أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة غداة انتخابه رئيسا للجزائر خلفا للرئيس الأسبق اليمين زروال, عزمه تسوية المعضلة الأمنية ليتفرغ لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية , وتسوية العلاقات المغاربية واولها علاقات الجزائر بالمغرب وتفعيل هياكل الاتحاد المغاربي. وبعد مرو ثلاثة أشهر من توليه الحكم كان الرئيس الجزائري عند وعده الذي قطعه أمام الشعب بعزمه على تفكيك العقدة الأمنية, وظهرت مؤشرات ايجابية من مسعاه السلمي, عندما دخل في مفاوضات مباشرة مع قادة الجيش الاسلامي للانقاذ, الجناح العسكري للجبهة الاسلامية المحظورة. واعتبرت الأوساط الاسلامية خطوة الرئيس بو تفليقة على انها خطوة نحو السلم, ورد عليها زعيم جبهة الانقاذ الاسلامية عباسي مدني برسالة وجهها الى الرئيس الجزائري بارك فيها مشروع السلم المدني الذي جاء به الرئيس الجديد, كما وصلت الرئاسة الجزائرية رسالة قائد الجيش الاسلامي للانقاذ مدني مزراق أعلن هو الآخر فيها القاء عناصره السلاح ووضعها تحت تصرف الجيش الجزائري, وذهب الى أبعد من ذلك في رسالته بموافقته على محاربة العناصر المتبقية من الجماعات الارهابية التي ترفض القاء اسلحتها وتسليم عناصرها الملطخة أياديها بالدماء, الى العدالة الجزائرية لتدرس ملفاتها المثقلة بالضحايا الأبرياء. عامل الثقة وكان الرئيس الجزائري اوضح قبل ذلك عزمه على تسوية الملف الأمني وتحقيق المصالحة الوطنية كمقدمة نحو انعاش الملف الاقتصادي واعادة مكانة الجزائر الاقليمية والدولية التي عرفت تراجعا خطيرا خلال السنوات الأخيرة خاصة الدبلوماسية التي كللت قبل بداية الأزمة بنجاحات وانتصارات اقليمية ودولية منها قضية الرهائن الأمريكيين الذين احتجزوا في السفارة الأمريكية بطهران وتوسطت الجزائر لحل قضيتهم. ويعلم عبد العزيز بو تفليقة, وهو الدبلوماسي المحنك العارف بخبايا السياسة الدولية, ان جميع مشكلات الجزائر الداخلية والخارجية مؤجل حلها الى حين تسوية الملف الأمني, لكن التساؤل الذي يطرح مرارا على اي مطلع على الملف الجزائري هو: هل يستطيع الرئيس بو تفليقة اقناع جميع الجماعات الارهابية الرافضة بالقاء سلاحها, والتي ضاعفت من عملياتها الارهابية منذ شهرين كرسالة منها ورد على مبادرة الرئيس برفضها اي مسعى سلمي يأتي من الدولة الجزائرية؟ الحقيقة ان معظم الجماعات الارهابية جرى تفكيكها في الأشهر الأخيرة بعمليات تمشيط قام بها الجيش الجزائري في المناطق الوعرة والجبال حيث تتواجد هذه الجماعات, وكان آخرها عملية نفذها الجيش الجزائري منذ شهرين في جبال الزبربر قتل فيها مالا يقل عن 200 ارهابي بينهم (أمراء) للجماعة الاسلامية المسلحة التي يقودها عنتر الزوابري, والتي انشق عنها حسن حطاب واسس الجماعة السلفية للدعوة والجهاد. وفي اعتقادنا ان الرئيس الجزائري توصل الى تفكيك عقدة هذه الجماعات بجعلها تعيد حساباتها وتدرك انه لايمكن لها ان تواصل وحشيتها مثلما كانت تفعل في السابق, وهكذا اشترط على عناصر الجيش الاسلامي للانقاذ مساعدة الجيش النظامي في محاربة وملاحقة العناصر المسؤولة عن الاغتيالات, وتتولى عناصر الجيش الاسلامي للانقاذ كشف هوية هؤلاء والقبض عليهم في جحورهم, وتسليمهم للجيش الجزائري الذي يتولى تقديمهم الى العدالة لمحاكمتهم عن جرائمهم, أما العناصر المغرر بها والتي لم ترتكب جرائم, فسينظر في موضوعها هي الأخرى طبقا لقانون العفو والرحمة الذي سيقدم للبرلمان للبحث فيه قريباً. اما الجماعات الارهابية كالجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة عنتر زوابري, والجماعة السلفية للدعوة والجهاد بقيادة حسن حطاب الذي انشق عن زوابري منذ أشهر, وكانت بعض الجرائد تحدثت عن وضعه السلاح, فإنهما اعلنا في بيانين مستقلين مواصلة الكفاح المسلح ضد النظام في الجزائر. وكان متوقعا رد الجماعات هذه على مشروع السلم المدني الذي طرحه الرئيس عبد العزيز بو تفليقة, وذلك لما يحمله سجل هذه الجماعات من قتل واغتصاب وزرع الهلع والموت في صفوف الشعب الجزائري. لكن عناصر هذه الجماعات تناقص عددها في الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ, وبقيت مختبئة في أماكن وعرة تحتمي فيها من ملاحقة قوات الجيش, وبالتالي لا تمثل هذه الجماعات اي تأثير سلبي على مشروع المصالحة الوطنية, لان تواجدها محصور في مناطق محددة من التراب الجزائري, بعد ان تلقت ضربات موجعة الاشهر الاخيرة من الجيش الجزائري. انما المشكلة تتمثل في قدرة النظام الجزائري اقناع مسؤولي الجبهة وجيش الانقاذ الاسلامي, بمسعى الرئيس الجزائري, لأنه حتى وان كان جيش الانقاذ اعلن تأييده لمشروع الرئيس بو تفليقة ولحق به عباس مدني, فإن بقية المسؤولين كعبد القادر حشاني وعلي جدي وبو خمخم المقربين من الرجل الثاني بجبهة الانقاذ علي بلحاج, متحفظون على مشروع المصالحة الوطنية بل ان اعلانهم الاخير المتضمن شروطا تعجيزية بمطالبتهم باطلاق جميع السجناء, ومناقشة مسببات الأزمة الجزائرية من يوم ظهورها الى اليوم كل ذلك يعني فتح ملفات سابقة معقدة تأخذ من الوقت الكثير. وأكثر من ذلك كله فقد شككت القيادات الجبهوية في مبادرة المصلحة في رسالة عباس مدني الأخيرة الى الرئيس الجزائري, والتي بثها التلفزيون الجزائري ونشرتها وكالات الأنباء العالمية بكاملها. ويبدو ان بعض عناصر الجبهة الاسلامية للانقاذ, يعتقدون ان رغبة الرئيس الجزائري في حل المعضلة الأمنية, تنم عن فشل النظام الجزائري في محاربة جماعات الارهاب ومن هذا المنطلق اعتقدت هذه القيادات انها في مركز قوة والنظام الجزائري في موقع ضعف, وبمعنى آخر نعتقد انها كسبت (الحرب) وعلى الخاسر, التوقيع على شروط المنتصر!! وفي اعتقادي ان جبهة الانقاذ المحظورة تمتلك نظرة ضيقة من أزمة الجزائر هي نظرة حزبية صرفة, بينما نظرة الرئيس الجزائري نظرة شاملة للوضع تشتمل على الجانب الأمني والسياسي والاقتصادي والدولي, واشار اليها عندما ربط ملف التنمية ومكانة الجزائر الدولية بالمعضلة الأمنية التي يراهن عليها للخروج من الأزمة كلها. يبقى على قيادات الجبهة ان تنظر الى مسعى الرئيس الجزائري على انه مسعى يخدم الجزائر كلها, ولا يخدم جناحا في السلطة أو الرئيس ذاته, بمعنى آخر فان جميع مشاريع المستقبل مؤجلة الى حين تسوية الملف الأمني. تداعيات الانفراج ينتظر في الأشهر المقبلة ان تشكل عناصر جبهة الانقاذ المحظورة طبقا للقانون حزبا سياسيا, يحترم قوانين الدولة الجزائرية ودستورها وينبذ العنف ولا يستعمل المساجد لأغراض حزبية سياسية كما احترمت ذلك أحزاب اسلامية تنشط في الساحة السياسية, وشاركت في جميع الانتخابات السابقة حتى الرئاسية منها على رأسها محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم, وعبد الله جاب الله زعيم حركة الاصلاح التي انشقت عن حركة النهضة. وباعتقادي ان مشاركة الطبقة السياسية في اثراء الحياة الديمقراطية في هذا البلد الذي لا يزال يعاني آثار الاستعمار الفرنسي, من شأنها ان تعيد الجزائر الى مكانتها الاقليمية والدولية التي كانت تحتلها في فترة السبعينات. والملاحظ ان الانفراج السياسي الذي تعرفه الجزائر منذ ثلاثة أشهر كانت له تداعيات ايجابية على مسار العلاقات المغاربية, وتجلى ذلك في التقارب السياسي بين المغرب والجزائر اللتين اعلنتا عن انفراج في علاقتهما التي تأثرت في السنوات الأخيرة بسبب الوضع الجزائري الداخلي واختلافهما في معالجة قضية الصحراء الغربية, وساهم ذلك في توقف العمل بهياكل اتحاد المغرب العربي. وتستعد الدولتان لفتح حدودهما البرية المغلقة منذ سنوات, في الأيام القليلة المقبلة, كما ان العمل جار بوتيرة سريعة لاعادة العمل بهياكل الاتحاد المغاربي الذي ترى شعوب المنطقة انه الاطار الأمثل الذي يمكن للدول المغاربية أن تدعم فيه علاقاتها وتواجه من خلاله التحديات والرهانات الاقليمية والدولية, وهذا ما سعى إليه الرئيس المصري حسني مبارك عندما زار المغرب ثم الجزائر, لانه يعرف ثقل البلدين في المنطقة. ويسعى الرئيس الجزائري إلى حل المعضلة الأمنية داخل الجزائر في أقرب الآجال, لكي يتفرغ لمعالجة بقية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية, علما بأن الجزائر تعاني مديونية خانقة أثرت على النسيج الاجتماعي الداخلي, حيث ان 75% من شرائح المجتمع من فئة الشباب الذين يعول عليهم الرئيس الجزائري في انجاح مشروعه الاقتصادي والاجتماعي.. ولقد كان الرئيس بوتفليقة واضحا في مواقفه السياسية عندما قال بأنه لا يحمل معه خاتم سليمان لحل مشكلات الجزائر, بل انه طالب بمساعدة الجميع له, والا اتخذ قرار العودة إلى بيته لانه لم يأت من أجل الكرسي بل قبل بتحمل المسؤولية, لانه يعتقد ان الجزائر على حفرة من الهلاك إذا لم نسارع لانقاذها. ونعتقد ان الشعب الجزائري فهم رسالة رئيسه جيدا, وانتخابه بأغلبية كبيرة تعبير عن الرغبة في التغيير, فالجزائر ابتعدت كثيرا عن المشاركة في قرارات دولية هامة لانها كانت منشغلة بمشكلاتها الداخلية, ونعتقد ان النظام الحاكم وجد آليات التكيف مع هذه المشكلات والسبل الكفيلة للخروج من هذه المرحلة الانتقالية الصعبة والمضطربة والتي فقدت الجزائر فيها أكثر من مئة ألف قتيل من أبنائها, كما وان الأيام المقبلة تحمل الكثير من أسباب التفاؤل باعادة الوئام والسلم لهذا الشعب العربي الأصيل الذي عانى الكثير. * باحث وكاتب في العلاقات الدولية