يبدو القصر الملكي في العاصمة الاردنية عمان مقبلا على التعامل بجرأة مع ملف حساس وهام, هو ملف الوحدة الداخلية للمجتمع الاردني , في بلد سيصل عدد سكانه نهاية العام المقبل الى خمسة ملايين نسمة, ويعتبر مراقبون على رفعة في المستوى ان من بين الملفات الماثلة في مخيلة العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني, ملف الاردنيين على تنوع اصولهم ووجود حالة من (الطبقية العرقية) التي أرسل القصر الملكي الاشارة تلو الأخرى ضدها. في عمّان, حيث بدأ الملك عبدالله مهماته الدستورية في السابع من فبراير الماضي, تبدو الاجواء السياسية, ساخنة للغاية أمام جملة تحولات يهدف الى تحقيقها الملك عبدالله, وليس غريبا ان يعتقد كثيرون ان العام الاول للملك الجديد سيكون حاسماً في تأهيل الداخل الاردني من جهة, واعادة انتاج العلاقة الخارجية من جهة اخرى. وخلال السنوات العشر القليلة في الاردن سادت مصطلحات في الساحة الاردنية, حاملة دلالات عدة, كان عوام الاردنيون يختلفون في تفسيرها, ففي الاردن هناك تنوع واسع من حيث الاصول, اذ يوجد تقريبا خمسين بالمئة من الاردنيين من أصول فلسطينية, بالاضافة الى خمسة بالمئة تتنوع اصولهم ما بين اردنيين من اصل سوري أو لبناني او حجازي أو قفقاسي/ شركسي, ويعد هذا التنوع سبباً في ثراء الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي, الا ان ذات الثراء افرز ظاهرة سلبية وتحديدا منذ احداث أيلول الدامية عام 1970 التي اصطدمت فيها المنظمات الفلسطينية مع الجيش الاردني, في محاولة للتقول على السلطة في الاردن, الا أن ذات الاحداث التي زالت, تركت عدة اثار أبرزها اغلاق شبه نسبي في القطاع السياسي والنيابي والدبلوماسي والامني على الاردنيين من غير الاصول العربية الاخرى, في حين انهمك الاردنيون من اصل فلسطيني, في العمل بالقطاع الخاص داخل الاردن أو توجهوا نحو دول الخليج. في ظل هذا المناخ الذي سيطرت عليه خطيئة أيلول من جهة, والتي استغلها كثيرون خلال الثلاثين سنة الماضية, لدوام ما يسمى (الطبقية العرقية) أو ما يسمى (التقاسم الوظيفي) في الاردن على حد وصف الدكتور عبدالسلام المجالي رئيس الوزراء الاردني السابق الذي خاطب احد الاردنيين من اصل فلسطيني بقوله.. (لنا الأمارة ولكم التجارة). وعلى حد قول وزير اردني رفيع المستوى, فان مصطلحات عديدة سادت تثير التساؤلات, فلماذا يكثر السياسيون والاعلاميون والاقتصاديون من استخدام وصف.. (الاسرة الاردنية الواحدة) أذ لو كانت (واحدة) فالاصل عدم استخدام هذا التوصيف, ولماذا يقال.. (الاسرة الاردنية من شتى الاصول والمنابت) .. وكأن المقصود تذكير الاردنيين باصولهم وتقسيماتهم العرقية. ووفقاً لمعلومات رائجة في عمّآن عن مصادر رفيعة فأن الملف الداخلي الاردني مفتوح بحساسياته, والملك يرغب بتأهيل هذا الداخل لانتاج مجتمع اردني, لا ضغائن تحكمه ولا مشاعر بالتمييز تسوده, ومن العدل هنا القول ان الملك يهدف الى خلخلة كاملة للنسق الاجتماعي بحيث تزول (الطبقية العرقية) , وحالة (التقاسم الوظيفي) تماما ويتم فتح المؤسسات الرسمية المدنية والعسكرية امام الاردنيين من اصل فلسطيني, وخصوصا, جماعة عام 67 من جهة, ومن جهة اخرى. فتح القطاع الخاص امام شرق الاردنيين الذين يعانون كذلك من استئثار الاردنيين من اصل فلسطيني بهذا القطاع وجعله مغلقاً عليهم, اذ ان هناك حالة توازن ينشدها القصر الملكي اراء جميع المواطنين فلا تبقى مثلا وزارة الخارجية مغلقة على اصل بحد ذاته او وزارة الداخلية, وأن يبقى من جهة اخرى ذلك المصرف الشهير أو المصنع مغلقاً على اصل بحد ذاته, ويقول مراقبون ان الملك في حال نجاحه بخلخلة قاعدة (لنا الامارة ولكم التجارة) بحيث تصبح (التجارة والامارة لمن يجتهد اكثر) , فان الاردن سيدلف الى القرن الجديد موحدا على ارض الواقع, وقويا, بحيث تعم المنافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مختلف الاردنيين, وبحيث يكون القصر الملكي رمزاً لهذا التوحد. ومن جانب آخر, فان الرافضين والمتهربين من اي شكل وحدوي فقبل بيع الاردن والضفة الغربية, لاسباب انعزالية مجردة, يدركون ان اقدام الملك على خلخلة (الطبقية العرقية) سيقود كنتيجة حتمية على تهيئة الاردن, لشكل وحدوي مقبل لامفر منه من حيث المبدأ. لمن.. المستقبل؟ في هذا الصدد فإن المؤكد ان القصر الملكي في عمّان خلال العامين المقبلين ووفقاً لمعلومات موثوقة سيقوم بعملية غربلة للنخبة الاردنية من مختلف اصولها اذ ان المستقبل السياسي او الاعلامي او الاقتصادي وحتى الاجتماعي او النيابي هو للاشخاص او الحالات ذات اللون التوحيدي في حين ان الشخصيات الانعزالية الاردنية اكان اصلها من الضفة الشرقية أو حتى الضفة الغربية, والبارزة سياسيا او اقتصاديا ستغيب تدريجيا عن مسرح الحدث الاردني, اذ ان الملك سينبذ الانعزاليين ايا كان اصلهم. عمان ــ ماهر أبوطير