مما لا شك فيه ان للصراعات الداخلية المسلحة أو الحروب الاهلية في افريقيا تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية والانسانية الباهظة, وقد خبرت معظم الدول الافريقية شكلاً من اشكال العنف الاجتماعي الذي زادت حدته منذ بداية عقد الثمانينات, واستمر خلال العقد الاخير من هذا القر ن . تقول الدكتورة عزيزة محمد علي بدر مدرسة الجغرافية البشرية بمعهد البحوث والدراسات الافريقية بجامعة القاهرة في بعض هذه الصراعات والنزاعات استمر لاكثر من عقد كامل تكبدت فيه الدول الافريقية تكاليف بشرية مروعة, مصحوبة بطوارىء انسانية معقدة, بالاضافة الى تأخر في التنمية الاقتصادية والاداء الاقتصادي لهذه الدول, الا ان تقدير هذه التكاليف بشكل تام يعد امراً غاية في الصعوبة بسبب نقص البيانات وعدم دقتها واستحالة جمعها وتوافرها اثناء الصراعات والحروب, ايضا تحول معظم الانشطة الاقتصادية الى القطاع غير الرسمي وغير المسجل عادة, ولكن مع ذلك يمكن اجراء محاولة لتقدير التكاليف الاقتصادية والاجتماعية في عدة دول من الدول الافريقية التي اصابتها الحروب الاهلية والصراعات مثل انجولا وموزامبيق, والسودان والصومال واثيوبيا واريتريا وجيبوتي ورواندا وبورندي والكنغو الديمقراطية, افريقيا الوسطى, تشاد, مالي, النيجر, موريتانيا, الصحراء الغربية, السنغال, سيراليون, ليبريا, وتوجو, غانا وغينيا بيساو. وتضيف الدكتور عزيزة محمد علي بدر ان التكاليف والاثار الاجتماعية التي ترتبت على الصراعات والحروب الاهلية في الدول السابق ذكرها تمثلت في ارتفاع حجم الوفيات والقتلى الناتج عن تلك الحروب بطريق مباشر او غير مباشر, فلقد قدر ان حوالي 6.5 ملايين نسمة, تعرضوا للوفاة كنتيجة مباشرة لهجمات جنود الحكومة أو لهجمات المتمردين في هذه الدول, اذ كان المدنيون من السكان هدفا مدروسا متعمدا للوحشية من الحكومة والمتمردين على السواء, لأسباب عديدة منها الابادة لشعب معين, أو التطهير العرقي كما في حالة رواندا, أو الانتقام أو بغرض اخلاء الاراضي للاستيلاء عليها. وفي حالات اخرى تكون معظم الوفيات ناتجة عن المجاعات التي تحدث بسبب هذه الحروب, حيث يتم حرق المحاصيل والاراضي كما تتعرض الاصول الخاصة بالجماعات الريفية أو الرعوية أو غيرها للنهب والسلب, فتحدث المجاعات مباشرة في هذه المجتمعات الهشة, بالاضافة الى نهب المساعدات الغذائية بواسطة المحاربين أو المقاتلين وحرمان المدنيين المتضررين من الحصول عليها. وهناك ايضا وفيات الاطفال دون سن الخامسة ويكفي ان نشير هنا الى ان منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) قد ذكرت في تقرير لها العام قبل الماضي انه من بين أعلى 20 دولة في معدلات وفيات الاطفال دون سن الخامسة هناك 18 دولة افريقية, وذلك بسبب الحروب والصراعات في هذه الدول ومنها الصومال, ومالي, وزامبيا, واريتريا, واثيوبيا, واوغندا, وبورندي, وانجولا التي تمثل أعلى الدول في معدل وفيات الاطفال بنسبة 292 في الالف عام ,1995 تليها موزمبيق 275 في الالف عام 1995. تراجع التعليم وتستطرد الدكتورة عزيز محمد علي بدر قائلة: ان من الآثار الاجتماعية الاخرى التي ترتبت على الصراعات والحروب في افريقيا هو تراجع نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية في معظم الدول الافريقية التي عانت ويلات الحروب, كما ارتفعت نسبة التسرب بعد الالتحاق وعدم استكمال المرحلة التعليمية, وتشير الارقام الى ان نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية تراجعت في بعض البلدان الافريقية التي تعاني وعانت من الحروب بصورة واضحة, وبحيث اذا قارنا هذه النسبة في عام 84 ــ 85 اليها في عام 93 ــ 94 لوجدنا انها في دولة مثل ليبيريا تراجعت النسبة من 67% عام 84 ــ 85 الى 40% عام 93 ـ ,94 وفي موزمبيق تراجعت من 86% الى 65%, وفي انجولا تراجعت من 107% الى 88%, وفي الكونغو الديمقراطية من 86% الى 68%, وفي الصومال تراجعت من 19% الى 11%, وفي اثيوبيا من 35% الى 27%. كما هبط نصيب الفرد من الغذاء والسعرات الحرارية وتصدرت ليبيريا الدول الافريقية حيث هبط متوسط نصيب الفرد من امدادات السعرات الحرارية بنسبة 30% يوميا في الفترة من 1984 الى ,1995 تلتها رواندا بنسبة 3.19%, فالصومال بنسبة 3.17%, فمدغشقر ثم انجولا بنسبة 9.12%, والملاحظة المهمة فيما يتعلق بحصول الفرد في الدول الافريقية التي عانت من الحروب الاهلية والصراعات على الغذاء, هي انخفاض متوسط نصيب الفرد عن 2000 سعرة حرارية في كل الدول ما عدا أوغندا والسودان سنة ,1995 ويعني ذلك ان هناك أعداداً كبيرة من السكان لا تحصل الا على النذر اليسير من الغذاء, وربما لا تستطيع الحصول عليه في حالات الطوارىء المفزعة بالحروب الاهلية. طبيعة الصراع وعن الآثار الاقتصادية المترتبة على الحروب الاهلية والصراعات تشير الدكتورة عزيزة محمد علي بدر الى ان هذه الآثار تختلف باختلاف طبيعة الصراع, ففي بعض الدول يتأثر القطاع الرسمي والوظائف بالحروب والتي قد تؤدي الى اضطراب استراتيجيات التصنيع مثل الصادرات الصناعية الأساسية, والتوسع الصناعي, كما قد يكون التأثير أكثر شدة في قطاعات أخرى من الاقتصاد مثل الزراعة والانتاج. الزراعي الذي يتدهور عندما يساق المزارعون من أراضيهم ويرغموا على اللجوء والنزوح قسراً, وعندما تضطرب نظم المواصلات وتتدهور شبكات ووسائل النقل والاتصالات, كما أن للحروب الأهلية أثرها على المدى البعيد والتي تمتد لتؤثر على استثمارات القطاع الخاص بسبب فقدان الأمن بالنسبة للأصول, وعدم القدرة على ممارسة الأنشطة التجارية العادية. يضاف الى ذلك تدهور البنية التحتية والاجتماعية وتدميرها, وكلها ذات أهمية للتنمية وتهيئة مناخ الاستثمار, عدا عن انتشار الفساد الاداري والرشوة, واضطراب القوانين وتفشي الفوضى في حالات الحروب. ومن المألوف في حالات الحروب ومنها الحروب الأهلية والصراعات الداخلية حدوث تضخم شديد يرجع في الأساس الى محاولة الحكومة الحفاظ على مستوى الانفاق العام أو زيادته, لمواجهة التدهور في العملة المحلية, وبالتالي تحقق سرعة دوران رأس المال وعادة ما يحدث نقص حاد في البضائع الاساسية وارتفاع كبير في الاسعار وخاصة اسعار الطاقة, ويختل توزيع الدخل بين القطاعات المختلفة ويصبح للانفاق الحكومي على الجيش نصيب الأسد, بينما تتزاحم الخدمات الأساسية الملحة على القسم الضئيل الذي يخصص لها في مثل هذه الظروف, كالصحة والتعليم والضمان الاجتماعي والبنية الأساسية والتحتية, فكانت نسبة الانفاق الحكومية العسكرية الى الانفاق على التعليم والصحة 208% في انجولا, و200% في الصومال, و190% في اثيوبيا سنة 1991 ــ 1991.. يضاف الى ما سبق تلك الديون المتراكمة على الحكومات والشعوب الأفريقية والتي يقف وراءها التسليح قبل أي شيء آخر, وتذهب نسبة كبيرة من دخول هذه الدول الى خدمة الدين, ويزداد التدهور الاجتماعي والاقتصادي مصحوباً بمعدلات نمو سكاني مرتفعة في الحضر والارياف, وبحيث يصل متوسط نصيب الفرد من الدخل في دولة مثل موزامبيق سنة 94 الى 93 دولارا للفرد سنوياً, ثم اثيوبيا 94 دولاراً, والحد الاعلى لم يتجاوز 479 دولاراً في السنة في ليبيريا. نوعان من الحروب الأهلية يرى الدكتور عبدالله نجيب محمد ان الحروب الاهلية يمكن تقسيمها الى نوعين: حروب اهلية ظاهرها حروب ثنائية بين دولتين وباطنها صراع بين قوميتين أو جماعتين لهما, أو لأحداهما امتداد داخل الدولة الأخرى, ومن هذا الصراع في أفريقيا الصراع الاثيوبي الاريتري, والصراع الصومالي الكيني, والحروب الأهلية الصريحة وهي التي تدور في نطاق دولة بعينها ومنها في أفريقيا الحروب الأهلية التي دارت في نيجيريا وفي أوغندا وفي موزامبيق سابقا. ومازالت بدور الصراع قائمة مثل الحروب الأهلية في الكونغو وفي انجولا وفي سيراليون والصومال وغيرها, ويضيف ان هناك عوامل ثقافية وراء الحروب الأهلية منها وجود فوارق عقائدية بين جماعات تعيش في وطن واحد, ولم تعمل الادارة الاستعمارية على استيعابها وصهرها, بل ربما كان العكس صحيحاً, فقد عملت على تأجيج الخلافات وزرع بذور الشقاق لتحقيق منفعتها الخاصة, ووجود روابط ثقافية واثنية حقيقية بين مجموعات سكانية تنتمي الى أكثر من دولة وقد تعوقها الحدود المصطنعة أو تؤثر فيها. وهناك ايضا الرابطة المجتمعية المفتعلة في كثير من الدول بين اثنيات وجماعات مختلفة ثقافيا ولغويا وربما كانت على غير وفاق تاريخياً, وظهور نوع من الطبقية والفوارق غير الطبيعية بين جماعات بعينها في وطن واحد, علاوة على الطبقات المحرومة ثقافية والتباين في الخدمات التعليمية واختلاف انواع التعليم والثقافة مما ادى الى خلق نوع من التعصب والتباعد وسوء الفهم بين كثير من الجماعات التي تعيش في وطن واحد بالاضافة الى ان بناء الجيوش الأفريقية لم يقم على أسس سليمة, مما أدى الى استخدامها في القهر والعنف وضد بعض الجماعات الامر الذي يخلق نوعا من الصراع. ويضيف الدكتور عبدالله نجيب محمد, ان للحروب الاهلية نتائجها السلبية من وجهة النظر الثقافية, كما لها بعض الاثار الايجابية, فبالنسبة للاثار والنتائج السلبية فهي تتمثل في تفجر السمات الثقافية ذات الطابع المحلي حيث يزداد تمسك الجماعات بتلك السمات والتعصب لها, مما يؤدي الى مزيد من التعدد الثقافي, وقد تتحول التمايزات العراقية الى تقسيمات طبقية تكون فيها النخبة طبقة مستقلة وهذا يؤدي الى تكريس التقسيمات والصراعات القائمة على اساس السلالات, ويبقى على العداوات القبلية. وقد يتولد عن هذا الوضع انفجار بين القوى ويؤدي الى الفشل في خلق الحس القومي المشترك وقد ادى ذلك الى احباط كل الجهود التي بذلتها دول عديدة لاختيار لغة وطنية واحدة وظلت اللغات الاوروبية هي اللغات الرسمية, ولغات التعامل والادارة, كما ادت الحروب الاهلية الى مزيد من التعصب والتطرف الديني, واحيانا الى التطرف المذهبي وتلك حقيقة من حقائق الصراع حيث تشهد بدلا من التقارب والاندماج الثقافي والفهم المشترك والاحترام لوجهة النظر الاخرى, تعصبا اعمى لدين من الاديان واحيانا لمذهب من مذاهب دين واحد, ويؤدي التطرف والتعصب الى مزيد من الكراهية والعنف, بالاضافة الى فقدان القدرة على الانفتاح والابداع. فالصراعات والحروب لاتتيح لا الوقت ولا الاستقرار لمن يملكون القدرة على الابداع كي يستثمروا مواهبهم في الانتاج العلمي او الادبي, وتضيع المواهب ويسقط الابداع في مهاوي الصراع, والتفسخ الاخلاقي ويأتي نتيجة حتمية للصراع وما ينتج عنه من فقر وجهل وفقدان للأمن, بينما تضيع القيم والمبادىء وتظهر المفاسد الاخلاقية. يترتب كل ذلك فقدان القدرة على التخطيط للتنمية لان الحرب والصراع يستنفذان الجهد والمال ولايتيحان الوقت للمجتمع كي يبدأ في تخطيط مستقبله وتنمية موارده, بل ربما كانت الحروب سببا في اهدار قيمة ماهو قائم بالفعل واعاقة المؤسسات القائمة عن اداء عملها وعلى رأسها تلك المسؤولية عن العملية التعليمية والتربوية, مما يحرم الشباب من التعليم والثقافة ويعزلهم عما يجري في العالم. واخيرا من الاثار السلبية للحروب الاهلية من وجهة النظر الثقافية فقدان الهوية والذاتية الثقافية حيث تؤدي الحروب الاهلية الى مزيد من التعرض للمؤثرات الخارجية حيث يحدث نوع من اقتلاع الشخصية للافارقة المتعلمين, وانجذاب واضح للثقافة الاوروبية, مما ييسر سياسة الاستيعاب الثقافي. الاثار الايجابية .. نسبية اما الاثار الايجابية للحروب الاهلية من وجهة النظر الثقافية فيرى الدكتور عبدالله نجيب محمد انها تتمثل في ان الانفجار والحروب قد تؤدي الى اعادة التوازن المختل بشكل ما, ومن الواضح ان كثيرا من القبائل الافريقية بدأت تدرك ان ترابطها وتعاونها خير من تصارعها الذي لا ينتهي الى شيء في ظل الظروف الاقليمية والدولية الحديثة, ايضا الاحتكاك القسري نتيجة الاتصالات يؤدي الى مزيد من الفهم المشترك وانتشار العناصر الثقافية القوية وتنفيذ بعض العناصر الفاسدة في العادات والتقاليد وهو ما حدث بالفعل في قطاعات كبيرة من السكان خاصة في كينيا واوغندا وتنزانيا. وبالاضافة الى ان الصراع ادى الى محاولة التمسك بالتراث والمحافظة عليه واعادة جمع وتدوينه مما يشكل فائدة بشكل عام في الثقافة الافريقية, وتطوير النظرة الانسانية لدى الكتاب والمفكرين الافارقة وهو مايظهر لدى بعضهم الآن ومنهم من يدعون الى مذهبهم من خلال الدعوة الى التمسك بالقومية الافريقية الشاملة في اطار الانسانية الشاملة ايضا. بحثاً عن الأمان وبعيدا عن الآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للحروب الأهلية فهناك ايضا الآثار والمخاطر الانسانية وعنها تقول الدكتور عزيزة محمد علي بدر: ان الاحصاءات التي لا تخطر على بال تشير الى ان هناك مليون شخص قد ذبحوا, و6 ملايين شخص قد اصيبوا أو اصبحوا معاقين بصورة دائمة, وهناك ملايين كثيرة اخرى لقوا حتفهم بسبب المجاعة والمرض, وهناك اعداد لا تحصى من الاناث والفتيات قد اغتصبن وتعرضن للتعذيب وعوملن بقسوة ووحشية. وتؤثر الصراعات والحروب الاهلية تأثيرا عميقا على الفئات الاشد ضعفا بين السكان المعوقين والاطفال والمسنين والاناث وتفتقد هذه الفئات وغيرها للأمن وتتعرض للمخاطر والضرر ليس في مكانها الأصلي اثناء الصراعات والحروب الأهلية فقط لكن يحدث الضرر ايضا عند التماسها النزوح بحثا عن الامان, وهناك مخاطر عديدة لا تنتهي بنهاية الحروب والصراعات ذات تأثير كبير وتكاليف على البشر والبيئة وعمليات التنمية الاقتصادية والبشرية منها الالغام التي تزرعها الفصائل المتصارعة ومنها انتشار الاسلحة الخفيفة التي تهدد الامن, و يصعب نزعها بعد انتهاء القتال, وهناك تسميم آبار المياه, وحرق الغابات وإفساد الحقول. وقد عكست الارقام الواردة في تقرير حديث لليونيسيف صدر عام 1996 مدى مشاركة الاطفال في الحروب وأثرها عليهم فقد ثبت ان هناك مليوني قتيل من الاطفال, ومن 4 الى 5 ملايين طفل معاق, و12 مليون طفل مشرداً, وأكثر من مليون طفل انفصلوا عن ذويهم. فالأطفال في الدول الافريقية التي تعاني من الصراعات والحروب الاهلية يتعرضون لويلات كثيرة, ففي سيراليون على سبيل المثال اصبحت الحرب الدائرة هناك تسمى حرب الأطفال, حيث معظم المحاربين من الجانبين من الاطفال, وثبت ان اكثر من نصف الضحايا في هذه الحروب سواء الموتى أو الذين تمت اصابتهم وإبادتهم من الاطفال, وكان 40% من المشردين واللاجئين من الاطفال أيضا وذلك في الفترة مابين اعوام 1991 وحتى 1997. وفي أوغندا قام جيش من رجال العصابات بعمليات اختطاف لنحو 15 الف طفل وعذبوهم واقتادوهم الى جنوب السودان حيث اصبحوا رقيقا لممارسة الجنس, ويتم استغلالهم في حمل الاسلحة والقذائف الثقيلة. أما في رواندا فقد حصرت اليونيسيف سنة 1995 اكثر من ثلاثة آلاف طفل قد تعرضوا لمستوى عال جدا من الاصابات خلال عمليات التطهير العرقي سنة 1994, وقد تعرض نحو 95% من هؤلاء الاطفال للعنف وخطر القتل, وشاهد اكثر من نصفهم مصرع اهاليهم. وقدرت هيئة العفو الدولية ان نحو 60 الف طفل رواندي يقومون حاليا بدور رب الاسرة بسبب فقد الوالدين, ثلاثة ارباعهم من الفتيات, كما أفادت تقارير عديدة لمراسلي الصحف والهيئات عن فظائع ارتكبها الهوتو بقتل الاطفال في المدارس والمستشفيات والغابات ومجتمعات اللاجئين. انتهاك حقوق الانسان ولا يختلف الامر كثيرا بالنسبة لأوضاع المرأة في الدول الافريقية التي تعاني من الحروب الاهلية حيث تؤكد الدكتورة عزيزة محمد علي بدر ان المرأة في المجتمعات التي مزقتها الحروب تتعرض للعديد من مظاهر انتهاك حقوق الانسان سواء في مكانها أو عندما تتعرض للجوء أو النزوح, اذ تقع على عاتقها اعباء من جراء فقد الزوج, وتعاني النساء من صراع يومي من اجل البقاء خاصة في المجتمعات الافريقية التي تتصف بالمعدلات العالية لوفيات الرضع والامهات وانخفاض العمر المتوقع, والأمية المتفشية ومستويات المعيشة الراكدة أو المتدهورة, كما تعاني من فقد الزوج وبالتالي يقع عليها عبء كبير في توفير متطلبات المعيشة لأطفالها. ويعتبر تزايد العنف ضد المرأة من اهم ملامح الصراع الحديث وفي مختلف الاعمار بلا تمييز, مما يترك تأثيرا صحيا وبدنيا ونفسيا سيئا على اللائي تعرضن له منهن, فيحدث الاجهاض المتكرر للاناث خاصة في ظل نقص امكانات الرعاية الطبية, وتتعرض الاناث لخطر الاغتصاب من الجنود المسلحين, وقد أوضحت التجربة انه عندما يرتكب العنف الجنسي بطريقة منظمة, فإنه من الممكن ان يلعب دورا مهما في حفز مجتمعات بكاملها على هجر أوطانها واللجوء والأمان في أماكن اخرى. وقد برزت مشكلة العنف الجنسي عام 1993 نتيجة للعدد الضخم من حالات الاغتصاب الى أبلغ عنها في مخيمات اللاجئين الصوماليين في شمال شرقي كينيا, فقد ارتكبت على ما يبدو من جانب افراد العصابات الصوماليين, وافراد الامن المحليين على السواء, ويعتقد ان حوالي خمسة آلاف أنثى من ضحايا الاغتصاب الروانديات قد وضعن اطفالا منذ عملية ابادة الاجناس عام ,1994 وقد أدت هذه الممارسات والاغتصاب الى انتشار الكثير من الأمراض الجنسية. وهناك مخاطر اخرى تتعرض لها المجتمعات التي عانت من ويلات الصراعات والحروب وهي مخاطر الالغام وانتشار الاسلحة الخفيفة, فهناك الألغام البرية ضد الأشخاص وهي الأكثر استخداما في النزاعات الداخلية والحروب الأهلية, وتؤدي الى القتل, وهي صغيرة خفيفة ويصعب اكتشافها ويتكلف شراء اللغم منها من 3 الى 10 دولارات بينما تتكلف ازالته 300 الى 1000 دولار. وفي افريقيا يوجد حوالي 30 مليون لغم تنتشر في 18 دولة, يوجد منها نحو تسعة ملايين لغم في انجولا وحدها, وتظل هذه الالغام عقبة في وجه أية عمليات للتعمير أو اعادة البناء بعد انتهاء الصراع في أية دولة افريقية, ففي ليبيا مثلا لا يستغل حوالي 27% من الاراضي الزراعية منذ الحرب العالمية الثانية بسبب الألغام, وفي صحراء مصر الغربية ومناطق اخرى منها نفس المشكلة, وفي انجولا قدر المتخصصون في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ان عملية تطهير البلاد من الألغام تستغرق نحو 30 سنة, وفي موزمبيق وبعد 16 سنة من الحرب الاهلية هناك أكثر من مليون لغم ينتشر معظمها عشوائيا, وفي اثيوبيا واريتريا أكثر من مليوني لغم, وفي السودان ما بين نصف مليون ومليوني لغم, وقد أفاد تقرير مستشفى هرجسيه الصومالي ان 75% من ضحايا الالغام الوافدين الى المستشفى كانوا من الاطفال بسبب اعتقادهم انها لعب بلاستيكية. اما انتشار الاسلحة الخفيفة فمن أخطر المشكلات المرتبطة بهذا النوع من الاسلحة في دول افريقيا وغيرها, إذ يتم تسليح المراهقين والاطفال بها في الصراعات العديدة قريبة العهد, وتكمن خطورة ذلك في اختزان المشكلات الاجتماعية والسياسية لسنوات كثيرة قادمة, فهل سيكون بوسع الصبية الليبيريين والصوماليين والسودانيين وغيرهم الذين نشأوا وهم يحملون البنادق أن يتولوا اعالة انفسهم من خلال الانشطة الاقتصادية السليمة؟. وتستمر الدكتورة عزيزة محمد علي بدر في تساؤلها الا يعد تكلفة باهظة لتنامي تلك النزاعات والصراعات المسلحة وعقبات أمام التنمية في المجتمعات المبتلية بها؟ إذ تصبح عملية نزع سلاح المتحاربين بعد انتهاء الحرب وتسريح الجهود عملية شاقة يتوقف نجاحها على مدى اعتقاد الاطراف المتحاربة والأفراد بأن أمنهم البدني والاقتصادي لن يتأثر سلبا بالقاء أسلحتهم والتخلي عنها وهي للكثيرين منهم ليست مهنة فقط, بل طريقة حياة, لذا لابد وأن تتخذ خطوات ايجابية لحل هذه المشكلات التي برزت على السطح مع انتشار الحروب والصراعات الداخلية في الدول الافريقية. القاهرة ــ مكتب البيان