تدخل الجزائر مع تولي الرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة مرحلة جديدة من مراحل المراهنة على التخلص من سنوات التأزم الاقتصادي والسياسي الممتد لاكثر من عقد ونصف حتى الآن, ورغم الجدل الكبير الذي يثور بين الحين والآخر عن اولويات الاصلاح أهي تكمن في المجال السياسي ام الاقتصادي؟ فان الواقع يؤكد على ان كلا من المجالين يعد بمثابة نظم فرعية في منظومة واحدة ورغم ان اي تقدم في اي جانب منهما قد ينعكس على الآخر الا ان الاهم هو ان التفاعل بين هذين المجالين هو لحظي وقائم دائما بحيث يكون الفصل هو نوع من التعسف في توجيه دفة الحكم. فالمشكلات ليست حديثة بل ان تراكمها سواء على المستوى السياسي ام الاقتصادي تكاد تحكم بانه من المستحيل السير في مستوى دون الآخر حتى ولو من باب المقولات الشائعة التي تؤكد على اولوية الاستقرار السياسي لتحقيق استقرار وتقدم اقتصادي. اذ يمكن القول دائما بان مكونا هاما من مكونات عدم الاستقرار السياسي ذاته يكمن في تدهور الاقتصاد ومستويات معيشة الجماهير التي هي ذات وموضوع الفعل السياسي. من هنا فان مراجعة التطور الاقتصادي الجزائري والبرامج التي وضعت لتحقيق اصلاحات جوهرية فيه والتحديات الرئيسية التي تواجهه في المستقبل تعد جزءا لايتجزأ من عملية فهم عدم الاستقرار السياسي الذي شهدته البلاد في الماضي وفرص تحقق هذا الاستقرار في القادم من الايام. فقد شهدت الجزائر خلال العقد 1988 ــ 1998 تغيرات اقتصادية عميقة, حيث اقدمت البلاد على اجراءات تثبيت الاقتصاد الكلي وابتعدت عن التخطيط المركزي الى اقتصاد يعتمد اساسا على آليات السوق. ومنذ عام 1994 اعتمدت الجزائر على برنامج شامل للاصلاح تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي, وبتأييد ودعم من البنك الدولي والدائنين الاجانب, وقد حققت البلاد تقدما طيبا في جانب الاصلاحات الهيكلية الاساسية والتي تعد ضرورية لتحقيق المزيد من النمو الاقتصادي مستقبلا. وفي مايو 1998 اكملت الجزائر اربعة اعوام من العمل ببرامج للاصلاح الهيكلي التي وضعت بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي. وتواجه السلطات الجزائرية الآن عودة التحدي المتمثل في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وبرنامج الاصلاح في وجه الانخفاض الحاد في اسعار صادرات النفط والغاز. أزمات ممتدة عند استقلال الجزائر في عام 1962 كانت البلاد تعد الى حد بعيد مجرد مجتمع زراعي فقير وذي قاعدة صناعية محدودة. وخلال الخمسة والعشرين عاما التالية على الاستقلال اتبعت البلاد النمو الاشتراكي التقليدي وهو ذلك النموذج الذي يعتمد التخطيط الاقتصادي المركزي والملكية العامة لوسائل الانتاج وسيطرة القطاع العام على كافة الانشطة الصناعية واغلب انشطة الخدمات, وكانت الاستراتيجية المسيطرة في مجال الصناعة هي استراتيجية التصنيع للاحلال محل الواردات, كما قامت السلطات الجزائرية باقامة مزارع كبيرة تعود ملكيتها للدولة من خلال تأميم الاراضي, وقد تم الاعتماد في تمويل هذه الاستراتيجية بشكل رئيسي على عائدات صادرات النفط والغاز استفادة من الطفرات السعرية الكبيرة في عام ,1973 ثم خلال الفترة 1979 ـ 1981, وهو ما خلق مدخرات محلية كافية وبشكل مكن من تجنب الاستدانة الخارجية حتى اوائل الثمانينات. ولكن بدءا من عام 1983 حينما بدأت اسعار النفط في الانخفاض نسبيا وبدأت منظمة الاوبك تلجأ لوضع حصص للانتاج بدأت المشاكل الاقتصادية في الظهور بالجزائر فقد ركد الانتاج في كل المؤسسات العامة ومزارع الدولة وهما يمثلان معظم الناتج الجزائري, ونتيجة لذلك زاد الاعتماد على الواردات خاصة من الاغذية اضافة لذلك فقد تخلفت مشروعات الدولة بشدة في مجال الاسكان عن الجدول الزمني الموضوع لها وهو ماخلق مشكلة اقتصادية واجتماعية خطيرة, علاوة على ذلك فان كافة المشروعات الصناعية الجديدة كانت تعمل بأقل من طاقتها الانتاجية بكثير. ومع حلول عام 1986 ونتيجة لصدمة انهيار اسعار النفط والغاز انخفض دخل الموازنة الجزائرية بنحو 50%, واضحت مشكلات التخطيط المركزي بارزة للعيان. وفي محاولة لحل هذه المشكلات بدأت الدولة في مباشرة سلسلة من الاصلاحات للتثبيت الاقتصادي ثم للاصلاح الهيكلي, وفي البداية كانت سرعة التكيف منخفضة مما ادى الى تزايد اختلال الموازين الاقتصادية الداخلية منها والخارجية. حيث بلغ العجز في الموازنة العامة على سبيل المثال ما يصل الى 13.7% من الناتج المحلي الاجمالي عام 1988 نتيجة لان خفض الانفاق لم يكن متماثلا مع الانخفاض الكبير في الايرادات وفي غياب سوق مال محلي فان عجز الموازنة كان يتم تمويله عن طريق الاصدار النقدي وتراكم الدين الخارجي عاما وراء الآخر. وقد ترتب على ذلك ارتفاع معدل الدين الخارجي للناتج المحلي الاجمالي ليبلغ 41% بعد ان كان لايزيد عن 30% في عام 1985, كما ان معدل خدمة الدين كنسبة من الصادرات زاد باكثر من الضعف بين نفس العامين. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1989 و 1991 اعتمدت السلطات الجزائرية على برنامجين لصندوق النقد الدولي حيث تضمن هذان البرنامجان سياسة متشددة لادارة الطلب وخفضا ملموسا في سعر صرف الدينار الجزائري وتم تقييد الانفاق في الوقت الذي زادت فيه الايرادات من صادرات النفط والغاز وهو ما ادى الى تحقيق فائض مالي في الموازنة العامة. كما ان هذه السياسة المالية المتشددة ادت الى انخفاض كبير في نمو الاصدار النقدي الجديد وهو ما ادى الى امتصاص جزء من فائض السيولة الذي تراكم على مدى السنوات السابقة. ومع ذلك فان هذه البرامج كان لها ثمنها على الجانب الاقتصادي والاجتماعي بل والسياسي ايضا مع بروز شعبية التيار الاسلامي وقدرته على جذب تأييد كبير من الجماهير التي كانت معاناتها الاقتصادية تتزايد دون افق واضح لحل او حلحلة هذه الازمات الاقتصادية. وفي الوقت الذي كان يتم فيه التخلي تدريجيا عن الدور التقليدي الكبير للدولة في حقل الاقتصاد كانت البلاد تفتقر في الوقت ذاته الى اطار شامل بديل لخلق اقتصاد سوق كفء وهو ما حد من النتائج التي ترتبت على البرامج التي طبقتها الجزائر خلال هذه الفترة. وخلال الفترة 1992 ــ 1993 توجهت الحكومة من جديد الى محاولة دعم النشاطات الاقتصادية بسياسات مالية توسعية مرة اخرى بينما ظلت ملتزمة تماما بالوفاء بخدمة ديونها الخارجية والتي بلغ معدلها ما يزيد على 80% من حصيلة الصادرات خلال هذه الفترة, وذلك كنتيجة اساسية لهيكل هذه الديون الذي كان يتميز بكونه قصير او متوسط الاجل كما كان جزءا كبيرا منه دين للمصادر الخاصة. وقد ترتب على زيادة الانفاق الحكومي سواء في مجال الاستهلاك او الاستثمار تدهور ميزان المدخرات / الاستثمارات الحكومية باكثر من عشر نقاط مئوية من الناتج المحلي الاجمالي خلال هذين العامين. طاعة الصندوق استمر التدهور الاقتصادي في الجزائر في بداية عام 1994 حينما عادت اسعار النفط والغاز للتدهور مجددا مع تزايد عدم الاستقرار السياسي واعمال العنف السياسي وتضاؤل فرص التمويل الخارجي, وهو مادفع بالبلاد الى حافة ازمة خانقة في ميزان المدفوعات واضطرت الحكومة الجزائرية الى الاقدام على توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج للاصلاح الهيكلي في مايو 1994 وهو اتفاق كان يسري لمدة عام وهو ما ترتب عليه تلقي البلاد 731.5 مليون وحدة حقوق سحب خاصة (نحو 1.07 مليار دولار) من صندوق النقد. واعقب هذا الاتفاق اتفاق آخر في مايو 1995 يسري لمدة ثلاثة اعوام لاستكمال خطط الاصلاح وتلقت الحكومة نتيجة ذلك دعم مالي من الصندوق بلغ مقداره 1.1 مليار وحدة حقوق سحب خاصة ( نحو مليار دولار). وقد هدفت برامج الاصلاح خلال هذه الفترة الى تحقيق تعديل جوهري في السياسة المالية بما يسمح بقصر دور الحكومة على تقديم السلع والخدمات العامة, وكذلك تقوية الموازنة باعادة النظر في النظام الضريبي لخفض الاعتماد تدريجيا على العائد من النفط والغاز, وباعادة توجيه الانفاق الحكومي الى مجالات تعمل على حفز النمو الاقتصادي. ونتيجة لان المعاملات الخارجية كانت تلعب دورا هاما في الاقتصاد الجزائري مع سيطرة قطاع النفط والغاز على الصادرات, فان استمرار الاختلالات المالية في نهاية الثمانينات قد ادت إلى الحفاظ على سعر صرف مغال فيه وتراكم الدين الخارجي, ولذلك تضمن برنامج الاصلاح ضرورة الاقدام على عملية تحرير الاسعار مع خفض كبير في سعر صرف الدينار الجزائري, ووضع اجراءات لتحرير التجارة وسعر صرف العملة وهو ما ادى إلى زيادة معدلات الاسعار في الفترة الاولى من الاصلاحات خلال الفترة 1994 ــ 1998. ومع ذلك لا يمكن انكار ان هناك نجاحات تحققت خلال فترة الاصلاح ليس بسبب البرنامج وحده ولكن ايضا للارتفاع الكبير في اسعار النفط لاسيما خلال عام 1996 و,1997 فقد انخفض معدل التضخم إلى نحو 6% في المتوسط في عام 1997 بعد ان كان قد ارتفع إلى نحو 30% في عام ,1995 وتم تحقيق تراكم في الاحتياطات من النقد الاجنبي لتزيد عن قيمة الواردات لمدة تسعة اشهر في نهاية عام ,1997 وانخفض معدل تضخم الدين إلى نحو 30% من قيمة الصادرات في عام 9971 بعد ان كان يزيد على 83% في عام ,1993 وبدأت الحكومة في الانسحاب من حقل الانتاج والتجارة مع تأسيس نظام اكثر اعتمادا على مؤشرات السوق لاسيما في المجال المصرفي ليضع قيودا على اقتراض شركات القطاع العام. ماذا عن المستقبل؟ عادت الجزائر لتشهد من جديد مصاعب اقتصادية مع انهيار اسعار النفط والغاز في عام ,1998 حيث انخفضت اسعار النفط من 19.7 دولارا للبرميل في عام 1997 إلى نحو 13 دولارا فقط في عام ,1998 وحيث ان عائدات النفط والغاز تمثل اكثر من 95% من قيمة الصادرات وتقدم ما يزيد على ثلثي ايرادات الموازنة العامة للدولة, فان الحكم وخاصة الرئيس الجزائري الذي تسلم الحكم حديثا عليه مواجهة عودة هذه المشكلات في هذا العام, والواقع انه رغم النجاح الجزئي لبرامج الاصلاح الهيكلي التي قادها صندوق النقد الدولي, الا ان معظم النجاح يمكن ان ينسب إلى الارتفاع في اسعار النفط والدليل على ذلك انه رغم تحقق فوائض هامة في الموازنة الحكومية وتوافر احتياطي كبير من العملات الصعبة الا ان النمو خارج قطاعي النفط والغاز كان محدودا بشدة وهو ما ترتب عليه تصاعد معدلات البطالة لتبلغ ما يزيد على 28% من حجم القوة العاملة وهي تهدد بالتزايد مستقبلا حيث ان اكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة تقل اعمارهم عن 25 عاما, وهو ما يعني انه لابد وان ينمو الاقتصاد بنسبة تتراوح بين 6 ــ 7% في المتوسط خلال العقد المقبل حتى يمكن استيعاب معدل البطالة الكبير والداخلين الجدد إلى سوق العمل, ومن اجل تحقيق هذا الهدف يؤكد صندوق النقد الدولي على ضرورة الاقدام على تنفيذ برنامج قوي للخصخصة اتفقت الجزائر بشأنه مع الصندوق والبنك الدوليين, ولكن المشكلة تكمن في انه بينما كان من السهل نسبيا التخلص من الملكية العامة في مجال المشروعات المحلية وهي بطبيعة الحال مشروعات صغيرة, فان الوضع ليس سهلا في مجال المشروعات الكبيرة, سواء من حيث عدم توافر المدخرات المحلية الخاصة اللازمة لشراء هذه الملكيات العامة ولعدم توفر سوق مال محلي متكامل مع تأخر البدء في اعمال البورصة الجزائرية أو التكلفة الاجتماعية والسياسية التي يمكن ان تصاحب عملية تحويل الملكية من القطاع العام للقطاع الخاص, فحتى عند تحويل الملكية في المشروعات المحلية الصغيرة ترتب عليها الاستغناء عن 160 الف عامل فما بالنا بالمشروعات العملاقة التي تعمل بها اغلبية القوة العاملة الجزائرية, ورغم ان عام 1999 يمكن ان يكون افضل نسبيا من عام 1998 من زاوية الايرادات من صادرات النفط والغاز مع الارتفاع النسبي في الاسعار بعد قرارات تقييد الانتاج من قبل الاوبك وغيرها من المنتجين الا ان قضية الاصلاح في الواقع تعد في جوهرها هي قضية تحقيق تغيير هيكلي كبير في الاقتصاد يمكن من خفض الاعتماد الكبير على هذين الموردين سواء كمصدر للصادرات أو للايرادات الحكومية, ناهيك عن ان القطاعين لا يوفران بحكم طبيعة التكنولوجيا السائدة فرص عمل كبيرة, من هنا فان تحقيق درجة مقبولة من التوافق في المجتمع الجزائري بقدر ما تحتاج إلى الاقدام على اصلاحات ومصالحات سياسية كبرى فانها في الوقت نفسه رهن بمدى النجاح في تحقيق تقدم اقتصادي حقيقي يوفر العمل ومستويات المعيشة اللائقة للمواطنين.