ليس مستغرباً أن يكون العراق دولة متقدمة في مجال الحاسبات في الظروف الاعتيادية.. اذ يمتلك مقومات نجاح التطور المعلوماتي من رأس المال الى الكفاءات البشرية , الا ان المستغرب ان يحدث هذا في ظرف حصار خانق.. هنا يوجد جيل من الشباب يواكبون التطور في العالم ويعدون انه في حالة رفع الحصار فانهم سيتفوقون على الغرب والشرق على حد سواء. نغمة التفاؤل هذه يرددها المهندس محمد حكمت قائلا: (في هذه الظروف وبتوفر ادنى المستلزمات فنحن نعيش ثورة معلوماتية بمعنى الكلمة: كيف؟ ــ في العراق حاليا اكثر من خمسة وعشرين قسماً من اقسام الحاسبات تخرج سنوياً مالا يقل عن الف مبرمج ومهندس حاسبات, بالاضافة الى عشرات المعاهد الاهلية للتدريب على استخدام الكمبيوتر والتي يتهافت عليها الشباب والكبار بصورة ملفتة للنظر. الراتب .. والكمبيوتر المهندس احمد سامي يؤكد بدوره ان العراق استورد خلال السنة الماضية اكثر مما استورده الاردن طوال ثماني سنوات من اجهزة الحاسبات وملحقاتها.. وهذا مؤشر على حجم الاقبال الشديد على هذه الاجهزة رغم غلائها. ــ لابد من ملاحظة ان الحصول على جهاز كمبيوتر بمواصفات جيدة يكلف 700 دولار, في حين ان راتب الموظف لايتجاوز خمسة دولارات في الشهر.. فكيف اذن حصل هذا الاقبال؟ كان الاقبال كما يرى المهندس احمد سامي من قبل الاثرياء بالدرجة الاولى ثم امتد الى الشريحة المتوسطة التي فضل بعضهم بيع سيارته أو بعض حاجياته لشراء جهاز كمبيوتر.. اما الموظفون فقراء الحال فان دورات الحاسبات قد اقيمت لهم باسعار زهيدة من قبل المراكز الحكومية. علما ان المكاتب الاهلية بصورة عامة تقدم دورات تعتبر رخيصة جدا مقارنة بالدول المجاورة.. اذ لايزيد سعر الدورة لبرنامج معين على عشرين دولارا, في حين ان مثيلتها في عمان لاتقل عن 200 دولار. اطروحات.. وعمارة استخدام الكمبيوتر شمل سائر مجالات الحياة في بغداد شأنها في ذلك شأن الدول المتطورة.. وعلى سبيل المثال كانت الاطروحات الجامعية الى ما قبل عامين تقبل بالطباعة العادية اما الان فلا توجد اطروحة او بحث لاتتم طباعته بالكمبيوتر. الاعلانات التلفزيونية بدأت باستخدام الكمبيوتر فيها بشكل يلائم الامكانيات المتاحة وبرامج الرسوم غزت الاوساط المعمارية.. فقرابة نصف مشاريع التخرج لطلبة المرحلة الخامسة قدمت هذا العام باستخدام هذه البرامج وبكفاءة عالية.. كما ان الشركات المعمارية باتت تستخدم هذه البرامج بشكل رئيسي. الشركات التجارية بدورها تستخدم برامج الاحصاء وقواعد البيانات بشكل موسع, والصحف باتت تخرج وتنضد باستخدام احدث برامج الناشر الصحفي.. وغيرها من البرامج التي اصبحت جزءاً من الحياة اليومية. لكن من اين تأتي هذه البرامج. أقراص مستنسخة يقول صاحب مكتب برامجيات في بغداد: ــ اننا نتابع ونواكب برامج العالم يوما بيوم.. فالبرنامج الذي ينزل في امريكا ستجده بعد اسبوع في بغداد, مع الفرق ان سعر قرص البرنامج هنا لايتجاوز ثلاثة دولارات في حين ان سعره في الولايات المتحدة يصل الى 300 دولار. اي ان الاقراص المستخدمة الان هي مستنسخة؟ ــ نعم انه وجه اخر لثقافة الاستنساخ.. ماذا تريد منا؟ هل تظن ان من الصحيح ان نطالب بحقوق النشر ونحن محاصرون.. يجب علينا ان نقاوم الحصار فهم يريدون منا الرجوع الى الوراء ونحن نستخدم كل الامكانيات المتاحة للتقدم حتى وان كان ذلك بخرق حقوق الطبع والنشر.. واقول بصراحة اننا سنراعي حقوقهم عندما يراعون حقوقنا.! ــ لكن برامج الكمبيوتر تحوي على ارقام سرية تمنع اختراقها وتسجيلها .. كما ان الشركات المنتجة تستخدم وسائل عديدة لمنع الاستنساخ؟ هذا صحيح لكن لاشيء يقف بوجه شبابنا الذي استطاع اختراق هذه الوسائل الامنية ليقدم للمستخدمين هذه البرامج المتطورة بسعر زهيد جدا.. ولا اخفيك سراً ان اخبرتك ان بعض البرامج تنزل في بغداد بصورة تجارية قبل الدولة المنتجة لهذه البرامج!! كيف؟ ــ ان الدول المنتجة تطرح نسخ اختبار قبل التداول التجاري, ويكفي وصول نسخة واحدة حتى ينتشر البرنامج تجاريا انتشار النار في الهشيم. بغداد منتجة للمعلوماتية بغداد ليست مستهلكة للمعلوماتية بل هي منتجة ايضا فمكاتب الحاسوب والاوساط الاكاديمية قدمت العديد من البرامج التي لاتزال محدودة الاستخدام بسبب الحصار .. ويؤكد احد المبرمجين الشباب انه لو اشترك العراق بشبكة الانترنت لاستطاع الشباب العراقي ان يري العالم ابداعه. هذا المبرمج اشترك مع ثلاثة شباب آخرين في عمل برنامج لعبه يأمل في تسويقها الى الخارج وقد حصل على عدة عروض لشراء برنامجه وهو يفكر بالعرض الافضل كما تلقى فرص عمل في شركات عالمية خارج العراق بعد الاطلاع على كفاءة برنامجه. ويؤكد احد الاساتذة في قسم الحاسبات, جامعة بغداد ان الطلبة يقدمون برامج تعليمية وترفيهية ومكتبية لو قدر لها الانتشار ستتفوق على منافساتها من البرامج الاجنبية. جولة صغيرة في شارع الصناعة مقابل الجامعة التكنولوجية تكشف عن حجم الولع العراقي بالكمبيوتر, فهذا الشارع يمثل السوق الرئيسية لاجهزة وبرامج ودورات الحاسبات حيث تتجاور عشرات المكاتب .. وعندما تتساءل عن كيفية الربح في ظل هذا التنافس يأتيك الجواب (خير من الله) فالكل يعمل والكل يربح والكل يبيع وسوق الحاسبات عامر .. وحتى لو كان الربح المادي قليلا فمجرد اكتساب المعرفة في هذا المجال كاف لمن يعمل هناك .. لكن ليس الحال دوما هكذا, فبعض التجار يبحث عن الربح فقط. أفضل من تجارة الغذاء قال احد التجار: كنت قبل سنتين من تجار المواد الغذائية, والآن انا تاجر حاسبات فالرزق يحب الخفية كما يقول المصريون فبعد مذكرة التفاهم اصبحت تجارة المواد الغذائية اقل ربحا, واصبحت تجارة الكمبيوتر مربحة مع الاقبال الشديد عليه خصوصا في العام الماضي. اذ دخلت الدولة الى السوق لشراء كميات كبيرة من الاجهزة. لماذا؟ ــ اشترك العراق في شبكة الانترنت عن طريق مجهز من الاردن .. صحيح ان دخول هذه الشبكة محدود على 100 خط للدوائر الحكومية, الا ان هذا الأمر فتح الباب أمام التكهنات بكسر الحصار المعلوماتي. هل درست الحاسبات قبل انخراطك في سوقها؟ ــ في بداية الأمر كنت لا أفهم شيئا بخصوص هذا الجهاز, فاستعنت بالشباب المختصين وبمرور الوقت أصبحت أعرف خفايا هذا الجهاز. ويؤكد انه ليس التاجر الوحيد الذي ترك تجارة المواد الغذائية وتوجه لتجارة الكمبيوتر, فالكثير من زملائه فعلوا ذلك وان كانوا أميين حاسوبيا.. أما عن مصادر التجهيز والاستهلاك فيقول: ــ مصدر التجهيز عادة الامارات, أما الاستهلاك, فهي عديدة, من طلاب الجامعات والشركات والدوائر الحكومية, أما صناعة هذه الاجهزة فهي في الغالب جنوب شرق آسيا.. نعم ان النوعيات ليست بالكفاءة العالية لكنها تؤدي الغرض, خصوصا مع رخص سعرها. فرصة أفضل للعمل واذا كان الكمبيوتر بالنسبة لهؤلاء التجار مجرد تجارة رابحة فإنه بالنسبة للشباب فرصة أفضل للعمل ووسيلة للتواصل مع العالم في ظل حصار ثقافي واقتصادي مؤلم, فاقسام الحاسبات تكتظ بالمتقدمين اليها في كل محافظات العراق, وأصبحت معدلات القبول تنافس الكليات الطبية التي اعتاد الناس على ان تكون في المرتبة الأولى, وبعض خريجي الاقسام الاخرى يتهافتون على الدخول في أقسام الحاسبات الاهلية أو المسائية ما عدا الدورات الأهلية.. وأصبح تبادل الاقراص المدمجة عادة محببة بين الشباب, بل ان قرصا يحتوي على برنامج نادر أو مهم هو افضل هدية تقدمها لأحدهم في مناسبة من المناسبات.. وبعض الشباب يشتركون معا لشراء جهاز واحد يتعلمون ويعملون به. انه جيل الحصار الذي يخرق الحدود التي وضعت له لأنه لا يعترف بها, فالحصار كما قال أحدهم ليس علينا, بل على العالم الذي حُرِمَ من امكانياتنا.. وسيأتي اليوم الذي نري العالم أي شيء حُرِمَ.. نعم سيأتي. بغداد ــ البيان