شيء قليل جدا تسرب عن حقائق انباء مشروع المصالحة الوطنية في السودان, هذا الذي تسرب انما جاء عن طريق المعارضين وقد سربوه باسلوب ايحائي غير مقصود, عندما سمحوا بل طلبوا من انصارهم المتكاثرين في عدة عواصم اجنبية بالاستعداد لرحلة العودة الى السودان . البعض فسر تلك البادرة بأنها مجرد محاولة لقيادات المعارضة للتخلص من الاعباء المالية وغيرها من الالتزامات المفروضة تجاه الأعوان, وهؤلاء هم المحللون والمراقبون المتشائمون بطبيعة الحال, اما الاكثر انفتاحا فقد استنتجوا ان توجيها مثل ذلك لا يمكن ان يصدر الا اذا كان ثمة صفقة رابحة جدا للمعارضة, او لشقها الاكبر ممثلا في جبهة حزب الامة, قد انعقدت فعلا بل ان البعض قد ذهب الى ان حكومة الانقاذ قد منحت زعيم ذلك الحزب بما لا يرضى بما هو اقل منه, وهو منصب رئاسة الدولة السودانية. سندات الاستنتاج المعترضون على ذلك الاستنتاج يقولون ان حكومة الانقاذ لا يمكن ان يبلغ بها الكرم الحاتمي ذلك المبلغ, الذي يدفعها الى بذل وتقديم كل انجازاتها ومكتسباتها, لخصم سياسي عنيد, لا يتفق معها في القناعات, ولا يعترف بمشروعيتها ابتداء, وربما يتخذ من ذلك المنصب اداة لتفكيك دولة الحزب التي قال انها تحكم السودان. وهنا يرد اصحاب الاستنتاج بان حكومة الانقاذ اقوى من ان تتعرض الى تفكيك ولو بيد رئيس الدولة, وأنها سبق ان تخلصت من كثيرين من قيادييها الذين عملوا على تحويل مجراها ومرساها. فحكومة الانقاذ ربما منحت ذلك المنصب للصادق, ولكن على ان يفهم انه سيكون صاحب سلطة واسعة ومحدودة في الوقت نفسه, فالدولة مليئة بكوادر الحركة الاسلامية المدربة لمدة اربعين عاما متصلة في العمل السياسي, وهؤلاء لا يمكن ان يمرروا اوامره باتجاه هدف التفكيك او تحويل الوجهة السياسية العامة, وانما يمكن ان ينفذوا فقط المشترك العام من الافكار والسياسات التي تجمع بين تياري حزب الامة, والحركة الاسلامية, التي تتولى الان زمام الحكم, وكذلك المشترك العام الذي يجمع بين الامة والاسلاميين, ومختلف تيارات الحركة السياسية الوطنية, اذا ما اتسعت المصالحة العملية لتشمل هؤلاء, وهم في عمومهم قلما يخرجون عن اطار المشترك بين الامة والاسلاميين. لاصحاب هذا الاستنتاج قرائن متسقة تدعم رأيهم اولها ان اي تحالف بين الامة والاسلاميين سيشكل اكبر كتلة سياسية سودانية, تهمش جميع الاحزاب, بما فيها الاحزاب الجنوبية, وحزب الاتحاد الديمقراطي بزعامة الميرغني ومجموعات التجمع الوطني الديمقراطي, وقد سبق للصادق المهدي تجربة حزبه خارج التجمع الوطني ــ سلف التجمع الحالي ــ في 1986, فقضى عليه تماما. ولذلك فقد ميّزت الحكومة السودانية, من هو الاقوى جندا ممن هو هامشي, وسعت لعزله والتفاوض معه واستقطابه والتحالف معه, وإعطائه نصيبا مرموقا من مناصب الحكم. واذا تم ذلك فستكون اي مقاومة او معارضة لحكم الانقاذ سواء من منطلق عسكري او سياسي غير ذات خطر او جدوى. يدعم اصحاب الاستنتاج رأيهم بتصريحات ركنين اساسيين في حزب الامة, هما المحارب القديم عمر نور الدائم, والمحارب الحديث مبارك الفاضل, وكلاهما من أشد اركان التشدد في مواجهة حكومة الخرطوم منذ ايامها الاولى, وقد عرفا بإعطاء تصريحات الشجب والنقض والتوعد. اما الان فقد دارت بهم الاحداث 180 درجة كاملة, الى الحد الذي تحدث فيه نور الدائم عن ان الترابي قد فعل ما عليه, وان المطلوب من كوادر الدولة الاخرى ان تحذو حذوه وتقر ما فعل وتنفذ بنود اتفاقه (الذي ما زال سريا) مع الصادق المهدي.. اما مبارك الفاضل الذي التقى بالقيادي النافذ في دولة الانقاذ د. غازي صلاح الدين (وهو ايضا صهر لمبارك الفاضل) , فقد اعترف بان حديثا وديا جرى بينهما يحرسه الخلق السوداني... الخ. وهو قول يستغربه الناس من مبارك الفاضل الان... ولكن هؤلاء نسوا, او ربما ما كانوا يعرفون, ان مبارك الفاضل كان خلال فترة الديمقراطية السابقة, اداة الاتصال الاولى والمفضلة للصادق بالاسلاميين, وربما للاسلاميين بالصادق ايضا. الصادق البراجماتي ان الصادق المهدي, وهذه قرينة اخرى اكثر براجماتية من الاخرين, وهو بطبعه يكره الحروب, ويميل الى السلم والعمل الدبلوماسي. وعندما كانت المعارضة السودانية لحكم النميري من اوائل ايامه والى 1976, تغلب جانب الصراع العسكري, كان هو يميل الى جانب التفاوض, وفي ذلك اختلف مع عمه الهادي الذي قاد ثورة بجزيرة ابا في مارس 1970. حينها خرج الصادق عن جزيرة ابا الى الخرطوم, ليفاوض النميري, من اجل الوصول الى حل سلمي, ولو كان اقل من المصالحة او الوفاق, وعندما خرج الصادق من السودان في 1974 ضغط على المعارضين المسلحين حتى يكفكف من اتجاه الصدام, ولم يدخل معسكراتهم الا قبل شهور قليلة جدا من الصدام العنيف الذي قادوه مع نظام النميري في شوارع الخرطوم في يوليو 1976.. وأسرع عقب ذلك بعام واحد ليبرم صفقة مصالحة مع النميري في 77/1977 بناء على ضغوط اقليمية, ونصائح من مستشار الاسرة والحزب المخضرم توماس جراهام الذي يزعم في كتابه (Sudan: Death of a Dream انه هو صاحب فكرة المصالحة بين نميري والصادق, وانه ذهب الى السادات واقنعه بان يدعم ذلك المشروع.. وذلك زعم قد يصح اولا يصح.. ولكن الاصح هو ان الصادق نفسه كانت له الرغبة العميقة في مصالحة نظام النميري, من قبل ومن بعد ان تخلص من الشيوعيين. الان تتجدد رغبة الصادق, مدعومة ايضا بضغوط اقليمية شبيهة بتلك التي ضغطت عليه في 1977 ليصالح نظام الخرطوم. يومها عبّر الصادق عن انه فضل اتجاه التصالح لان تحالفاته الاقليمية الاساسية (كانت مع اثيوبيا وليبيا) اصبحت لها اجندتها الخاصة التي لا تتفق مع اجندته, وقد اشار يومها الى اثيوبيا, دون ان يشير الى ليبيا.. والصادق اهدافه واضحة, ويقيس حساباته جيدا احيانا. وهو يقرر بحسم ان يكون المستفيد الاكبر من اي تحالف, فاذا انقلب الامر الى استغلال صريح له ولحركته السياسية فانه لا يتردد طويلا في نفض يده من التحالف, للبحث عن حل جديد. ومرة ثانية فهذا هو واقع الحال الان لقد جرّب الصادق العمل التحالفي بعد خروجه من السودان في 1996, ويبدو انه قد انتهى الى نفس النتيجة التي انتهى اليها قبل عقدين من الزمان فهو وان لم يكن الخاسر, الا انه لم يكن الكاسب ايضا, فضلا عن ان يكون الكاسب الاكبر.. لذا فاذا عرضت له فرصة مصالحة تعطيه كسبا اكبر فانه لن يتردد طويلا في قبولها, وسحب حزبه من التحالف الذي اخذ الان يطالب بتفكيكه, وان كان قد استخدم عبارة ملطفة تتحدث عن إعادة هيكلته, وتخليصه من سيطرة رئيسه الحالي الزعيم الختمي محمد عثمان الميرغني. يختلف الصادق هنا عن تفكير معظم زعماء الاحزاب. ليس هنالك حزب سوداني باستثناء الامة والجبهة او يتخيل انه سيحكم السودان. ولذلك فان اهداف وبرامج تلك الاحزاب تبدو مضطربة. ان تعريف الحزب السياسي انه (المنظمة السياسية, التي تسعى للوصول الى الحكم, لتطبيق برامج سياسية بعينها) . وهنا ثلاث كلمات اساسية في التعريف: (المنظمة) و(البرامج) و(الحكم) قد يتغاضى علماء السياسة عن اثنين منها ولكنهم لا يتغاضون عن الثالثة, فقد يكون الحزب منظمة هشة, كالحزبين الامريكيين الديمقراطي والجمهوري, فهما حزبان بجماهير كجماهير مشجعي فرق كرة القدم, يحتشدون من غير هيكل تنظيمي, ولهما (برامج) فضفاضة متشابهة وغير متميزة فهنا يحصل التغاضي ايضا.. ولكن لا يمكن ان يحدث تغاض ابدا عن الكلمة الثالثة المتعلقة للوصول للحكم, فاذا لم يعد الحزب السياسي نفسه ويجهزها لذلك الهدف, فانه لا يصبح حزبا سياسيا على الاطلاق, انما يمكن ان يصبح اي شيء اخر.. حزب الامة من هذه الناحية هو حزب سياسي, وهو لا يكف ولا يفتر عن العمل من أجل الوصول الى الحكم, اما بقية الاحزاب الاخرى, او معظمها, حتى تلك التي تحمل السلاح كحركة التمرد, فيصعب القول بانها تسعى حقيقة للوصول الى الحكم, ولذا يصعب اعطاء عنوان الحزب السياسي بمعناه العلمي لها.. انقلاب الاستراتيجيات وضوح اهداف الصادق واهمها الوصول الى الحكم تدعوه الى البحث العقلاني عن وسائل تحقيقها والبحث العقلاني يدل صاحبه دائما على الحل المتاح, لا الحل المشتهى, ولا الحل المثالي. وقراءة الصادق للمتغيرات الاقليمية هنا تبدو قراءة صحيحة, فالمراهنة على تغيير نظام السودان, لم تعد واردة في ارتيريا ولا اثيوبيا ولا أوغندا. وقد اشارت (الايكونومست) البريطانية في عددها الاخير الى ان كلا من ارتيريا واثيوبيا غدتا تخطبان ود الخرطوم, لتستعين بها على الاخرى, وهذا ما رفضته حكومة الخرطوم, اذ ان لها اهدافها الخاصة ايضا فهي تريد ان تحسن علاقاتها بهما معا, من اجل الا تكسب ود الاولى, ويتواصل معها عداء الثانية انها تريد ودهما, حتى تضغط بهما على معارضيها. ان متغيرا مثل هذا لا يمكن ان يخطئ قراءته زعيم براجماتي, ذو دربة طويلة في الميدان الاستراتيجي, كالصادق المهدي. امريكا نفسها رأت واعترفت بفشل استراتيجيتها لمحاصرة السودان عن طريق ارتيريا واثيوبيا وأوغندا, فعملت على تغيير تلك الاستراتيجية بالاسلوب الذي يخطط له الكونجرس حاليا باقتحام السودان. هذا ما كان ينبغي ان يراه زعماء المعارضة ولكن لم يروه. والصادق وحده حتى الان من بين زعماء المعارضة في تلك الدول الثلاث, هو الذي يكاد ينفض يده منها, لانها لا قدرة لها, وهي تتحارب اقليميا, على تحقيق هدف الاطاحة بنظام الخرطوم, لذا قرر ان يعقد صفقة مصالحة للوصول الى حل ما, لانه لا يرى انه رجل امريكا في السودان. ان كراهية الصادق للحروب والعنف (التدخل الامريكي.. ضمن ذلك) قد دعته لمحاولة تحقيق اهدافه من داخل النظام, او بلفظ ادق بالتعامل السلمي مع النظام. لذلك فقد تطوع باتخاذ موقف مرن جدا ادهش الكثيرين. كان الصادق الى يوم خروجه في (يهتدون) يتحدث عن انه لايزال رئيس الوزراء الشرعي, اما في الايام الماضية فقد قرر ان يسدل الستار على تلك الدعوى, قائلا ان ذلك قد مضى, وهو عهد المربع الاول كما سماه, لقد تنازل عن تلك الدعوى, وخرج عن ذلك المربع, ليدخل فورا الى المربع الثالث, الذي يمكن ان يسمى ايضا بمربع ما بعد الانقاذ, الذي سمى فترتها بفترة المربع الثاني. تنازل الصادق ايضا عن الدعوة الى (المؤتمر الدستوري) , وهي دعوة كان يكررها منذ سقوط نميري في 1985, وفي خلال ايام حكمه (1986 ــ 1989) فشل في وضع ترتيبات لعقد ذلك المؤتمر.. ولكنه مع ذلك ظل يدعو اليه, بل اقترح على مانديلا عقد مؤتمر دستوري لحل مشاكل جنوب افريقيا, ودعا ايضا الى عقد مؤتمر دستوري في اليمن لحل مشاكلها مع الانفصاليين.. اما الان فقد ترك الحديث عن ذلك المؤتمر الدستوري, واصبح يستخدم مصطلح الحكومة التي تفضّل ان تسمى المؤتمر بمؤتمر الحوار الوطني.. وبالطبع فليس في التنازل عن صيغة التسمية عيب.. طالما ان المحتوى واحد, ويرمى الى جمع الشمل, وتقسيم انصبة ومناصب الحكم. قيل ان الصادق ربما يكتفي مؤقتا بمنصب رئيس الوزراء, وهو منصب يتولاه الان رئيس الدولة البشير, وذلك ريثما تجرى انتخابات قومية يتمخض عن قراراتها مؤتمر الحوار الوطني, وحينها يحقق الصادق فوزه برئاسة الجمهورية نفسها.. وهذا قول معقول ايضا وتسنده بعض اتجاهات الحكومة السودانية التي بدت اخيرا في تعديلها لقانون الجيش وهو القانون الذي رجح كفة الجيش في اتخاذ قرارات سياسية بشكل سافر.. ربما كان المقصود من ذلك ان يكون الجيش قوة ضغط وكبح.. في عهد رئاسة الصادق المقبلة لحكومة السودان.