تراوحت كلمتان للزعيمين السودانيين المعارضين محمد عثمان الميرغني والصادق المهدي الى حل سلمي لازمة بلادهما مقرونه بهجوم على حكومة الخرطوم , كان أقل حدة في خطاب المهدي, وكان الزعيمان قد القيا كلمتيهما خلال اجتماع لزعماء المعارضة السودانية تم الليلة قبل الماضية في القاهرة افتتحه الدكتور يوسف والي الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر. فيما يلي الفقرات الرئيسية من نص الخطابين اللذين تحصلت عليهما (البيان) وتنشرهما في اطار حرصها على التوثيق للخطاب السياسي السوداني في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ هذا البلد. خطاب الميرغني هذا اللقاء يمثل خطوة ايجابية في اطار التشاور والتفاكر ودعم العمل المشترك, وفرصة طيبة لإطلاعكم على مجريات الأمور وتطوراتها في ساحة العمل الوطني السوداني, وذلك قناعة منا أنكم تهتمون بمجريات هذه الأمور وتداعياتها, ليس على الساحة السودانية وحدها بل على ساحة العلاقات الاقليمية والدولية وبصفة خاصة على العلاقات السودانية المصرية. ظلت الشقيقة مصر بقيادة الرئيس محمد حسني مبارك الحكيمة حريصة على استقرار السودان وأمنه وسلامة شعبه وأرضه, ودور مصر هو دور المشارك الأصيل في كافة مايهم أهل السودان وذلك في اطار المصالح المشتركة لشعبي وادي النيل, التي تتميز بخصوصية المنشأ والتواصل والمصير الواحد. لقد ظل التجمع الوطني الديمقراطي يسعى بكل السبل لإيجاد حل ناجز للمشكلة السودانية, وسلك كل الطرق الممكنة والمتاحة, داخلياً وخارجياً, لتجنيب البلاد ويلات الحرب والانقسام والتطاحن بعد أن وصلت أحوالها الى درك سحيق من المعاناة, ووصلت علاقاتها مع الاشقاء الى قطيعة وعزلة تامة كانت نتيجتها ما نراه ماثلاً أمامنا اليوم. على صعيد العمل الداخلي توحدت ارادة أهل السودان تحت مظلة التجمع الوطني الديمقراطي, وظلت جماهير الشعب السوداني تبحث عن الخلاص عبر نضال يومي شاق ومثابر, تحت وطأة أدوات القمع والقهر والتجبر التي ظل النظام يتحصن خلفها, وحاولت القوى الوطنية بالداخل ان تجد حلاً سلمياً للأزمة المستفحلة, فخاطبت قيادات التجمع الوطني الديمقراطي بالداخل النظام مرتين عبر مذكرتين شهيرتين في 10 يونيو 1996م و29 ديسمبر 1998م, ولكن النظام أبي وتجبر وأصم أذنيه عن سماع صوت الحكمة والعقل. على الصعيد الاقليمي فشل النظام في اظهار أي نوايا ايجابية تجاه ما طرحته مبادرة (الايقاد), كما ان مبادرات الحل السلمي التي طرحتها العديد من الدول الشقيقة كان مصيرها الرفض التام من قبل النظام, كذلك واصل النظام سياسات التجبر وعدم الاهتمام بما أبدته المنظمات الاقليمية والدولية بشأن انتهاكات حقوق الانسان بالسودان. لقاءاتنا مع الاخوة المسؤولين في مصر تأتي اعمالاً للمبدأ الثابت والمنهج الراسخ في اعتبار الشقيقة مصر شريكاً أصيلاً في الهم السوداني الوطني. لقد اثبتت التجربة ان التعامل مع النظام القائم في الخرطوم أمر يتسم بقدر كبير من فقدان الثقة وعدم المصداقية من جانب النظام, فهذا النظام بدل جلده وغير منهاجه أكثر من مرة, ولم يكن ذلك استقبالاً لواقع جديد يسمح بتوفير مناخ صالح للتفاكر بشأن أحوال البلاد بغية اصلاحها, كما لم يكن تعاملاً عقلانياً مع المستجدات المتتالية داخلياً وخارجياً, بل كان فقط لمجرد شراء وقت يسمح له بالانحناء للعواصف المحيطة به, والمخاطر الحقيقية التي تواجهه, ريثما يلتقط أنفاسه ليعود مجدداً لما جبل عليه من ممارسات مضرة بالسودان وأهله وبعلاقاته الاقليمية والدولية. ان ما يبديه النظام حالياً من رغبة في اجراء حوار وطني يهدف الى ايجاد حلول للمشكل السوداني, أمر أقره التجمع الوطني الديمقراطي ونادى به كمخرج للبلاد من أزمتها, قبل ان ينادي به النظام تحت وطأة النهوض الشعبي المتنامي, والضغط العسكري الذي أصبحت مبادرته بيد قوات التجمع الوطني الديمقراطي. ان موقف التجمع الوطني الديمقراطي من النظام ثابت, وخياراتنا محددة فالصدام الذي اتخذناه سبيلاً للخلاص كان استجابة لدعوة النظام للنزال, وان جنح النظام للسلم فقد ظللنا نردد دائماً نعم للسلم, لأن السلم خير من الحرب, والسلم الذي نقصده يعني تفكيك النظام لصالح دولة السودان الوطنية الديمقراطية. في ظل واقع السودان الماثل أمامنا ومواصلة لجهود التجمع الوطني الديمقراطي من أجل ايجاد حل دائم وعادل للمشكل السوداني برمته, ووضع حد لمعاناة مواطنينا في السودان, واستشعاراً لمسؤولياتنا الوطنية عقدت هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي اجتماعاً هاماً بالعاصمة الاريترية أسمرا في الفترة ما بين السابع والرابع عشر من يونيو الماضي وتمت في ذلك الاجتماع مناقشة كافة التطورات التي تمر بها قضية أهل السودان, وقد توصل الاجتماع الى قرارات محددة تؤكد على أهمية مواصلة نهج التجمع الوطني الديمقراطي في البحث عن حل للأزمة السودانية عبر جميع الوسائل والخيارات التي اعتمدها التجمع بغية الوصول الى سلام دائم وشامل. ننتهز هذه الفرصة لنعرب عن عظيم تقديرنا للدور الرائد الذي ظل يضطلع به الرئيس محمد حسني مبارك, في مؤازرة قضية أهل السودان العادلة, ونرحب بسعيه لجمع الفرقاء (التجمع الوطني الديمقراطي ونظام الخرطوم) الذي يهدف لإيجاد حل سياسي شامل للمشكل السوداني. خطاب المهدي استهل المهدي كلمته بتوجيه تحية لمصر والرئيس مبارك والدور الشخصي الذي ظل يلعبه الدكتور يوسف والي على الاهتمام بقضية الشعب السوداني العادلة, وقال المهدي موجها الحديث للدكتور والي: انتم كأشقاء تقتسمون معنا كل شيء ويهمكم ان ينتقل شعبنا من هذه الحافة التعيسة الشقية إلى خانة تليق بشعبنا الذي نال الشقاء. مشاكل السودان كبيرة وكثيرة وهي مشاكل بناء أمة وبناء دولة وقضايا تنمية وعمران وهي مشاكل واجهت البلاد النامية بعد نيل الاستقلال, باعتبارها مشروع بناء قومي لم يكتمل ومشروع تنمية لم يكتمل وكان المتوقع ان يسمح للديمقراطية ان تخطىء وتصيب إلى ان تبلغ العلا لكن المناورات والمغامرات العسكرية زجت ببلادنا في مغامرات سببت لها ما تعانيه الان. ان النظام الحالي لم يخلق مشاكل السودان الحالية لكنه عمقها تعميقا بلغ بها ان وضع السودان في خانة ان يكون أو لا يكون, وتطلع النظام لاجندة غريبة على المنطقة وغريبة على السودان واورث السودان هذه الحالة وفي المقابل استطاعت القوى المعارضة بقيادة التجمع الوطني الديمقراطي أن تواصل مناقشة قضايا الشعب السوداني الاساسية وان تصل إلى حلول لمشاكل التنوع الديني والعرقي والثقافي وقضايا الحكم والتنمية إلى آخر هذه الحلول التي يرجى ان تكون السبيل لحسم مشاكل السودان, وهي ذات الحلول التي لجديتها سيطرت على الشارع السوداني بل سيطرت على لغة النظام نفسه حيث بلغت من القوة والوضوح والصواب درجة عالية. الموقف الان مازال محتقنا حيث تلج البلاد مرحلة جديدة هي مرحلة ان يكون السودان أو لا يكون, وهي مرحلة بلغت فيها المعارضة شأوا بعيدا لكن المشاكل الانسانية التي خلفتها مآسي الحرب جرت البلاد إلى مرحلة التدويل والتمزيق حيث ان هناك مشروعات حلول جزئية قائمة لذلك فان الموقف محتقن وان واحدة من هذه الحلول ستتحقق ان كان حلا صائبا أو مشوها لذلك فنحن وانطلاقا من هذا الواقع نرحب بكل محاولات اشقائنا للتوسط في الشأن السوداني خصوصا واننا الان مشتبكون اشتباكا سياسيا حيث ان الكلام عن حلول سياسية زاد ايضا من المواجهات العسكرية والسياسية في كل الجبهات مثلما زادت ايضا موجة الاعتقالات والمطاردات التي تجري في الداخل في كل مكان كجزء من هذا الاحتقان. السودان وجيرانه كثر يتطلع ان يلعب دورا هاما في ايجاد حل سياسي لهذه المنازعات وان لمصر دورها التاريخي والحاضر والمستقبل في مساندة الشعب السوداني, وقال ان كل ما نطلبه ان يكون الدور المصري متكاملا مع جيراننا الاخرين ليكون حل المشكلة السودانية نموذجا للمنطقة العربية والافريقية وحتى تكون دول شمال النيل وجنوبه اسرة واحدة, وبوتقة واحدة في مناخ عولمة فيه للاسرة الدولية دور اساسي. واضاف نحن نتطلع لهذا الدور المصري مصطحبا معه هذه الكيانات من جيراننا والاسرة الدولية لنبلغ الضمان للمستقبل وحيث ان هذه المعاني لاشك انها موجودة في الاجندة المصرية وهي تتقدم لخطوة اساسية تعقبها محطات تشمل الاجراءات التمهيدية وتأكيد مبادىء الحل الشامل الذي يحقق السلام والاستقرار وحسن الجوار. الثقة كبيرة في امكانية ايجاد مثل هذا الحل السياسي العادل خاصة وان التجمع الوطني قد كسب معركته الفكرية والسياسية وهذه الخطوة لا نسميها وفاقا سياسيا أو مصالحة بل نسميها حلا سياسيا لانها محصلة نهائية لكل الصراعات الموجودة في الساحة الاقليمية والدولية. المعارضة السودانية قادرة بمزيد من المثابرة والجدية ان تصل إلى حل سياسي عادل لتدخل البلاد إلى مرحلة جديدة تطبق فيها كل السياسات والبرامج التي تم الاتفاق عليها. القاهرة ــ حسن الحسن