يوجد امل كبير لدى الجزائريين بصفة خاصة والعرب بصفة عامة في ان يتمكن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة من وقف نزيف الدماء وانهاء العنف الذي مزق البلاد طيلة سبع سنوات . فهو يمثل التيار العربي الاسلامي الذي حكم تاريخيا الجزائر ويمتلك الشرعية الثورية اللازمة واحترام كثير من قيادات الجبهة الاسلامية للانقاذ في الداخل والخارج. ستكون مهمته صعبة لكنه يمتلك الخبرة اللازمة والمصداقية الجيدة اللتين تساعدانه على انجاز مهمته على احسن وجه. لكن للتعرف على الازمة الجزائرية وابعادها, لابد من دراسة موضوعية للعنف الذي عصف بالجزائر, اسبابه, تطوره ثم افاقه. فقد تمكنت عمليا الجبهة الاسلامية للانقاذ ووليدها (المتمرد) الجماعة الاسلامية المسلحة من تنظيم عملية استخدام السلاح والمتفجرات بشكل مدهش, حيث نوعوا مصادر اسلحتهم. عن طريق التهريب وشبكات التجارة الدولية المحترفة في بيع وترويج السلاح, ومن خلال ما تنتزعه في كمائن من قوات الجيش الجزائري, ومنها ما تحصل عليه عبر تواطؤ بعض الجنود والضباط الصغار معها... او حتى ما تصنعه محليا. نجحت الحركة الاسلامية في بناء جيوش خاصة بها تمتلك السلاح, واصبح لديها القدرة والقوة اللازمتان لفرض نفسها على الساحة كسلطة. فهي تستطيع ان تعدم من يخونها او تحكم بالموت على المواطنين الذين يتعاملون مع الجيش ويرشدونه في حربه ضدها. وصارت قادرة على فرض الولاء بالقوة عبر ترهيب خصومها او حتى اسرهم. تعد هذه الوضعية حالة متقدمة جدا في الحروب الداخلية, فعندما تتمكن معارضة ما من منافسة احتكار الدولة للعنف المنظم تصبح مهمة السلطة الحاكمة عسيرة ومعقدة. فهي تعجز عن استقطاب المواطنين للعمل لصالحها, لانهم حتى في حالة الاقتناع بوجهة نظرها لا يتحمسون للتعاون معها خوفا من ردود فعل المعارضة المسلحة الانتقامية, فالمعارضة حينما ترتكب المجازر تهدف الى فرض سلطة الخوف او ما يسمى (الارهاب) لانها تمتلك سلطة البطش والقتل. تدهور الوضع سرعان ما اختلف الوضع منذ اواخر سنة 1994 وبداية 1995 حيث تغير المشهد الامني العسكري في الجزائر. وعلى عكس ما كان متوقعا لم يؤد استخدام الحركة الاسلامية والعنف المسلح بكثافة الى تقويض النظام, وانما ادى الى نتيجة عكسية ازداد بموجبها هذا النظام قوة وتدعمت قاعدته. تكيف الجيش الجزائري مع حرب العصابات وتمكن من احراز نجاحات عديدة في ميدان المعركة. لقد حاولت الجماعات المسلحة والمنظمة في اطار كتائب عسكرية اسقاط النظام عبر شن حرب عصابات مستمرة. كان هدفها (اسلمة المجتمع من القمة) بدل (اسلمته من القاعدة) . وحققت بعض النجاحات في بداية الامر خاصة في الفترة الممتدة من سنة 1992 الى سنة 1994, لكنها دخلت في ما بعد في عهد جديد تميز بالانشقاق الداخلي والتحول من محاربة الجيش الى ارتكاب مجازر بشعة افقدتها الكثير من المصداقية وجعلتها محل اتهام وسخط من قبل اغلبية الشعب الجزائري. واهم نجاح حققه النظام الجزائري يكمن في تفتيته للحركة المسلحة المناهضة له. لقد مرت الجماعات المسلحة بمرحلتين مختلفتين, تميزت المرحلة الاولى بوصولها الى اوج قوتها مع اميرها ابو عبدالله احمد (الشريف قواسمي). اما المرحلة الثانية, فاتسمت بالانحدار والانحطاط, واطلق عليها لقب (جماعة الذباحين) حسب تعبير انور هدام رئيس (البعثة البرلمانية) في الجبهة الاسلامية للانقاذ. شهدت هذه الجماعات المسلحة اوج تأثيرها في 14 مايو 1994 عندما تمكنت من عقد اجتماع تاريخي بينها وبين (الجبهة الإسلامية للانقاذ) التي مثلها كل من الشيخ محمد السعيد وعبدالرزاق رجام ويوسف بوبراس, و(حركة الدولة الإسلامية) التي مثلها الشيخان السعيد مخلوفي ورابح قطاف, وأنتج هذا اللقاء وحدة تنظيمية بينهم جميعا تحت قيادة (الجماعة الإسلامية المسلحة) . لكن لم تدم هذه الوحدة التنظيمية طويلا, كأن تاريخ جبهة التحرير الوطني يعيد نفسه بعد أكثر من أربعين عاما. قتل أمير الجماعة قواسمي بعد أربعة أشهر فقط من الوحدة في معركة مع قوى الأمن في ضواحي العاصمة يوم 26 سبتمبر 1994. فوجد هذا التنظيم الموحد نفسه أمام مأزق اختيار أمير جديد يخلف القديم, فتم الاتفاق على مضض على شخص أبو خليل محفوظ الذي واجه معارضة من قبل قادة الميدان وخاصة من جمال زيتوني المكنى بأبي عبدالرحمن أمين. واستمر هذا الخلاف حتى منتصف أكتوبر حينما أعلن تنازل محفوظ لزيتوني عن الامارة. ويعد جمال زيتوني من الجيل الشاب في الحركة الإسلامية المسلحة. كان يؤمن بالبطش وبانتهاج العمل المسلح غير التقليدي الذي يمكنه من أن يجذب انتباه وسائل الاعلام العالمية ليجعله في العناوين الأولى في الأخبار, واستخدم استراتيجية العنف في مداه الأقصى ضد أعدائه الخارجيين والداخليين. تمثل أول عمل استعراضي عنيف قام به في اختطاف طائرة فرنسية من مطار هواري بومدين في الجزائر في ديسمبر 1994. وفشلت العملية وانتهت بنجاح قوات التدخل الفرنسية الخاصة التي قتلت جميع الخاطفين وحررت ركاب الطائرة. وفي شهر فبراير 1995 تمكن تنظيمه من تفجير مقر الأمن الولائي في العاصمة الجزائرية في عملية انتحارية جريئة! وفي مارس من نفس السنة أعلن زيتوني هدر دم نساء وأمهات وبنات أفراد قوى الأمن. لم تقدر هذه الأحداث والقرارات الدموية التي اتخذها زيتوني أن تحجب ما بدأ يبرز من خلافات وانشقاقات داخل الجماعة الاسلامية المسلحة. لقد قام باعادة تنظيم مجلس الشورى وفقا لرغبته, كما أوقف نشرتي (الراية) و(الاعتصام) اللتين كانتا تحت اشراف الشيخ رجام, وقام بتغيير بعض أمراء المناطق, وألغى أي تزكية سابقة قدمها محمد السعيد ورجام ومخلوفي وشبوطي, ثم حصر تلقي المساعدات في شخصه كأمير للجماعة. اشتداد الخلافات اشتدت الخلافات داخل الجماعة من بداية 1995 الى سبتمبر من نفس السنة, حيث عزل زتويني الشيخين مدني وعلي بن حاجة من مجلس شورى الجماعة وأهدر دم شيوخ جبهة الانقاذ في داخل الجزائر وخارجها, وقتل عددا من قادة الجماعة المسلحة غير الخاضعة لسلطة زيتوني أو المتهمة بـ (مخالفات شرعية) مثل عز الدين باعة وناصر تيطراوي .. وانفجر الصراع أكثر واتخذ شكل انقسامات متتالية, فانشق عن الجماعة بخالد عبد الرحيم, أمير كتائب الغرب, في شهر سبتمبر 1995 وكذلك السعيد مخلوفي أمير حركة الدولة الاسلامية, وحصلت حروب دموية فيما بين الجماعة نفسها مثلما حدث في مناطق المدية وجيجل بين الموالين لزيتوني وجماعة الحبشي, كما حصلت تصفيات عشوائية داخل الجماعة ذهب ضحيتها عشرات من أعضاء تنظيم الجزأرة وعلى رأس قيادييه محمد السعيد وبوبراس. ان اغتيال محمد السعيد البالغ من العمر 48 عاما على يد جمال زيتوني يعد أكبر نكسة داخلية منيت بها (الحركة الاسلامية المسلحة) في الجزائر لقد انضم محمد السعيد الى الجماعة المسلحة بعد سجن عباسي مدني وعلي بن حاج في شهر يونيو ,1991 وأصبح في شهر مايو 1994 واحدا من قادتها الكبار. كما اغتيل معه عبد الرزاق رجام و17 من المقربين منه, ولم يكتف زيتوني بذلك, فقتل عددا من قادة الجماعة مثل أميرها السابق أبو خليل محفوظ, واعترف بمسؤوليته عن هذه الاعدامات بعد حصولها بشهرين, وبرر أفعاله بقوله انه تصدى الى (مؤامرة) هدفها الاطاحة بمنهج الجماعة السلفي واحلال منهج بدعي محله, وكانت النتيجة ان تفككت الجماعة الاسلامية المسلحة من الداخل, فانشق عنها الكثير من قادتها بعد ان اتهموا أميرها باعتماد منهج الخوارج في تحليل دماء المسلمين, ثم سرعان ما تمت تصفية جمال زيتوني نفسه الذي خلفه مفتي (الجماعة) عنتر الزوابري الذي أراد ان يواصل عمليات القتل الوحشي, فتميز عهده بالمذابح المتواصلة التي استهدفت سكان الأرياف المعزولة خاصة في منطقتي وسط الجزائر وغربها, ولم تفرق هذه المذابح بين الأطفال الرضع والنساء والشيوخ والشباب. وأصبح العنف السياسي المسلح ارهابا حقيقيا مرعبا يستأصل عائلات كاملة .. وتتالت الانقسامات .. وكثرت (الجماعات المسلحة) التي تعمل لحساب أمرائها, وكان قد سبق ان ظهرت (الجماعة الاسلامية للجهاد والدعوة) بقيادة مصطفى كرطالي أمير (كتيبة الأربعاء) حيث يعتمد على أنصار التيار المعروف باسم (الجزأرة) (نسبة الى الجزائر) والذي كان الشيخ محمد السعيد من أبرز وجوهه, وهو ما يجعله يختلف الى حد كبير مع (الجماعة الاسلامية المسلحة) التي تتبنى فكرا جهاديا وترفض معظم أفكار التيارات الاسلامية المعاصرة, اضافة الى المواقف الجديدة التي اتخذها (الجيش الاسلامي للانقاذ) بقيادة أميره مدني مزراق العامل في شرق وغرب الجزائر, تميزت هذه المواقف بتقارب كبير مع الجيش الجزائري وصل الى اعلان هدنة عسكرية من جانب واحد تجاه النظام, ويبدو ان اتفاقا سريا حصل بين الأمن العسكري بأمر من اللواء محمد مدين ومدني مزراق من أجل محاصرة الجماعة الاسلامية المسلحة والتعاون في سبيل القضاء عليها. نجاح الجيش نجح الجيش الجزائري في احداث انقسام شديد بين كل من الجيش الاسلامي للانقاذ المرتبط بالجبهة الاسلامية للانقاذ, والجماعة الاسلامية المسلحة, ووصل الأمر بالجبهة الاسلامية للانقاذ ان كتبت في نشرتها الصادرة في لندن (السبيل) : (ان الجماعة الاسلامية ليست سوى عصابة مسلحة منفصلة عن الشعب تحاول أن تفرض مخططاتها التخريبية على الشعب الجزائري) واضافت ان المتطرفين والجماعات المسلحة تحالفا ضد الشعب الجزائري وهما يعملان معا من أجل اهدار الدم وتواصل الأزمة التي تعصف بالبلاد) , كما نجح الجيش الجزائري في تشويه صورة الحركة الاسلامية المسلحة, ولم يعد مقاتل هذه الجماعة يرمز الى البطولة في نضاله ضد النظام العسكري, بل صار قاطع طريق ارهابيا يغتصب النساء ويذبح الأبرياء ولا يميز بين النساء والشيوخ والأطفال والرجال. وتمكن نفس الجيش من اختراق هذه الجماعات وكسب عملاء داخلها وأحدث فيها انشقاقات خطيرة, فتمزقت الى عصابات صغيرة تتقاتل فيما بينها أكثر من قتالها ضد الجيش, كما أبدى الجيش الجزائري مهارة فائقة سياسيا حينما تمكن من تحييد الجيش الاسلامي للانقاذ بقيادة أميره مدني مزراق وعقد اتفاق سريا معه, وكانت النتيجة ان أعلن أميره مزراق هدنة من جانب واحد, ووقفه لاطلاق النار منذ مطلع ,1998 في حين هاجمته الجماعة الاسلامية المسلحة واتهمته بالخيانة, وهو كثيرا ما يشترك في القتال الى جانب السلط ضدها. فشل اذن استخدام السلاح في اسقاط النظام بالقوة, بل أدى هذا العنف الى تقويته وجعله يتكيف مع الحرب الجديدة, كما ادى استخدام العنف الى اضعاف الحركة الاسلامية المسلحة جماهيريا, ويعود هذا الفشل اساسا الى عدم خيانة الجيش الجزائري أو حياده تجاه الصراع. وهكذا يجد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الوضع مواتيا ليشكل جبهة عريضة تحاصر الجماعة المسلحة, وسيكون من بين أعضائها كثير من مناضلي الجبهة الاسلامية للانقاذ الذين اختاروا مصلحة الجزائر ودعم الرئيس الجديد. * كاتب وباحث تونسي في العلوم السياسية / جامعة جنيف