شهدت القارة الافريقية سبعة حروب وصراعات اهلية في عقد التسعينات في حين انه في الفترة منذ منتصف الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات, لم تتجاوز الحروب الاهلية وحالات التطهير العرقي والمذابح الجماعية في القارة تسع حالات . وادت هذه الصراعات الى انهيار دول افريقية مثل الصومال ورواندا وتهديد دول اخرى بنفس المصير مستقبلاً وألقت بظلالها القاتمة على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تزداد مأساوية. ومع ادراك الافارقة ان التدخلات الاجنبية في شؤون القارة ادت الى تفاقم الصراع وازدياد حدته, بدأت الدعوة الى حل المشاكل الافريقية في اطار افريقي وعدم السماح بالتدخل الاجنبي في شؤون القارة, فتم انشاء آلية فض المنازعات التابعة لمنظمة الوحدة الافريقية لمنع وادارة وتسوية الازمات الافريقية. استطلعت (البيان) آراء اساتذة السياسة وخبراء الشؤون الافريقية حول تصوراتهم لمواجهة الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا, ووسائل لتسوية هذه المنازعات بالطرق السلمية. التدخل الانساني يشير الدكتور احمد الرشيدي الاستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة, الى ان فكرة التدخل الانساني كآلية لتسوية المنازعات والحروب اصبحت فكرة معمولاً بها على الساحة الدولية مثلما حدث في الصومال الا ان هناك الكثير من الجدل بين المؤيد والمعارض للتدخل الانساني. ويضيف ان المؤيدين يرون انه يندرج ضمن صور التدخل التي يشملها احد الاستثناءات الثلاثة التي ترد على مبدأ عدم جواز استخدام القوة او التهديد باستخدامها في نطاق العلاقات الدولية, المتبادلة.. حيث وردت الاشارة الصريحة لهذه الاستثناءات في نص المادة (51) من ميثاق الامم المتحدة:(ليس في هذا الميثاق ما يضعف او ينقص الحق الطبيعي للدول فرادى او جماعات في الدفاع عن نفسها اذا اعتبرت قوة مسلحة على أحد اعضاء الامم المتحدة. ويرى ان هذا الرأي يوسع من مفهوم الدفاع الشرعي ليجعله يمتد ليس فقط للتصدي للعدوان المسلح الذي قد تتعرض له الدولة وانما يشمل ايضاً حق هذه الدولة في اتخاذ الاجراءات اللازمة ومنها التدخل للدفاع عن حقوق مواطنيها في الخارج والتي قد تكون محلا للانتهاك بشكل متعمد وعلى نطاق واسع) . ويؤكد المؤيدون ان مبدأ التدخل الانساني لا يتعارض مع حق الدولة في السيادة الوطنية على اقليمها خاصة عندما يكون هذا التدخل بهدف انقاذ شعوب هذه الدول ومنع الأخطار النابعة منها حتى لا تمتد الى الدول المجاورة وكذلك عند انتهاك حقوق الانسان والحريات الأساسية واصرار المجتمع الدولي على التصدي للجرائم التي ترتكب ضد الانسانية كالمذابح الجماعية وسياسات التطهير العرقي, بالاضافة الى ذلك لا ينطوي التدخل الانساني على تهديد السلامة الاقليمية للدولة ووحدة اراضيها ولا يعد تدخلاً في الأمور الداخلية للدول. ويشير الى وجود اتجاه معارض لمبدأ التدخل الانساني يرى ان الأصل في العلاقات الدولية هو عدم التدخل, لان التدخل يمثل تهديداً للسيادة والسلامة الاقليمية للدولة وهذه المبادئ لا يجوز البت فيها. ويرى ان التطورات الحالية في المجتمع الدولي مثل الاعتماد المتبادل والتقسيم الجديد للعمل وثورة المعلومات والاتصالات فرضت اعادة النظر في مبدأ عدم التدخل وبدأ المؤيدون للتدخل يتحدثون عن نهاية سيادة الدولة ويطرحون بدلاً منها السيادة المشتركة للمجموع وتجاهلوا كل الخصوصيات الثقافية والوطنية والحضارية التي تعد اثراء حقيقياً للحضارة الانسانية وينبغي التمسك بها لأننا مهما سلمنا بالتطورات الجديدة فإنه لا ينبغي ان نتجاهل الخصوصيات الاقليمية و الوطنية والقومية. ضوابط وشروط ويؤكد الدكتور الرشيدي ان التدخل الانساني المقبول ينبغي ان تتوافر له ضوابط معينة, فلا يتم الا بعد انتهاء المفاوضات واستنفاد كل الوسائل السلمية للتسوية والا يتم التدخل الا كبديل اخير واستثناء وليس قاعدة والا يكون انتقائياً فيحدث التدخل مثلاً في الصومال ولا يحدث في البوسنة. ويجب الا يكون التدخل فردياً او من جانب دولتين او ثلاثة وانما يكون معبراً عن رغبة المجتمع الدولي والا يصطبغ التدخل بصبغة سياسية كما حدث في الآونة الاخيرة لان هذا يسلب القاعدة الدولية صفتي العمومية والتجريد, ففي الصومال أخذت القوات الامريكية تطارد بعض القيادات الصومالية وقامت القوات الدولية بتعذيب المواطنين. ويدعو الدكتور الرشيدي الى ان يكون التدخل في الازمات الافريقية في اطار المنظمات الافريقية, وان يراعي الضوابط المستقرة التي تتعلق بهذا التدخل وان يحافظ على الدولة واستمرارها حتى لا يعيش المواطنون في فوضى. ويضيف ان قضايا الأقليات والجماعات العرقية في افريقيا يجب ان تعالج من خلال مدخل حقوق الانسان, وليس من خلال مدخل حقوق الاقليات الذي يتحدثون عنه في الغرب, والذي يعطي الأقليات الحق في الانفصال, لاننا لو سمحنا للجماعات العرقية بالانفصال لانهارت معظم الدول الافريقية, وانما يجب علينا أن نطالب الدول الافريقية بمعاملة مواطنيها على قدم المساواة وعدم التمييز بينهم. ويطالب بالاستفادة من فكرة الدبلوماسية الوقائية اي معالجة أسباب الصراعات قبل وقوعها بكل صراحة ووضوح وكذلك الاستفادة من المؤسسات القائمة مثل جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الافريقية والتي تضمن مواثيقها قدراً كبيراً من حرية الحركة بدلاً من التفكير في تعديل المواثيق لان القدر الموجود كاف ومناسب. التدخل في الصومال ويشير الباحث أيمن السيد شبانة الى تجربة التدخل الانساني في الصومال من جانب الامم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية فيقول: تكلفت مهمة الامم المتحدة في الصومال نحو 2.1 مليار دولار, في حين تكلفت عملية الولايات المتحدة 2 مليار دولار رغم اقتصار نطاق هذه العملية على 40% من الاراضي الصومالية.. مشيراً الى ان معظم هذه المبالغ انفق على العمليات العسكرية ولم ينفق الا مبلغ ضئيل على التنمية ومشروعات اعادة بناء المؤسسات. ويرى ان تجربة التدخل الانساني في الصومال تشير الى نجاح الأمم المتحدة في وقف المجاعة التي فتكت بحياة 350 الف صومالي خلال عامي 91/,1992 وساهمت في تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين فانخفضت نسبة الوفيات في عام 1993 في مقابل وفاة 250 الف طفل عام ,1992 وانخفاض نسبة الاصابة بامراض سوء التغذية بين الاطفال الى 20% في عام 1993 في مقابل 60 الى 80% عام 1992 كما زاد عدد الاطفال في المدارس الى 70 الف طفل بعدما دمرت الحرب معظم المدارس في البلاد, بالاضافة الى ذلك نجحت الامم المتحدة في توفير جواً آمن من خارج مقديشيو, الامر الذي سمح بعودة المزارعين الى ممارسة نشاطهم والتقليل من الآثار السلبية للمجاعة, واستئناف بعض الانشطة التجارية في اغلب مناطق الصومال, واعادة فتح بعض المطارات في الاقليمين الاوسط والجنوبي. ويضيف قائلاً ومن ناحية اخرى رصدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين 5.4 ملايين دولار لدعم اكثر من 250 مشروعا للمهجرين الصوماليين بجانب بعض الهياكل الرئيسية في الدولة مثل اعادة افتتاح المحاكم الصومالية وتقوية قوة الشرطة وانشاء مجالس محلية. ويحصر اهم الانتقادات التي وجهت الى التدخل الانساني في الصومال في ان التدخل الدولي في الصومال لم يكن تدخلاً انسانياً خالصاً وانما كان له دوافع خفية ترتبط بمصالح الدول المتداخلة فالولايات المتحدة كانت ترغب في تأكيد تبلور نظام عالمي جديد تنفرد بادارته بالاضافة الى الحفاظ على مصالحها في الصومال التي تقع بالقرب من مضيق باب المندب وبلدان الخليج وطرق مرور النفط, ومن ناحية اخرى جاء التدخل متأخراً لمدة عامين تقريباً على اندلاع الصراع في الصومال وجاء اساساً كرد فعل للمبادرة الامريكية بالتدخل في الصومال, ولم يكن التدخل نتيجة لطلب السلطات الصومالية حيث لم تكن هناك حكومة صومالية في ذلك الوقت بعد سقوط نظام سياد بري هذا بجانب تضارب مصالح الدول المتدخلة وعدم التنسيق بينها وعدم التحديد الدقيق لمهام القوات المتدخلة وهذا ساعد على انحراف هذه القوات عن مهامها المعلنة واتجاهها لفرض السلام بالقوة على الصوماليين وبالتالي تورطها في الصراع. ويؤكد ان هذا التدخل افقد كل من الامم المتحدة والولايات المتحدة مصداقيتها وأصبحتا غير قادرتين على الدفاع عن سياستهما في الصومال او حتى عن المظلة الأخلاقية التي تم التدخل في الصومال تحت شعارها.. استعادة الامل .. مشيراً الى ان التدخل كان احد العوامل التي ادت في بعض المراحل الى ازدياد العنف والقتال بين الفصائل الصومالية من ناحية وبينها وبين قوات الامم المتحدة من ناحية اخرى وهذا يفسر اصدار الرئيس كلينتون في ابريل 1994 توجيهات تقضي بتخفيض حجم المشاركة الامريكية في التدخلات الانسانية المسلحة في المستقبل, ويفسر ايضاً تردد الامم المتحدة وتشاؤمها ازاء احتمالات التدخل في الحروب الأهلية فيما بعد. المصالح الاقتصادية ويشير الدكتور عادل سيد عبدالرازق الاستاذ بمعهد البحوث الافريقية بجامعة القاهرة, الى ان الصراعات والحروب الاهلية الناجمة عن المواجهات القبلية والعرقية ليست ظاهرة جديدة, وانما هي امتداد لما شهدته القارة الافريقية منذ الاستقلال وعصر الحرب الباردة.. موضحاً ان الحروب الاهلية تزايدت حدتها وعددها وكثافة انفجارها في التسعينات مقارنة بالسنوات الثلاثين السابقة. ويوضح انه منذ منتصف الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات لم تتجاوز الحروب الأهلية التي وقعت في القارة بالاضافة الى حالات التطهير العرقي والمذابح الجماعية تسع حالات لكن منذ بداية التسعينات ومع التحولات التي حدثت في النظام الدولي انفجرت نحو سبع حالات من الحرب الاهلية الطاحنة بعضها كان استمرارا لحروب سابقة لكن بشكل اشد مثل السودان وموزمبيق, او استئنافاً لها في شكل جولات جديدة اكثر خطورة مثل انجولا وبوروندي كما انفجرت حالات جديدة طاحنة في ليبيريا والصومال فضلاً عن الحرب المأساوية في رواندا. ويؤكد ان افريقيا حظيت بحوالي نصف عدد الحروب الاهلية في العالم وأشدها ضراوة موضحاً ان هذا شكل ضغطاً على كامل كافة القوى الافريقية الراغبة في حفظ السلام وجعل الامكانات والاجهزة القارية والاقليمية الفرعية عاجزة عن التصدي لتلك الصراعات. ويضيف ان المجتمع الدولي كان ينبغي عليه التحرك خاصة ان هذه الصراعات واكبت عمليات التحول الاخيرة في النظام الدولي من جهة, وانها تؤدي الى فوضى واضطراب في العلاقات الدولية بشكل عام وتؤثر على الدول الافريقية وأوضاعها الأمنية خاصة بحكم الطبيعة القبلية التي تتميز بها غالبية دول القارة. ويشير الى أن تدخل القوى الأجنبية في افريقيا كانت تحكمه الاعتبارات الايديولوجية والاستراتيجية والجيوبوليتكية لكن الاوضاع تغيرت الآن ولم يعد يحكم عمليات التدخل من جانب المجتمع الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة سوى الاعتبارات الانسانية واعتبارات المصالح الاقتصادية التي لم تتعرض لتهديد حقيقي بعد اختفاء القوى الشيوعية من القارة, لكن حالات الحرب الاهلية على النمط الافريقي تشكل تحدياً مباشراً للسلام والاعتبارات الانسانية, وتهديدا للمصالح الاقتصادية الوطنية والأجنبية وتنذر بخروج القارة من دائرة السيطرة الاقليمية والدولية, ويرى ان الاستجابة الدولية والتضامن الدولي مع افريقيا لم يكن بالقدر اللازم للتصدي للصراعات والحروب الاهلية. آليات منظمة الوحدة الافريقية وحول دور منظمة الوحدة الافريقية في مواجهة الحروب الأهلية في افريقيا يقول الدكتور عادل عبدالرازق, ان سياسة المنظمة في هذا المجال اتسمت باحترام مبادئ ميثاق المنظمة واهمها عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة كل دولة عضو فيها واحترام الحدود القائمة وقت الاستقلال مشيراً الى ان هذه المبادئ مثلت الاستراتيجية العامة للمنظمة في مواجهة الصراعات السياسية داخل القارة. ويؤكد انه في ضوء هذه الاستراتيجية عملت آليات المنظمة على تسوية هذه الصراعات والحد من تفاقمها, ممثلة في السلطات التي خولها ميثاقها لمؤتمر رؤساء الدول للحكومات ومجلس الوزراء والأمين العام وآلية منع وادارة وتسوية النزاعات الافريقية التي انشئت في مؤتمر القمة الافريقية التاسعة والعشرين بالقاهرة في يونيو 1993 بهدف رصد ومنع النزاعات الافريقية ونشر قوات حفظ السلام بأعداد محدودة اذا تطلبت الظروف ذلك. ويشير الى ان المنظمة استطاعت تشكيل قوة افريقية لحفظ السلام في تشاد, ونجحت في وقف القتال وتهدئة النزاع بين الاطراف المختلفة موضحاً ان دور المنظمة تم تحجيمه بعد ذلك نتيجة استقطاب اطراف الصراع المحلية لاطراف دولية تمثلت في فرنسا وليبيا فكانت فرنسا تساند حسين حبري وكانت ليبيا تساند عويض زعيم المعارضة, بالاضافة الى ضعف قدرات المنظمة المالية لاستمرار الانفاق على قوات السلام داخل تشاد ويرى ان المنظمة نجحت بعد ذلك في انشاء قوات امن افريقية من دول الجوار الاقليمي واستطاعت ايضاً انهاء النزاع بين تشاد وليبيا. اما بالنسبة لدور المنظمة في الأزمة الصومالية فيرى الدكتور عادل الرازق, ان دورها كان ضعيفا في بداية النزاع الصومالي في عام 1991 واقتصر على مطالبة الفصائل المتنازعة بإيقاف القتال والحفاظ على وحدة الصومال, لكن بعد فشل الامم المتحدة والولايات المتحدة الامريكية في ايجاد حل للازمة الصومالية شهدت نهاية عام 1993 تحولا واضحا في الموقف الدولي يقوم على اساس التوصل الى حل افريقي للمشكلة الصومالية, فصدر قرار منظمة الوحدة الافريقية بداكار في عام 1992 بتفويض اثيوبيا للسعي لحل الازمة الصومالية, وعقد الرئيس زيناوي مؤتمرا للوفاق الوطني بين الفصائل الصومالية انتهى باتفاق اديس ابابا الذي نص على تشكيل مجالس محلية واقليمية تمهيدا لاستعادة السلطة المركزية في الصومال واجراء انتخابات عامة بعد فترة انتقالية إلا ان الاتفاق فشل وتجدد الصراع. ويضيف ان المنظمة نجحت في اتفاق السلام الذي عقدته في نيروبي برعاية الامم المتحدة وضم كلا من علي مهدي وفارح عيديد في مارس 1994 في التوقيع على اتفاق لوقف اطلاق النار وبدء المصالحة الوطنية ويعد اتفاق نيروبي تتويجا لجهود منظمة الوحدة الافريقية التي اسفرت عن اعلان القاهرة في مارس 1994 الذي ضم اثنى عشر من قادة الفصائل الصومالية والذي وضع برنامج عمل لتسويق المشكلة الصومالية. ويؤكد ان آلية فض المنازعات الافريقية اولت القضية الصومالية اهتماما مكثفا بعد تقلص الدور الدولي وعقدت اجتماعا في اديس ابابا في مارس 1995 لمساعدة الاطراف الصومالية من اجل تشكيل سلطة صومالية لتحقيق الوفاق الوطني كذلك نوقشت القضية الصومالية في اجتماعات الدورة الاستثنائية لوزراء الخارجية الافارقة بالقاهرة في نفس العام. ولا تزال المنظمة تسعى لجمع شمل الفصائل الصومالية.. فقد ناشد مؤتمر القمة الافريقي الذي عقد في اوجادجو في بوركينا فاسو في يونيو 1998 وكذلك مجلس وزراء المنظمة الذي عقد في اديس ابابا في مارس 1999 المجتمع الدولي للقيام بدور اكثر فعالية لحل المشكلة الصومالية. قوة حفظ السلام ويشير الى وجود عوامل تحد من قدرة منظمة الوحدة الافريقية على تسوية الحروب الاهلية في افريقيا منها تعدد تلك الحروب والصرعات بصورة تكاد تشمل جميع اجزاء القارة وضعف الامكانات المادية للمنظمة والافتقار للكوادر العسكرية المدربة في اغلب دول القارة وهو ما لا يتلاءم مع الظروف السياسية والامنية للقارة الافريقية. ويقترح انشاء قوة حفظ السلام الافريقية التي دعت الى تشكيلها القمة الافريقية التاسعة والعشرون التي عقدت بالقاهرة في عام 1993 مؤكدا انها ستكون اكثر قدرة وتفهما على التعامل مع المنازعات الافريقية بحكم العوامل الجغرافية والسياسية والاجتماعية المشتركة بالاضافة الى انشغال قوات الامم المتحدة بالتعامل مع بؤر التوتر الدولية بما لا يمكنها من التعامل بفاعلية مع الصراعات والمنازعات الافريقية. ويؤكد ان قوة حفظ السلام الافريقية اصبحت ضرورية لايجاد حلول سلمية للنزاعات الافريقية في اطار منظمة الوحدة الافريقية خاصة بعد ان ثبت فشل التدخل الخارجي في ايجاد حلول لمشاكل القارة. ويطالب بدعم آلية فض المنازعات الافريقية بجميع الوسائل والامكانات المتاحة وان يقوم صندوق السلام الافريقي بتمويل الالية لتقوم بدورها في تسوية الصراعات والحروب الافريقية. اصلاحات ويشير الدكتور عبدالمجيد عمارة مستشار وزير الاعلام وباحث في الشؤون الافريقية الى بعض المقترحات لتخفيف حدة الصراعات السياسية والحروب الاهلية في افريقيا منها, اجراء تغييرات دستورية تسمح بالتنوع الاثني وتغير في النظم الانتخابية لتسمح بتمثيل كل فئات المجتمع بحيث تقضى على عدم الاستقرار السياسي شريطة ان تكون تلك الانتخابات نزيهة. كما يجب الاهتمام بالتعليم لانه من اكثر الوسائل ملاءمة لتعزيز التفاهم والتسامح مع الاثنى والتركيز على التوعية والتنوير في وسائل الاعلام لخلق الشعور بالهوية الوطنية وتجاوز الولاء القبلي, واتباع سياسة اقتصادية رشيدة تحقق التقدم والنمو الاقتصادي وبالتالي يتحقق الاستقرار والرفاهية الاجتماعية, ومن المهم ايضا فرض الحظر على امدادات السلاح او التعبئة العسكرية, والتأكيد على استخدام الوسائل السلمية في حل المنازعات من المساعي الحميدة, والتوفيق والتحكيم وتفعيل دور جهاز فض المنازعات بين الدول الافريقية, كما ينبغي تدخل المجتمع الدولي في الفصل بين القوات وحل المشاكل من خلال الطرق الدبلوماسية او الامم المتحدة. ويأتي احترام الاتفاقيات الخاصة بحماية اللاجئين وتوفير سبل الحياة لهم من قبل مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين, المهم ايضا يضاف لذلك ان الامن والسلام لن يتحققا إلا بجهود وحلول افريقية حتى يمكن للقارة ان تقف على قدميها وتحتل مكانتها بين قارات العالم وهذا يحتاج الى نضال متواصل لتحقيق صياغة قيم تحترم حرية الشعوب وتسهم في تقدمها في ظل حضارة انسانية راقية على اعتاب قرن جديد. الاسباب الحقيقية ويؤكد الدكتور ابراهيم نصر الدين وكيل معهد الدراسات والبحوث الافريقية بجامعة القاهرة, على خطورة ظاهرة الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا, سواء من حيث نطاق انتشارها او من حيث نتائجها المأساوية على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والانسانية. ويشير الى ضرورة مواجهة الاسباب الحقيقية للصراعات والحروب الاهلية في افريقيا وخارجها في تحقيق هذا الهدف موضحا ضرورة وجود اطار سياسي ملائم يسمح بمشاركة عادلة لكافة الجماعات الاثنية والاقليمية والدينية وغيرها في صنع القرار الوطني مع وجود ضمانات كافية لحماية معتقدات هذه الجماعات وثقافتها ونظم حياتها والحيلولة دون اتباع سياسات حكومية تمييزية ضدها. ويرى ضرورة التوسع في نظام الحكم الذاتي لهذه الجماعات واشتراط موافقتها قبل صدور اي قرار يمس شؤونها الحيوية مشيرا الى ضرورة قيام المجتمع الدولي بمسؤوليته في تحقيق تنمية فعلية في افريقيا والقضاء على اسباب التوتر الاقتصادي والاجتماعي كالفقر والجوع والبطالة وسوء مستويات المعيشة والاحباط المتزايد لجميع السكان وان تكون التنمية على اساس متوازن اقليميا واثنيا واجتماعيا لازالة اسباب السخط والتوتر من جانب الاقاليم والجماعات الاثنية والطبقية المهمشة. ويضيف ان ظاهرة الانقسام بين عناصر النخبة والنشطين سياسيا في الدول الافريقية تمثل خطرا كبيرا على هذه الدول حيث تلجأ هذه اللجنة الى اسهل الطرق لحسم الصراع فيما بينها وذلك باثارة النعرات الاقليمية والعرقية والدينية وغيرها.. مشيرا على ضرورة وجود حد ادنى من الاجماع الوطني بين عناصر النخبة السياسية يعتبر امرا اساسيا لمنع انفجار الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا. ويشير الى ضرورة القضاء على الفساد السياسي واستخدام المناصب العامة في تحقيق المصالح الخاصة لان استمرار الفساد من شأنه ان يؤدي الى اشتعال الصراع السياسي واهدار الموارد العامة وازدياد الاوضاع الاقتصادية سوءا في دول منقسمة غالبا على اسس اقليمية وعرقية ودينية وغيرها. ويطالب بتدعيم الدور المصري في مواجهة الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا خاصة في منطقة المصالح المصرية الحيوية في حوض النيل والقرن الافريقي نظرا لما تمثله هذه الصراعات من خطورة على هذه المصالح لانها تفتح الباب امام تدخل القوى الاجنبية في المنطقة وتهدد فرص التجارة والاستثمار المصري والتعاون الاقتصادي بين مصر وبقية دول القارة مؤكدا ان هذا لا يعني التقليل من الجهود التي قامت بها مصر, خاصة في قضايا السودان والصومال ومنطقة البحيرات. ويشير الى ان تدخل القوى الاجنبية في الشؤون الافريقية يؤدي الى تفاقم الصراعات والحروب الاهلية في افريقيا, موضحا ضرورة تفعيل مبدأ عدم التدخل خاصة التدخل الهدام في الشؤون الداخلية للدول الافريقية وهو مبدأ اصيل من مبادىء منظمة الوحدة الافريقية, وان تقوم المنظمة بفرض عقوبات على الدول التي يثبت تورطها في الصراعات الافريقية. ويؤكد عدم كفاية آلية منع وادارة وتسوية المنازعات لانها تواجه الكثير من الصعوبات التي تفرغها من مضمونها مشيرا الى ضرورة تفعيل الآلية وازالة العقبات التي تواجهها. مجلس امن افريقي ويطالب الدكتور عبدالرحمن الصالحي استاذ العلوم السياسية بتشكيل مجلس امن افريقي وقوة امن افريقية ومحكمة عدل افريقية تقوم بالاضافة الى المنظمات والهياكل القائمة بمواجهة الحروب والصراعات الاهلية الافريقية مشيرا الى ضرورة ضمان حد ادنى للارادة الافريقية وتحرك الشعوب الافريقية في صورة جادة وجديدة. ويؤكد ان الجهود المبذولة لتسوية المنازعات في اطار منظمة الوحدة الافريقية ضعيفة وباهتة بسبب غياب الارادة الافريقية التي تستطيع تفعيل دور المنظمة, ولان المنظمة تتعامل مع نصوص مكتوبة صيغت منذ عام 1963 ولم تتغير او تتبدل مع الواقع الافريقي الذي تثقل كاهله التعددية العرقية والقيادات المتعددة وتغيب عنه النظم والسياسات والكوادر العسكرية والفنية. ويرى ان هناك تضاربا لابد من حسمه بين مبدأ عدم التدخل كأحد مبادىء ميثاق منظمة الوحدة الافريقية وبين مبدأ التسوية السلمية للمنازعات وبين التمسك بمفهوم السيادة ايضا. ويوضح ان منظمة الوحدة الافريقية لا تملك غير المبادىء المعلنة في الميثاق وان آلية تسوية المنازعات تحيط بها عقبات كثيرة ولا تمتلك الامكانات المادية مشيرا الى ان الحروب والصراعات الاهلية في افريقيا ظاهرة مستقرة ترتبط بسياسات تاريخية متعددة مثل مفهوم الدولة وتشكيل الدولة بعد الاستقلال. ويدعو الى حل الصراعات والحروب الافريقية في اطار القومية الافريقية, او في اطار ما يعرف بالجامعة الافريقية, وفي اطار التدخلية من خلال قوة امن افريقية ومن خلال التحليل الاجتماعي للدولة والدولة الجديدة لمعرفة هل لا تزال الدولة والتشكيلات الاجتماعية الافريقية دولة مستعمرة او لخدمة الاستعمار ام هي دولة التكيف الهيكلي الخاضعة لصندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية فإذا كانت الدولة بهذا الشكل الاخير فإنها تتجه الى التفتت ازاء عالمية سياسة التكيف الهيكلي واخضاع الشعوب للابتزاز الاقتصادي والاستلاب الثقافي وهذا يعني افتقار الدولة في الصومال او رواندا او ليبيريا او غيرها. ويؤكد على ضرورة اعادة النظر في مفهوم الدولة الافريقية ومفهومها الغربي وكذلك مفهوم الديمقراطية. الديمقراطية ويطالب الدكتور محمود ابو العينين الاستاذ بمعهد البحوث الافريقية, بإعادة صياغة دور منظمة الوحدة الافريقية واعادة التفكير في مسألة الاقليمية.. موضحاً وجود تناقض بين امرين فالمنظمة في ممارساتها حافظت على الوحدة السياسية والوطنية للدول ولم يتغير الميثاق حتى الآن وعدم الاعتراف بأي كيان انفصالي يأتي نتيجة لحرب قبلية او نزعة عرقية, وهذا واضح من موقف المنظمة من حرب نياجرا او من كاتنجا وغيرها. ويؤكد انه في ظل هذه الاوضاع فلا أمل للجماعات العرقية وهي تمثل قطاعات من الشعب في ان تطمئن على مستقبلها السياسي بشكل آلي أو بشكل مضمون أي بالتصادم مع النظام القائم.. موضحا ان الظاهرة الموجودة على الساحة الافريقية هي فرض الأمر الواقع ومن هنا يأتي التدخل الاقليمي. ويضيف ان منظمة الأمم الأمريكية تفرض على الدول الأعضاء أن تكون نظمها ديمقراطية والا فإنه يحق للمنظمة التدخل اما في منظمة الدول الافريقية فقد صدر قرار رسمي في عام 1990 انها تتهيأ لعصر ما بعد الحرب الباردة وتتبنى الديمقراطية ومن هنا بدأ التدخل ضد نظم غير ديمقراطية في بعض الدول الافريقية مثل بوروندي وفرضت عقوبات اقليمية عليها وأيضا تدخل جنوب افريقيا في ليسونا فقد رأى الرئيس نيلسون مانديلا ضرورة التدخل في بعض الحالات, وكذلك التدخلات الموجودة الآن في جمهورية افريقيا الوسطى. ويرجع الدكتور أبو العينين كل ذلك إلى عدم وجود أمل واقعي أمام الجماعات القبلية أو العرقية لضمان مستقبلها السياسي في الدولة سواء في شكل حكم ذاتي أو فيدرالي أو في أي شكل من أشكال التوافق مع النظام القائم في الدولة. ويؤكد على ضرورة وجود نوع من الاتفاق العام داخل منظمة الوحدة الافريقية حول مصير الجماعات العرقية في افريقيا وكيفية التعامل مع الظاهرة العرقية والنظر إليها بنوع من الاحترام. ويؤكد السفير عبدالله الاشعل ان التدخل قضية خطيرة جدا فقد حاول الغرب تطبيق سياسة التدخل في القرن التاسع عشر. وفي الثمانينات من هذا القرن اتخذ الغرب حقوق الانسان ستارا للتدخل في شؤون الدولة ثم أصبحت النوايا الغربية واضحة في ظل ما يعرف بالعولمة في تكسير الحواجز المختلفة سواء كانت هذه الحواجز جمركية أو سياسية أو ثقافية بحيث تنساب مصادر النفوذ الغربي إلى الدول المتخلفة والتي تعد افريقيا جزءا منها. ويرى ان الطائفة الجديدة للتدخلات باسم الإنسانية يقصد بها أية صورة من صور تفيد السيادة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدولة سواء كان تدخلا سياسيا أو عسكريا لكن المقصود هنا هو التدخل العسكري. ويشير إلى انه ينبغي على الأفارقة رفض التدخل تحت أي ظرف من الظروف أو لأي سبب من الأسباب بشكل قاطع وهذا هو موقف القانون الدولي.. فقد أكدت المحكمة الدولية في قضية نيكاراجوا في عام 1986 رفض التدخل رفضا مطلقا, لانه يعني الافتئات على الخطر المطلق لاستخدام القوة وعلى سيادة الدولة وسيادتها الاقليمية. القاهرة ــ مكتب(البيان)احمد عطية