تقول احصاءات غير رسمية ان بالسودان مالا يقل عن 18 مليون شاب لايعمل منهم بصورة مستقرة سوى 50% فقط وما تبقى من هذا العدد اما يعمل في مهن هامشية او عاطل , كما ازدادت موجات الجنون والتطرف بين الشباب بصورة لم يسبق لها مثيل, فالعديد من حوادث التطرف قد وقعت وكان الضحية فيها الشباب ولعل حادثة مدينة ودمدني العام الماضي خير شاهد والتي راح ضحيتها عشرات الشباب الذين وقعوا تحت سيطرة جماعة متطرفة. وفي احد احياء الخرطوم بحري توجد احدى الطرق التي تنسب نفسها للصوفية وتقوم بالعديد من الطقوس الغريبة وكل روادها من الشباب, كما لا يكاد شارع في الخرطوم يخلو من اولئك الذين اسماهم د. عبدالعال (سياح على الطريقة الفرعونية) , وبينما تقف الدولة شبه عاجزة والانفلات يزداد فلم يعد مدهشا ان ترى احدهم يتحدث مع نفسه بصوت مرتفع في منتصف الطريق او يلوح بيديه, وبلغ معدل البطالة حيث الاحصاءات الرسمية 16.6% وسط الشباب و 6.2% من خريجي الجامعات والتي تقول الاحصاءات الرسمية ان مابين اعوام 95 ــ 99 تخرج منها حوالي 429 الف خريج لم يستوعب منهم سوق العمل سوى مئات فقط. سيناريوهات مخيفة ثلاثة خيارات غير قابلة للمراجعة عليك ان تلجأ الى احدها لتتمكن من الاستمرار في العيش وهي (جنون, تصوف, وتطرف) . يقول احد الشباب واسمه عثمان الزير عبدالله خريج جامعي من كلية الاداب: احس اني اقترب من الجنون رويدا رويدا .. اخرج من المنزل في تمام السابعة صباحا بعد ان اتصرف في تدبير قيمة المواصلات .. عادة وفي اغلب الاحيان آتي الى هذه الحديقة, كونت فيها مجموعة من الصداقات كلهم من الشباب ويعانون نفس ما اعاني من البطالة. ويضيف: تخرجت من الجامعة عام 1989 والتحقت بالتدريب كمعلم للمرحلة الثانوية, وكان راتبي لا يتجاوز الألف وخمسمائة جنيه وفي عام 1994 آخر عهدي بالوظيفة وصل الى الاربعين الفا حيث لم يعد كافيا, ثم فصلت من الخدمة لاسباب سياسية وأنا الآن في انتظار الهجرة إلى الولايات المتحدة الامريكية بعد ان درجت على التقديم لها سنويا, لا ادري ماذا افعل, فسخت خطوبتي من الفتاة التي كنت احلم ان يجمعني بها منزل صغير نعيش فيه وحدنا ويكون جنة, هذه الاحلام الان انهارت امام عيني, ولم اعد اعرف معنى الفرح أو الحزن تجمد الدم في عروقي وكتبت لنفسي النهاية تحت هذه الشجرة الظليلة التي اعتبرها اعز اصدقائي. ولا اذيع سرا ان قلت انني قد حاولت الانتحار مرتين ولكن ارادة الله وقفت حائلا دون ان يحدث ذلك, الان لم اعد احاول الانتحار ولا افكر فيه لانني كما قلت تجمد الدم في عروقي. كانا يجلسان في ذات الحديقة على مقربة منا يتبعان وبأهتمام ما يدور من حديث اقتربا اكثر حتى وصلا إلى المكان الذي نجلس فيه وعند انتهاء عثمان من حديثه بادرني الشاب قائلا: اسمي (عاطف) لا تسألني عن ابي لانه هو سبب ما انا فيه من عذاب ولكن (ربنا يسامحه) كان والدي ثريا وصاحب اموال ومعروف جدا حتى ان ذكرت اسمه لك قطعا ستعرفه. وعندما جاءت هذه الحكومة قلنا له يأبي دعنا نهاجر بعد تصفية اعمالك, ولنذهب إلى أي بلد يمكن ان نجد فيه رزقا ولكنه رفض وبشدة هذه الفكرة وقال انه بنى نفسه هنا ولا يمكنه بعد هذا العمر ان يهاجر وظل يعمل ولكنه في الحقيقة في كل يوم كان يفقد مقدار ما بناه في عام حتى حملت الايام اخبار افلاسه وهو الان قابع في احد السجون مطالب بما لا يقل عن مئة مليون لا نملك منها ولا مليم انا ولده الاكبر ولي ثلاثة اخوات بنات, تحمل خالي مسؤولية المأكل والمشرب ولكن المستقبل لا يعلم به غير الله. فصلوني من الجامعة لاسباب اكاديمية وحتى الان والدتي لا تعلم هذا الخبر, اخرج في الصباح كأنني ذاهب إلى الجامعة وانتقل من حديقة لاخرى واحيانا اذهب إلى الجامعة ولا اعود إلى البيت الا في المساء ولا ادري حتى الان ماذا افعل, ولكن نهايتي لاشك ستكون واقفا في دوار مرور احاول لفت انتباه المارة كما يفعل هذه الايام الكثيرون. حكايات التاريخ حاولنا الحديث مع من كانت ترافقه ولكنها اعتذرت بلطف ورفضت حتى ان تذكر لنا اسمها واكتفت بقولها: يا اخي الشارع السوداني كله الان مهموم, انظر إلى هؤلاء واشارت إلى (شارع النيل) انهم في انتظار (الملح) , (الاسم السوداني للاتوستوب) لانهم لا يملكون قيمة المواصلات كيف سيكون مستقبلهم وماذا وفرت لهم الدولة حتى يكونوا مواطنين كرماء يشعرون بكرامة وطنهم ويحبونه. ما سبق نماذج من ظاهرة جديدة تشهدها الخرطوم هذه الايام مجموعات من الشباب تجدهم يغطون في نوم عميق تحت اشجار الحدائق المتناثرة هنا وهناك يذكرونك بايام ان كانت الخرطوم تبيح شرب الخمر جهارا نهارا ولكن بالرغم من ان الخمر غابت رسميا عن ساحات الخرطوم منذ ما لا يقل عن عشرين عاما, عادت ظاهرة النوم تحت الشجر مرة ثانية, وكأن السكر ليس بالخمر وحدها وانما الهموم ايضا مسكرة, ظاهرة ايضا جديدة هي ظهور شباب من الجنسين يتجولون في شوارع الخرطوم في شكل مجموعات ويرتدون الجينز وغالبا ما يحملون معهم الفول السوداني (الفستق) يتناولونه بطريقة ملفتة للانظار. لم تعهد الخرطوم هنا هذه الظاهرة . تناقضات كثيرة ظهرت في أوساط الشباب السوداني حملناها وجلسنا الى الدكتورة نور الهدى اسماعيل الاخصائية في علم الاجتماع فقالت (ان أي تناقض بين سلوك الشاب وتقاليد المجتمع نابع من رفض الشباب لهذه التقاليد التي تحد من حركته وحريته فالشاب في مجتمعنا متنازع ما بين ما يطلبه المجتمع وما تطلبه ذاته, لذلك يترجم هذا النزاع في شكل رفض صارخ وعادة ما يستصحب هذا الرفض اما الانغماس في الرذيلة أو المخدرات أو الاندفاع وراء الموضة في الأزياء أو الاهتمام الزائد بنوع محدد من الأغاني الهابطة كل هذا يترجم به الشاب أو الشابة النزاع الداخلي الذي يعيشه في ظل ظروف اقتصادية حرجة لا تجعل الشاب يلتفت كثيرا الى النظر الى المستقبل باعتباره نقطة مظلمة ولا يريد ان يثير بها مزيدا من الشجون وبالتالي مزيدا من التناقض. حالة حرجة يقول د. خالد بشير فضل السيد أحد أطباء علم النفس ان التحول الكبير الذي يشهده الشارع السوداني وبعض الظواهر التي يعتبرها المجتمع شاذة ما هي الا نتاج طبيعي للتناقض الكبير الذي تشهده الحياة السودانية بمعناها العريض, فالسوداني وهو طفل صغير يربى على ان الرجل هو (سيد الموقف) ويبدأ ذلك من عهد الطفولة الباكر حيث تسخر الاخت لخدمة أخيها في المنزل وقضاء حوائجه ويفرض على الطفل منذ سن باكرة الا يلعب مع البنات باعتباره رجلا ولا يصح للرجل ان يلعب مع البنات, وتبنت الحكومة هذا الخطر ففصلت التعليم وجعلت مدارس للبنات وأخرى للأولاد حتى مرحلة الثانوي, وفي الجامعة يجد الشاب نفسه في مواجهة مع جنس آخر يجب أن يتعامل معه, فالبنت لا تدري كيف تتعامل مع الولد والولد كذلك وعادة ما تكون الصدمة للولد أشد لانه تربى على ان البنت ما هي الا خادمة له, ولكن في الجامة يكتشف انها مثله بل متفوقة عليه في بعض الاحيان, هذه الصدمة المتبادلة تترجم في شكل رفض لكل ما تم تلقينه له. اضف الى ذلك اننا في بلد لا توجد فيه اية مساحة للحرية العاطفية, فالأسرة السودانية ما زالت لا تعترف رسميا بالحب ولا يمكن ان تسمح لأحد أفرادها أن يجاهر علنا بأنه يحب, كل هذا ينعكس سلبا على سلوك الشباب, فكثير من حالات الجنون التي نراها السبب الرئيسي فيها الكبت الرهيب الذي يعانيه الشباب, اضف الى ذلك الضغوط الاقتصادية والتي اعتبرها العامل الرئيسي الذي أشعل أزمة الضياع المتصاعدة الكبيرة التي تعيشها قطاعات واسعة من أبنائنا الطلاب والشباب. جنون بالجملة د. عبد العال أحمد حسن طبيب نفسي يعمل في مستشفى التجاني الخاص أكبر مستشفى للأمراض النفسية في السودان, قال ان 85% من الحالات الواردة للمستشفى هي سن الشباب وعزا ذلك الى الضغط النفسي الكبير الذي يتعرض له الشباب, وقال ان الظروف الاقتصادية التي جعلت 90% من الأسر السودانية تعيش تحت خط الفقر, وأغلقت كل المنافذ أمام الشباب السوداني في الحلم بمستقبل ممكن أن يعاش ناهيك عن مستقبل زاهر يجعل الشباب فريسة الأمراض النفسية والعصبية, فالآن ترى في شوارع الخرطوم الكثير من حالات الجنون وأولئك الذين يجوبون شوارعها على طريقة السياحة الفرعونية هم من الشباب, والشاب أصلاً هو الأكثر عرضة للأمراض النفسية لأنه لم يصل الى مرحلة الاتزان وذلك يرمي به الى التهلكة. صلاح الزين رئيس الاتحاد الوطني للشباب السوداني التقته (البيان) بمكتبه الوثير في قلب الخرطوم وطرحت عليه قضايا وهموم الشباب فقال نحن قطعا في الاتحاد الوطني للشباب السوداني نعمل على تلافي كافة المشاكل التي يعاني منها الشباب ونعمل على تفجير طاقاتهم وحفزهم على الابداع والانتاج, ووضعنا العديد من الخطط وشرعنا في تنفيذها, فلدينا احصاءات بأعداد الشباب الخريجين من الجامعات والمعاهد العليا وكذلك قمنا بحصر شبه دقيق للشباب الذين لم يتلقوا قسطاً من التعليم وذلك لاقامة المشروعات التي تستوعب هؤلاء الشباب, وتحدث صلاح الزين عن ان الشباب في عهد الحكومة الحالية اتجه نحو التدين واصبح يملأ المساحات بقصصه البطوليه وأعتبر هذا مؤشرا جيدا, وأكد ان معدلات التدريس في اوساط الشباب قد ازدادت في العشر سنوات الاخيرة مما ينفي الادعاء بان الغالبية يجرفها تيار الجنون أو التطرف. الخرطوم ـ عثمان فضل الله