سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين شخصية وطنية لبنانية تستقطب احترام الكثيرين في مختلف بلدان العالم الإسلامي والعربي.. وهو مفكر له مؤلفات عديدة مهمة تتناول شؤونا داخلية لبنانية كما تتناول غير قليل من هموم الأمة الإسلامية.. وهو فقيه مجدد قدم الكثير لتاريخ الاجتهاد في نصف القرن المنصرم . وقد توجهت جهوده داخل لبنان باختياره رئيسا للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.. كما توجهت جهوده على الصعيد العربي بإقامة جسور من العلاقات في ا لمحيط العربي. وجاء تكريمه في القاهرة ضمن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف علامة على طريق هذه العلاقات المتميزة. وعلى امتداد العالم الإسلامي يقترن اسم سماحته بقضايا التقريب بين المذاهب واستعادة وحدة الصف الإسلامي ودعم المقاومة ومواجهة التغريب. وخلال زيارته للقاهرة التقته (البيان) في الحوار التالي: نبدأ حوارنا مع سماحتكم من حادث اغتيال القضاة الذي أحدث صدمة واسعة في الداخل والخارج.. هل تعتقدون أنه ـ رغم فداحته ـ حادث عارض أم مقدمة لازمة ـ قد تكون كبيرة ـ تهدد لبنان؟ ليس حادثا عارضا.. وهو أيضا ليس جريمة عادية قام بها منفذوها لمصلحة أنفسهم. هو جريمة كبرى مدبرة لمصلحة خط سياسي وفريق سياسي. وهو يستهدف خلق أزمة ويستهدف إضعاف الدولة.. قد يكون من بين أهدافه إحداث فتنة داخلية وشل القضاء. حتى الآن لم تتضح جميع أبعاد هذه الجريمة ولكننا نرى فيها الوجوه التي أ شرت إليها.. وربما تكون هناك وجوه أخرى. بالتأكيد للإسرائيليين ضلع فيها ولهم أهداف منها.. وقد يكون لفئات أخرى غير إسرائيلية دور في هذه الجريمة. المهم أن وعي الشعب اللبناني وتماسك الحكومة وسائر مؤسسات الدولة أمام عبء وعنف هذه الجريمة فوت على المجرمين أهدافهم.. وبقيت البلاد متماسكة وبقي الموقف الوطني من المقاومة ومن إسرائيل صامدا. وضع اللاجئين الفلسطينيين * هل تعتقدون سماحتكم أن للجريمة صلة ـ كما يقول البعض ـ بمحاولة توطين اللاجئين الفلسطينيين؟ ــ ربما.. لا أنفي.. شل القضاء وتحييد مؤسسة يفتح الباب أمام أمور كثيرة. وتوطين الفلسطينيين يتم من خلال ارتكاب جملة جرائم عقارية وإعمارية وسياسية وتنظيمية وكلها مجال للقضاء. * كيف تقيمون العدوان الصهيوني الأخير على لبنان.. وخاصة استهداف البنية الأساسية اللبنانية للمرة الأولى؟ وهل هو تغير نوعي؟ ــ أهداف العدوان الإسرائيلي متنوعة.. فهناك أهداف سياسية وإنمائية.. السياسية هي محاولة الضغط على العلاقة بين سوريا ولبنان في مواجهة المشروع الصهيوني وتفكيك ـ أو على الأقل إضعاف ـ هذه العلاقة وإثارة أسئلة عند من في قلوبهم مرض حول جدوى هذه العلاقة.. الهدف الثاني هو إيجاد فجوة بين الشعب اللبناني وقواه السياسية وبين المقاومة وبين الدولة اللبنانية ومؤسساتها تلك هي الأهداف السياسية الكبرى. هناك أيضا إضعاف الدولة اللبنانية وشل قدرتها على الحكم.. هناك هدف يتصل بهذا هو تحميل الاقتصاد اللبناني أعباء إضافية وجعل الشعب اللبناني يرى المقاومة مكلفة. وبطبيعة الحال لبنان يعاني من عجز في الميزانية وارتفاع في المديونية وتخريب أية مؤسسة مدنية من مرافق الدولة يحملها أعباء إعادة إعمارها ويضيف أعباء مالية جديدة.ونلاحظ تغيرا نوعيا في طريقة إسرائيل لا يقتصر على الأهداف العسكرية وعلى دعوى استهداف العسكريين.. فالعدوان الأخير استهدف مدنيين..وأغلب الضحايا فيه قتلى وجرحى مدنيون لا علاقة لهم بالأعمال العسكرية لا في الجيش ولا في المقاومة. التقريب بين المذاهب * في محاضرة لك في القاهرة مؤخرا اعلنت عن قرب ميلاد مؤسسة أهلية للتقريب بين المذاهب فهل من مزيد عنها؟ ــ كما ذكرت في ندوة المركز الدولي للدراسات.. هذه المؤسسة نستهدف من إنشائها ايجاد جهاز غير حكومي يهتم بقضايا الوحدة على المستوى الحركي ولا يقتصر الأمر على مجرد التنظير الفكري لأننا قلنا كل ما يمكن أن يقال في فوائد الوحدة ومضار الفرقة المهم إيجاد جهاز غير حكو مي يكون موضع ثقة الحكومات والأنظمة دون أن يكون جزءا منها ويهتم بمتابعة أزمات الوحدة أو قضايا الوحدة. * في زيارتكم السابقة للقاهرة تحدثتم عن الحاجة إلى أمانة عامه عالمية للحركة الإسلامية.. فهل هناك تخطيط محدد لإنشاء مثل هذه المؤسسات؟ حتى الآن لم ننتقل خطوة على هذا الطريق عما كان علية الحال في السنة الماضية.. الفكرة لا تزال مطروحة وأملت أن تكون موضع اهتمام إخواننا في قيادات الحركة الإسلامية وطنيا وإقليميا.. حتى الآن لم نتحرك في هذا الاتجاه.. وأرى الآن أكثر مما كنت أرى في الماضي ضرورة إنشاء هذه الأمانة.. وأعيد الأذهان إلى أمر حصل منذ أسابيع حينما توافقت مجموعة من المعنيين بمتابعة القضية الإسلامية بشتى تشعباتها توافقنا على توجيه النداء الشهير إلى إخواننا في الجزائر لقبول مبادرة الدعوة الى السلم والتعاون والتوقف عن استعمال القوة المسلحة داخل الجزائر. هذا مظهر من مظاهر مؤسسة هيئة قضايا الوحدة التي كنت أتحدث عنها أو الأمانة العامة التي نرتقب إنشاءها إن شاء الله. الحركة الإسلامية العالمية تواجه مآزق كبيرة وأمامها فرص أيضا كبيرة.. الآن مثلا ما يجري في كشمير وقد عبرت عن قلقي عنه.. وهو سيكون مآزقا من مأزق الحركة الإسلامية في آسيا ومن ثم الحركة الإسلامية في العالم العربي ومن ثم الحركة الإسلامية العالمية. لا يوجد الآن أي جهاز مدني ـ ان صح التعبير ـ جهاز ينتمي للأمة ليتعاطى مع مشكلة كشمير التي قد تكون بعض خفاياها خطيرة جدا وتتفاعل تفاعلا سلبيا على مستوى الحركة الإسلامية من جهة وعلى مستوى الوضع الباكستاني من جهة أخرى. لذلك أنا أغتنم فرصة هذا اللقاء مع (البيان) وأكرر مناشدة إخواننا في مصر وخارجها بالتشاور حول هذه الأطروحة. أزمة كوسوفو * أزمة كوسوفو أثارت إشكالية داخل الصف الإسلامي بسبب التعارض بين وقف المأساة كضمان لأبسط حقوق الإنسان وبين سيادة الدولة على أرضها؟ ــ أعتقد أن هذا الاشكال الذي يعبر عنه سؤالكم هو إشكال حقيقي لا نجادل فيه ولكنه من جهة أخرى إشكال شكلي.. أولا في موضوع سيادة الدولة على أرضها: ما الدولة؟ من ينشئها؟ سنبقى مع المثال اليوغسلافي.. هل اليوغسلاف المسلمون ليسوا جزءا من هذه الدولة؟ ليسوا جزءا من قرار السيادة على الأرض؟ الآن مثلا نحن نتحدث عن أي إقليم من أقاليم مصر أو أية دولة.. الدولة لها سيادة بطبيعة الحال لكن أهل ذلك الإقليم بأنفسهم.. أليس لهم رأي في شأن أرضهم؟ هي أرضهم.. إشكالية التعارض بين رغبة أهل الإقليم وبين سيادة الدولة هل تقتضي هذا الأسلوب الهمجي الإجرامي الذي اتبعته الدولة اليوغسلافية وعلى رأسها مجموعة المجرمين الذين يقودهم هذا المجرم رئيسهم.. هل هذه هي المواجهة التي تقابل بها مطالبة المسلمين بالحكم ؟ هذا الاقليم كان يتمتع بالحكم في العهد الشيوعي وبعد ذلك صودرت حريته وأدمج وأصبح يحكم حكما مركزيا.. وكانت هناك قناعة تبين أنها صحيحة كانت هناك مخاوف تبين أن لها ما يبررها.. فإلغاء الحكم في الإقليم وممارسة الحكم العسكري المباشر كان تمهيدا بأسلوب أو آخر لتفريغه من سكانه المسلمين.. كل ما طالب به هؤلاء هو إعادة الحكم الذاتي للإقليم.. لم يطالبوا بالانفصال أو سلخ الإقليم عن جسم الدولة وفي المقابل وجهت مطالبهم بهذا الأسلوب الذي لم يسبق له مثيل من الإبادة والاغتصاب والقمع وقتل الآلاف. الأمر الثاني حينما يصبح نظام مجرما في حق جزء من شعبه بهذا المستوى أتساءل: هل يبقى للنظام شرعية تخوله أن يطالب بالسيادة؟ أنا أقول هذه مسألة فيها نظر. القاهرة ــ ممدوح الشيخ