسيين الذين ارتبطت أفعالهم بأسماء رموز الحكم السابقين من أمثال موبوتو سيسيكو في زائير وليسوبا في الكونغو برازافيل وغيرهم. وكان الخطأ الأكبر الذي ارتكبته فرنسا هو قيامها بتخفيض قيمة الفرنك الفرنسي بنسبة 50% الأمر الذي أحدث أزمات كبيرة في اقتصاديات الدول الافريقية المرتبطة بالفرنك الفرنسي, وكان من نتيجة ذلك رحيل مبكر لفرنسا عن بعض الأنشطة الاقتصادية في أفريقيا, في الوقت الذي قدمت فيه الولايات المتحدة مشروعها للشراكة الاقتصادية مع دول القارة. تجمع سياسي عالمي وتوضح الدراسة انه نظراً للشعور الفرنسي بالخطر من التزايد المستمر للنفوذ الأمريكي في القارة الافريقية, اتجهت فرنسا الى تطوير سياساتها تجاه افريقيا من خلال عدة محاور رئيسية, منها دعم تيار الفرانكفونية في العالم والانتقال بهذا التجمع الافريقي الى مرحلة انشاء تجمع سياسي عالمي قوي يضم كل الدول الناطقة بالفرنسية. وحتى يكون هناك فهم صحيح لطبيعة وأبعاد التنافس الأمريكي ــ الفرنسي في افريقيا, تشير الدراسة الى ان هناك بعض المعطيات تحدد أبعاد هذا التنافس, منها وجود درجة من التفاهم المتبادل بين الجانبين في اطار سياستهما في افريقيا, وهذا ماظهر في قيام الولايات المتحدة باطلاع فرنسا مقدما على أهداف جولة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في افريقيا العام الماضي, ووجود نوع من التنسيق الأمريكي ــ الفرنسي في اطار البيئة الدولية والاقليمية وهذا ما ظهر من خلال التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء ووزير الخارجية الفرنسيين خلال زيارتهما لواشنطن العام الماضي والتي دارت حول استعداد فرنسا للقيام بتعاون جديد مع الولايات المتحدة في افريقيا. وقد تزامنت هذه التصريحات مع انعقاد المؤتمر الموسع بواشنطن وشارك فيه مسؤولون كبار من الولايات المتحدة وفرنسا والدول الافريقية, وكان جوهره الحديث عن شراكة ثلاثية تحدد أطر تعاون ثلاثي يستبعد قيام تنافس, بل ويحقق مصالح جميع الأطراف, كما تتضمن المعطيات عدم تقييد السياستين الأمريكية والفرنسية في أفريقيا بحدود المفهوم الثقافي القديم لتقسيم افريقيا الى مناطق أنجلوفونية وفرانكفونية, فالسياسة الأمريكية الجديدة تبدو وكأنها لاتتوقف عند هذا المفهوم, وكذلك لايتوقف مجمل النشاط الأمريكي أو الفرنسي في افريقيا على النشاط الاقتصادي بمجالاته المتنوعة, بل يمتد الى مجالات النشاط الثقافي والاعلامي واللغوي. واذا كانت مسائل حفظ السلام وتطويق النزاعات الافريقية أصبحت تمثل أولوية في السياستين الامريكية والفرنسية في أفريقيا, فإن لكل سياسة مداخل وأساليب تختلف عن الأخرى في معالجتها لمثل هذه المسائل فقد سبق أن اقترحت السياسة الفرنسية عقد مؤتمر دولي افريقي لبحث مشكلات ونزاعات منطقة هضبة البحيرات العظمى بوسط افريقيا بحضور الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية, إلا ان السياسة الأمريكية لم تستجب لهذا الاقتراح. وأخيراً فإنه وعلى الرغم من ان الجانب الاقتصادي يشكل المحور الرئيسي في التحرك الأمريكي لمزاحمة الدور الفرنسي في افريقيا, إلا ان نجاح هذا التحرك يتوقف على عنصرين اساسيين لتمهيد طريق الانطلاق في افريقيا وهما: تحجيم النفوذ والوجود الأوروبي في افريقيا, وتحقيق الاستقرار الضروري لحفظ الثروات الافريقية ولتهيئة المناخ المناسب للانطلاق الاقتصادي, ومن هذا المنطلق تولي الولايات المتحدة أهمية كبيرة للقضايا الأمنية. ان تداعيات هذا التنافس لابد وان تنعكس على افريقيا في المستقبل القريب, فإذا كان الشك قد أصبح يساور الكثير من الدول الافريقية تجاه مدى المنفعة الحقيقية التي ستعود على شعوبها من الشراكة مع الولايات المتحدة, فان هذا التنافس أسهم بتداعياته الحديثة في اذكاء الصراعات العرقية في افريقيا, مثل رواندا, كما أطال فترة الصراع الدائر في الكونغو الديمقراطية نتيجة لما يلقاه المتمردون التوتس من دعم فرنسي في مواجهة الدعم الأمريكي للنظام الحاكم بزعامة كابيلا واستمرار النزاع الحدودي بين اثيوبيا واريتريا, ومازال التنافس مرشحا للمزيد من التداعيات السلبية, مالم تنتهج دول القارة سياسة موحدة تجاه القوى الدولية الكبرى واطماعها المتعددة. القاهرة ــ مكتب البيان