منذ خطابه الأول عقب توليه مقاليد الأمور في الجزائر, طرح الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ملف المصالحة الوطنية والوفاق بهدف اعادة الاستقرار والأمن إلى الجزائر . المصالحة التي تقوم على التمسك بالدستور والقوانين الجمهورية, واحترام المؤسسات الدستورية والوطنية التي قدمت خدمات جليلة للوطن, وفتح المجال للعفو وعودة المتشددين ومؤيديهم ممن نبذوا الارهاب. وحتى يبرهن بوتفليقة على موقفه وطرحه سارع باصدار بعض قرارات العفو خلال الأيام الماضية وخرجت بعض عناصر التيار الإسلامي من السجون. والملاحظ ان هذا الطرح قد وجد قبولا لدى الكثيرين, ومنهم الجيش الاسلامي للانقاذ بزعامة مدني مزراق الذي أصدر بيانا رحب فيه بوقف اطلاق النار والعمل على اعادة الاستقرار والأمن داخل البلاد. كما رحبت به بعض الأحزاب الجزائرية, ولكنها طالبت بخطوات أخرى مثل انهاء حالة الطوارئ واحداث حالة من الانفتاح السياسي. هذه التطورات على الساحة الداخلية الجزائرية أوجدت حالة من الترقب والمتابعة من جانب المراقبين السياسيين في الخارج, وبدأت تطفو على السطح تساؤلات عديدة حول قدرة الرئيس بوتفليقة على الوفاء بوعده بتحقيق المصالحة, خاصة وان كل الرؤساء الجزائريين الذين تعاقبوا على الرئاسة منذ اندلاع الأزمة عام 1992 تحدثوا عن ذلك ولو بدرجات متفاوتة. ومع ذلك لم تتحقق المصالحة أو الوفاق, كما يثور التساؤل أيضا حول امكانية استيعاب الجماعات المسلحة والمصير السياسي لجبهة الانقاذ, وامكانية أن تؤدي هذه الخطوة إلى وقف نهر الدم الذي يتدفق في الجزائر منذ سبع سنوات وغيرها من التساؤلات. (الملف السياسي) طرح هذه التساؤلات على الدكتور حسن بكر أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط والحائز على جائزة الدولة التشجيعية, والدكتور وحيد عبدالمجيد الخبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام ورئيس تحرير (التقرير الاستراتيجي) . وقد أظهرت اجابتهم وجود الكثير من التباين في الآراء. خطة تنموية في البداية طرحنا على الدكتور حسن بكر التساؤل الخاص بامكانية توقف نهر الدم في الجزائر, في ضوء التطورات الأخيرة وسياسة الوفاق الوطني التي ينتهجها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة. قال: أعتقد انه من الممكن حدوث ذلك, وان يتوقف العنف في الجزائر إذا أجاد الرئيس الجزائري اللعب على بعض المسارات, ومنها اشباع الحاجات الأساسية للإنسان الجزائري والتي تكفل له الحياة الكريمة, وذلك بالعمل على الحد من البطالة, وايقاف سيل الهجرة المتدفق للشمال. إن اقناع الجزائريين بأن معاناتهم سوف تنتهي سيدفعهم للبقاء في صف الحكم, وهذا الاشباع للحاجات الأساسية يتطلب وجود خطة تنموية هيكلية هدفها الأساسي المساواة بين المواطنين, بين من يملكون ومن لا يملكون الثروة القومية. المسار الثاني هو العمل على تنشيط التيار العروبي مرة أخرى, واحياء القيم العربية والإسلامية, وأن يكون النظام القيمي في الجزائر غير مضغوط برعاية فرنسية.. بمعنى أن تقوم شرعية الحكم في الجزائر على أسس عربية إسلامية. وإذا كانت العروبة غير مقبولة في مناطق البربر, فإن وجود نظام عادل لتوزيع الثروة واحياء القيم الإسلامية سوف ينعش من آمال البربر في وجود نظام عادل في الجزائر. لابد من احياء القيم العربية والاسلامية في مواجهة الفرنسية, وإيقاف الطابع الاستهلاكي للنظام في الاعتماد على منتجات أوروبا, وبالذات فرنسا, وابعاد أية سيطرة لها على الجيش, سواء من حيث التدريب أو التسليح أو التعليم. المسار الثالث يتعلق بإيقاف صراع المصالح بين النخب الحاكمة في الجزائر, وأن يكون هناك قدر من الشفافية والمكاشفة والمراجعة المستمدة من النظام القانوني والشرعي في الجزائر. إن صراع المصالح ونظام الشللية والمحاسيب غير المشروع, دفع بالجزائر إلى نهر من الدماء, وفي ظل غيبة أي نظام تشريعي أو شرعي للمحاسبة فضل المواطن الجزائري الاندفاع إلى المجهول فظهرت جماعات العنف وحدث ما حدث. وأوضح الدكتور حسن بكر ان أي نجاح للرئيس بوتفليقة في مسعاه للوفاق الوطني وايقاف نهر الدم في الجزائر, لن يتحقق إلا من خلال استيعاب التيار الإسلامي ومنه الجماعات المسلحة وبناء الثقة بينهم وبين مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات ووسائل اعلام.. بمعنى انه في حال اعلان العفو عن بعض عناصر التيار الإسلامي فيجب ألا تكون هناك اجراءات انتقامية منهم بعد ذلك, بل احتواؤهم في المجتمع. ومن الممكن بعد فترة تسليم البعض منهم مواقع قيادية في المستوى الأدنى للحكم لكي يشعروا انهم موجودون ومؤثرون ولهم دور يلعبونه في المجتمع الجزائري. اجراءات بناء الثقة بين التيار الإسلامي ومؤسسات المجتمع المدني هامة للغاية, وهي التي ستكفل الاستقرار بعد ذلك, وهذا لن يحدث إلا بعمل المزيد من الاجراءات الموسعة للحرية بالنسبة لهم, مثل السماح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية وخطط التنمية والإدارة الحكومية. معالم أساسية وفيما يتعلق بقدرة الرئيس الجزائري بوتفليقة على تحقيق السلام والوفاق في الجزائر ومدى اختلافه عمن سبقوه في الرئاسة, أشار الدكتور حسن بكر إلى ان الرئيس الجزائري الحالي عبدالله بوتفليقة لديه القدرة على تحقيق السلام في الجزائر, فهو سياسي جزائري كان قريبا من السلطة لسنوات طويلة, ويعلم كثيرا عن حقيقة الأوضاع الجزائرية وخاصة العوامل التي أدت إلى هذه الحالة المتردية. أيضا ينتمي بوتفليقة إلى التيار العروبي في الجزائر, فهو من رعاة العربية في الجزائر. وهذه النزعة معروفة عن الثوار الأوائل, وهو يعلم جيدا ان الطريق الذي سار فيه من سبقوه كانت نتائجه ما تعاني منه الجزائر في الوقت الحالي من تدهور ومعاناة اقتصادية وأصولية إسلامية بعضها دموي أدى إلى تدفق أنهار الدماء حتى وصل عدد ضحايا العنف في الجزائر إلى نحو 100 ألف شخص. لقد سادت الفترة التي سبقت قدوم بوتفليقة إلى السلطة ثلاثة معالم أساسية للوضع الجزائري. أولها: الارتباط أكثر فأكثر بالثقافة الفرنسية, وهذا يناقض العروبية وبالتالي يناقض الجوهر الإسلامي للثورة في الجزائر. ثانيها: انتشار الفساد بشكل غير مسبوق بين قطاعات النخبة الحاكمة في الجزائر, مما أدى إلى ايجاد حاجز ضخم بين من يملكون ومن لا يملكون إلى الحد الذي جعل الكثيرين يتمنون اللحاق بفرنسا قبل فوات الأوان. ثالثها: عسكرة المجتمع وتدخله في شؤون الحكم في الجزائر. لقد أدى انتشار الفساد السياسي وفرسنة المجتمع وعسكرته إلى احداث القلاقل, وتحول المجتمع من أقصى اليسار في الستينات إلى اليمين في الثمانينات والتسعينات. ولم يكن مطروحا هذه المرة على الساحة منظمات اشتراكية أو قومية أو ماركسية, إنما كان مطروحا موجة عارمة من الأصولية التي امتدت من المغرب غربا حتى أفغانستان شرقا, مكتسحة في طريقها كل العوامل التاريخية والسياسية والجغرافية. فهذا هو البديل الإسلامي الذي طرح في الجزائر. وبوتفليقة يعلم حقيقة ذلك جيدا, لذلك ركز في خطابه السياسي على ضرورة الانتصار للتيار العروبي والإسلامي في الجزائر. احتمالات الفشل والملاحظ ورغم نبرة التفاؤل التي سادت حديث الدكتور حسن بكر حول قدرة بوتفليقة على العبور بالجزائر إلى واقع أفضل وانهاء حالة التوتر وإيقاف نهر الدم هناك فإنه مع ذلك لا يستبعد فشله في ذلك, ويقول: احتمالات فشل بوتفليقة واردة, وذلك لعدة أسباب. أولها: انه قد يخفق في اجراءات بناء الثقة نتيجة عدم وجود ثقة من طرف تجاه الآخر, فهذا سوف يؤدي إلى تقويض كل الخطوات التي يقوم بها بوتفليقة في اتجاه الوفاق والسلام في الجزائر. وثانيها: عدم رغبة الجيش الجزائري, وهو مؤسسة قومية يحكمها التجاذب بين عنصرين العروبيين المسلمين الذين يتجهون شرقا, وعنصر المتغربين المنتمين للثقافة الفرنسية, وهؤلاء هم جوهر الجيش الجزائري. الجيش إذا أراد أن ينضم تحت لواء بوتفليقة وأعلن رغبته الحقيقية بالمشاركة الفعالة والايجابية في خطوات بناء الثقة والوفاق الوطني, فسوف يكون ذلك خطوة ايجابية وفعالة.. أما إذا أبدى الجيش عدم رغبته وتأييده فيما يقوم به بوتفليقة فمن المؤكد ان ذلك سيؤدي إلى فشل هذه الخطوة. ثالث الأسباب فرنسا, فالعلاقات الجزائرية الفرنسية ورغم كل ما يقال عنها ورغم استقلال الجزائر, ورغم تأكيد بوضياف وزروال وبوتفليقة وكل القادة الجزائريين على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر, فإنه لا يزال هناك لفرنسا صوت مسموع في الأوساط الجزائرية. فهناك أجنحة في الجزائر لا تزال حتى اليوم تعتبر فرنسا قبلة لها, وهناك أجنحة في فرنسا ترفض استقلال الجزائر. هذه الأسباب الثلاثة, اضافة إلى تخلي بعض الأنظمة العربية عن مساندة الجزائر في تخطي أزمتها قد تؤدي إلى فشل الخطوات التي يقوم بها الرئيس بوتفليقة لتحقيق الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي في الجزائر. اجراءات محدودة على الجانب الآخر يرى الدكتور وحيد عبدالمجيد ان هذه الخطوة التي أقدم عليها الرئيس بوتفليقة باطلاق سراح عدد من عناصر الجماعات الاسلامية المسلحة, وقرارات العفو التي أصدرها واعلان رغبته في تحقيق الوفاق في الجزائر.. كل هذا لن يوقف نهر الدم بل ان هذه الخطوات قد تساعد فقط في الحد من العنف وبدرجة معينة طالما بقيت العوامل المولدة للعنف موجودة. ومعروف ان العوامل المولدة للعنف لا تعالج بقرارات عفو, وإنما بقرارات سياسية واقتصادية واجتماعية. قرارات العفو لا تكفي لحل المشكلة من جذورها, ولكنها تعالج عرضا من أعراض المرض, أما المرض نفسه فقائم متوغل في المجتمع الجزائري نتيجة القيود الكثيرة المفروضة على الحياة السياسية هناك, والأزمة الاقتصادية المترتبة على عدة عوامل أهمها الفساد الذي نتج عن تغيرات اجتماعية واسعة لم تتمكن الدولة الجزائرية من التعامل معها بالأساليب المناسبة. هذا الفساد واسع النطاق ومنذ حكومات الثورة الجزائرية, ووصل ذروته في عهد حكومة الرئيس الجزائري السابق بومدين والذي كان أحد أقطابه الرئيس الجزائري الحالي عبدالعزيز بوتفليقة, ولذلك فهو يعرف جيدا الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انتشار الفساد. هناك متغيرات اجتماعية واسعة لم يتيسر التعامل معها بشكل ملائم بسبب الفساد السياسي والاقتصادي, والذي أدى بدوره إلى توقف بناء المشروعات الجديدة وعدم توفير فرص العمل للحد من البطالة.. وإذا اقتصر الأمر على التعامل مع جانب واحد وهو الاعتقالات, فمن الممكن أن يتحسن الوضع في الجزائر على المدى القصير فيما يتعلق بالعنف, ولكن الأرجح ان الأزمة سوف تتصاعد مرة أخرى ويستمر الاحتقان, إلى أن ينتج عنفا جديدا في مرحلة لاحقة, وقد يكون أوسع نطاقا مما حدث في السنوات الماضية. وعن رأيه في قدرة الرئيس الجزائري الحالي على تنفيذ طرحه وبرنامجه الخاص بالوفاق والمصالحة وهل يختلف في ذلك عمن سبقوه من الرؤساء الجزائريين؟ يؤكد الدكتور وحيد عبدالمجيد ان أي رئيس تولى الأمر في الجزائر منذ فترة الرئيس السابق بن جديد حتى الآن كانت حرية الحركة أمامه محدودة, لان القرار في الجزائر هو قرار المؤسسة العسكرية. فإذا استطاع بوتفليقة التعامل مع هذا الأمر بحيث يتمكن من اقامة جسور التعاون مع الجيش فسوف يختلف عن الرؤساء السابقين, أما إذا لم يستطع القيام بذلك فلن يختلف عنهم. وفي هذه النقطة يختلف أيضا الدكتور وحيد عبدالمجيد مع الدكتور حسن بكر والذي يرى ان بوتفليقة لديه من الامكانات الشخصية ما يؤهله للقيام بذلك ولكنه ألمح إلى أهمية دور المؤسسة العسكرية. الشكل المطلوب أما بالنسبة للجماعات الاسلامية المسلحة وجبهة الانقاذ والمصير السياسي المنتظر لها, فإنه فيما يتعلق بالصراع بين الحكومة الجزائرية وجبهة الانقاذ هناك تقدم في طريق الحل, ولكن هذا التقدم لم يكن بالشكل المطلوب. فهناك جزء من الجبهة ما زال رافضا لان تكون قرارات العفو هي الاجراءات الوحيدة التي يمكن اتخاذها للمصالحة, فهم يطالبون بقرارات أوسع نطاقا من أجل المصالحة. أما بالنسبة للجماعة المسلحة وتوابعها الكثيرة فستظل كما هي في حالة حرب مع النظام, ولا تنطبق عليهم قرارات العفو. وبالتالي فإن هذه القرارات جاءت في صالح الحكومة الجزائرية لانها ركزت الصراع مع الجماعة المسلحة وحدها, وبذلك استطاع بوتفليقة تحييد جبهة الانقاذ, وبحيث تتاح لقوات الأمن الجزائرية خوض معركة أفضل مع الجماعة المسلحة, وهذا قد يؤدي إلى تراجع الجماعة المسلحة خلال الفترة المقبلة واضعاف مركزها, لان المعركة ستشتد ضدها وستصبح هي الطرف الوحيدة الذي يتلقى الضربات بعد أن كان هناك طرفان معارضان لذلك, ولكن هذا لا يعني انها ستنتهي.. معدلات العنف قد تتراجع نسبيا نتيجة لان جزءا من الذين يمارسون العنف قد توقفوا, ولكن ذلك لا يعني توقف العنف نهائيا في ظل الاجراءات الحالية. نتائج هذه المعركة على المدى البعيد تتوقف على مدى قدرة الرئيس بوتفليقة على اجراء اصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية ودستورية, على النحو الذي يسمح بتوسيع اطار التعددية واقامة ديمقراطية حقيقية ومواجهة الفساد بجدية.. والأرجح انه لن يفعل ذلك, لان طبيعة النظام في الجزائر لن تسمح له باجراء اصلاحات حقيقية في ظل تركيبته السابقة, وبالتالي لن يقدم على هذه الاصلاحات, وبالتالي أيضا لن يكون هناك حل جذري للعنف في الجزائر. الدور الخارجي وفيما يتعلق بدور القوى الدولية مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في استمرار الصراع أو تحقيق الوفاق في الجزائر, قال الدكتور وحيد عبدالمجيد: من مصلحة فرنسا أن يتحقق الاستقرار في الجزائر, والخلاف السابق بين فرنسا والحكومات الجزائرية السابقة جاء بسبب ان فرنسا كانت ترى ان هذه الحكومات ليست جادة في اتخاذ اجراءات جدية للحد من العنف.. وأعتقد ان المشكلة سوف تستمر مع بوتفليقة, لانه ليس متوقعا أن يقدم على خطوات جدية. فرنسا تدرك ان حل المشكلة في الجزائر لن يتحقق فقط بقرارات عفو, ولكن مع ذلك من المتوقع أن تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية تحسنا خلال الفترة المقبلة بموجب قرارات العفو. المشكلة في داخل الجزائر وليست خارجها, وهذا ينطبق أيضا على الدور الأمريكي في الصراع.. المشكلة لا يستطيع أحد حلها ما لم تكن المؤسسة العسكرية في الجزائر راغبة في تحقيق الوفاق.. هناك اختلالات كثيرة في المجتمع الجزائري ولا يمكن تحقيق مصالحة جادة ووفاق دائم دون اصلاح, حتى لو أرادت فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية هذه المصالحة. القضية داخل الجزائر وليست خارجها. القاهرة ــ مكتب البيان