شكلت وفاة عالم الفيزياء النووية اللبناني الشاب الدكتور علي أسعد (من مدينة صور في جنوب لبنان), وفي ظروف غامضة في شقته العاصمة الفرنسية باريس , محور اهتمام وقلق المرجعيات اللبنانية على اختلافها من رسمية وسياسية الى علمية وعامة, وعلى الأخص شبابية. وبانتظار ما ستكتشفه التحقيقات الامنية الفرنسية من ملابسات تتعلق باسباب وفاة العالم اللبناني, تعامل اللبنانيون مع الحدث باعتباره جريمة قتل تندرج في حرب (تصفية الأدمغة اللبنانية) في الخارج, خاصة وان للبنان في هذا الملف قائمة غير قليلة العدد من اسماء العلماء الشهداء. وللدكتور المغدور علي اسعد تسمية اخرى بين افراد عائلته واقرانه واقربائه الذين لاينادونه الا بــ (الامير علوش) ــ (برنس علوش) . وهو قبل وفاته الغامضة كان يتابع مباراة في كرة السلة في مقهى قرب منزله في باريس, ووعد والده بانه سيتصل به في صباح اليوم التالي ليودعه قبل سفره الى اليابان للمشاركة في مؤتمر عالمي هناك, لكنه لم يف بوعده, وظن الوالد ان ولده المشغول دائما, يرتاح من تعب مستمر, وانتظر لساعات ليتصل به ويعرف ما اصابه, لكن دون جدوى, فالهاتف في منزل العالم الصغير يرن وحيداً ولا احد يجيب. يصف رئيس المجموعة الاعلانية (بابليك جرافيكس) مصطفى اسعد ابن اخيه (علوش) بالشاب الطيب (المهضوم) المرتاح دائماً والذي يريد حلّ مشاكل الجميع, فيحمل بمفرده بالجملة همومهم المفرقة. يقول عمه مصطفى عنه: (كان يتضايق عندما نناديه (دكتور) , عندما كنت معه في فرنسا (قبل وفاته باسبوع), نصحته بالعودة الى لبنان, فقال: (ياليت) , وسألني اذا اتى الى وطنه ماذا يمكن له ان يعمل, فنصحته بان يتقدم الى شركة كهرباء لبنان باعتبار ان شهادته في الفيزياء النووية تمكنه من الحصول على وظيفة في هذه الشركة. يضيف عمه: (كان سيأتي الى لبنان في 17 يوليو الحالي, وكنا ننصحه بان يبحث عن عروس ليتزوج, فكان يضحك ويقول: (لاوقت عندي للزواج, أو حتى للتفكير بهذا الامر) . فمضى العريس قبل ان تأتي العروس) . يضيف اسعد: (كان علي سليماً ومعافى, ففي مركز عمله كانوا يجرون له فحوصات دورية للتأكد من سلامته, وبالتالي فامكانية اصابته بمرض ما أمر مستبعد, كما ان محاولة قتله امر مستبعد ايضا, والطبيب الشرعي الذي فحص الجثة لم يعط اسباب الوفاة مما استدعى طلب تشريح الجثة لمعرفة السبب الحقيقي للوفاة, وحتى الان لم تصلنا نتيجة التشريح) . ويصف مصطفى اسعد علاقة ابن اخيه مع الاخرين (بانه كان مسالما, متواضعا, بسيطا, ووفيا لاصدقائه, وقريبا من قلوب المحيطين به, يقدم المساعدة باستمرار للجميع, ولم يتسبب بزعل احد منهم) . وعن انجازاته العلمية يقول: (كان دماغه كبيراً, وبموته خسر لبنان الكثير, دُعي لالقاء محاضرة في اليابان في (مركز البحوث العلمية) هناك, وكان سيكون من اصغر المشاركين, لكن الموت سبقه) . وكان الدكتور اسعد قد حاز عام 1995 على دكتوراه في الفيزياء في اختصاص (المفاعلات النووية) من جامعة باريس السادسة, وحصل عام 1991 على دبلوم دراسات معمقة في الاختصاص نفسه, وهو باحث في مركز الدراسات النووية في جامعة باريس السادسة منذ العام 1995, وعمل كمهندس باحث في مركز الدراسات النووية في المعهد الوطني للعلوم (فرنسا), كما انه عضو في الجمعية الفرنسية للوقاية من الاشعاعات. الدكتور علي اسعد الذي غادر لبنان عندما كان في الثامنة عشرة من عمره, بعد انتهائه من دراسته الثانوية, عاد اليه جثة مسجاة لتوارى الثرى وسط فاجعة عائلية ووطنية اصابت الجميع, خاصة ذويه واشقائه الثلاثة: منير, نبيل, وكريم, وشقيقتيه منى وعليا. ذكريات سفير سفير لبنان السابق في باريس ناجي ابو عاصي, حضر مناقشة الدكتوراه التي نالها د. اسعد امام لجنة من سبعة دكاترة في جامعة دورسي قبل عامين, وهو يروي لــ (البيان) انطباعاته عن اسعد في ذلك الوقت: (كان بارعا) في المناقشة, ولاح تفوقه في رده على اسئلة الدكاترة. حتى انه صحح سؤالاً منها, مما دفع مناقشيه الى ابداء الاستحسان. وتولى احدهم في النهاية توجيه سؤال استهله, قائلا: (سؤالنا هذا لا نملك عليه جوابا كلجنة فاحصة) . عندئذ قدم أسعد مشروع جواب مقبولا علميا) . ويضيف السفير أبو عاصي: (كان علي أسعد منكبا على علمه وفي غاية التهذب, وجاء الى فرنسا بعد ان تلقى دروسه الثانوية في بيروت, واستهل تخصصه الجامعي في الجامعة الامريكية, وكنا في السفارة على تواصل دائم معه ونحرص على دعوته الى كل حفلات الاستقبال التي نقيمها. وكان يفكر في العودة الى الوطن عندما تتاح له الفرصة, علما ان اختصاصه في الطاقة النووية لا وجود له في لبنان) . ويختتم ابوعاصي قائلا: (ان المطلوب انتظار التقرير الطبي الفرنسي قبل اطلاق الاحكام) , لافتا الى ان (اسعد كان في بداية مشواره العلمي, ولم يكن يعمل في مؤسسة عسكرية لتأمين حماية له, علما انه ليس كل عالم في فرنسا يتمتع بالحماية) . آراء حول الحدث من جهته يوضح رئيس رابطة الجامعيين اللبنانيين خريجي الجامعات الفرنسية الدكتور وليد عربيد: (ان اختصاص د. أسعد محصور بنخبة قليلة, باعتبار ان هذا الحقل العلمي يمثل مجالا محدودا وشروطه قاسية أمام الطلاب, ورحيل أسعد المبكر وقبله رمّال رمال الذي كان بين أول مائة باحث في فرنسا, يمثل خسارة ويثير تكهنات, وخصوصا انهما يعملان في حقل علمي متقدم تحوطه الخشية من انتقال أسراره الى خارج الدول المتقدمة. وقد شهدنا كم كان الاهتمام واسعا بانتقال أسرار التكنولوجيا النووية الى الهند وباكستان, ومازال هذا الأمر يتفاعل) . ويبدي د. عربيد حزنه على وفاة أسعد (استنكارا مبدئيا لاحتمال ان تكون الوفاة غير طبيعية) , مؤكدا (ضرورة حماية الطاقات اللبنانية في فرنسا نظرا لأهميتها على الساحة العلمية الفرنكوفونية) . مصادر أكاديمية لبنانية بارزة رفضت الكشف عن اسمها, قالت لـ (البيان) انه (يجب ان نضع في الحسبان ان هناك نفوذا للموساد الاسرائيلي في أوروبا, إذ يقوم في صورة منظمة باحصاء الطاقات العلمية العربية ودرس تأثيرها في السباق العلمي بين اسرائيل والعالم العربي. كما ان نشاط (الموساد) يصل الى داخل المؤسسات العلمية الاوروبية, ويتلقى البحاثة العرب تأثيراته من دون معرفة هويته) . وأشارت الى (ان الفرق بيننا وبين اسرائيل, اننا نعمل وفق طاقاتنا الفردية وننجح كأفراد, ولكننا نبقى معزولين عن الوطن, في حين ان اسرائيل تعمل وفق جهد عظيم منظم, واذا ظهرت طاقة علمية عندها احيطت بجهد جماعي يعرف ان يستفيد منها ويحميها) . ويقول أمين عام (لجنة حسن كامل الصباح الوطنية) سعيد الصباح ان (الدكتور علي أسعد عالم جديد من علمائنا المتفوقين الذين امتدت اليهم يد الموت لتخطفهم وهم في ذروة عطائهم العلمي, لقد توفي د. اسعد في ظروف غامضة, علما انه كان في صحته وعافيته التامتين بما يثير التساؤلات والشكوك حول ظروف الوفاة, بل يبلغ الشك حد اتهام الاجهزة الصهيونية بقتل العالم الفيزيائي الشاب, إذ لتلك الاجهزة باع طويل في هذا المجال, نذكر اقدامها على اغتيال العالم النووي المصري يحيى المشد الذي اغتاله جهاز الموساد, مع سواه من علمائنا العرب. ونذكر ايضا الظروف الغامضة التي توفي فيها العالم المخترع حسن كامل الصباح في 31 مارس عام ,1935 والعديد من العلماء الفيزيائيين الذين خططت الصهيونية لقتلهم, قبل قيام الكيان الصهيوني في فلسطين, وبعد ذلك فلطالما طرحت علامات الاستفهام حول وفاة بعض هؤلاء العلماء, ونذكر منهم ايضا الدكتور يوسف ابوالخدود, والعالم الفيزيائي الدكتور رمال حسن رمال, وعالم الرياضيات الدكتور عبدالرحيم يونس) . ويختتم الصباح قائلا: (حري بنا ازاء كل الادمغة المبدعة التي تتفجر مواهبها خارج الوطن, ان تشكل لنا حافزا على اقامة الصروح العلمية الشامخة ومراكز البحث العملاقة لنصبح أمة متقدمة بين سائر أمم الأرض. عندما يقضي عبقري من عباقرة العلم من أبناء بلادي في الخارج, إما بمؤامرة صهيونية أو بوفاة طبيعية, فإننا نسارع الى تدبيج المقالات واقامة حفلات الرثاء والتباري في القاء الخطب الرنانة. لكن واجبنا أولا وأخيرا, ان نعمل من أجل نهضة علمية معاصرة, وبذلك نفي علماءنا المبدعين بعضا من حقوقهم. وفي الاطار نفسه, يعلق الاعلامي رضوان عقيل على وفاة د. أسعد قائلا: (في جامعات الغرب ومعاهده المئات من اللبنانيين من أمثال أسعد, والارجح ان وزارة الثقافة والتعليم العالي والمجلس الوطني للبحوث, لا يعلمان عنهم شيئا, واذا علما فلماماً, والمؤسف ألا نتعرف على طاقاتنا العلمية في الخارج الا عندما تعود الينا في نعوش) . بيروت ــ وليد زهر الدين