تعيش الجزائر حاليا مرحلة مفصلية في تاريخها الحديث, تمتزج فيها فرحة الأمل بفجر جديد ينهي سنوات الألم والعنف العبثي, مع مخاوف تركة الماضي الثقيلة ومفاجآت المستقبل غير المضمون حتى الان . ويواجه الرئيس بوتفليقة تحديات بالغة, ليس أقلها الآمال الكبيرة المعقودة عليه وعلى عهده الجديد, سواء من قبل الشعب الجزائري وقواه الوطنية, او من قبل الجماهير والدول العربية المتلهفة لعودة الجزائر الى موقعها ومكانتها الطبيعية في الجسم العربي, عضوا فاعلا ورمزا من رموزه النضالية والوطنية. اضافة الى ما تمثله الجزائر, بلدا وموقعا وتاريخا, من أهمية كبيرة تثير لعاب القوى الدولية وشكوكها ايضا. ولقد اثبت العهد الجزائري الجديد, رغم قصر الفترة الزمنية, انه قادر على تحديد اتجاه بوصلة العمل الوطني نحو مستقبل اكثر امنا واستقرارا, يليق ببلد المليون شهيد وتاريخه النضالي المشهود. غير ان قوى الظلام في الداخل ومطامع الهيمنة الخاصة, مازالت قادرة, هي الاخرى, على وضع المزيد من العراقيل والمطبات التي لن تتمكن من وقف مسيرة الشعب الجزائري نحو المستقبل, لكنها قد تعيق المسيرة وتؤخر الانطلاقة, ولو الى حين. هذا فضلا عن التركة الثقيلة التي خلفتها سنوات العنف والتخبط السياسي والاقتصادي, والتي اهدرت الكثير من ثروات الوطن, بما في ذلك الثروة الأهم: الانسان, وأهملت الموارد الاقتصادية وشتتت الجهود وزرعت الخوف في كل مكان. غير ان التأييد الكبير من قبل مختلف القوى والتيارات الجزائرية الذي حظي به الرئيس بوتفليقة ومبادراته الشجاعة ومصداقيته في العمل على تحقيق الاهداف التي عبر عنها خلال حملته الانتخابية, كل ذلك يدل على ان الرئيس الجديد استطاع ان يحدد بوضوح, للشعب الجزائري ولقواه السياسية والعسكرية على حد سواء, محدودية الخيارات المتاحة, فاما السير في طريق المصالحة والوئام الوطني الذي اختاره بوتفليقة ودعا اليه, وإما (الانتحار الوطني) الذي لن يستثني احدا وسيكون على حساب كل الاطراف المتصارعة والمتنافسة في الساحة الجزائرية. ويبدو ان القوى الفاعلة والمؤثرة في معظمها على الاقل, فضلت الخيار الاول, اما اقتناعا به كسبيل وحيد للعودة الى المسار الصحيح, واما ادراكا لحجم الثمن الباهظ والمدمر الذي سيترتب عليها دفعه في حالة العكس, لا سمح الله. اذاً, التحديات كبيرة.. وكبيرة جدا, لكن الطريق اصبح اكثر وضوحا, واذا كانت بعض الاطراف والقوى الداخلية او الخارجية مازالت مترددة في السير فيه او قبلته على مضض, فان الشعب الجزائري وقيادته المنتخبة ممثلة في الرئيس بوتفليقة, قد حدد وجهته وحسم اختياره, وهو الاختيار ذاته الذي يأمله ويتمناه كل عربي وكل وطني مخلص اينما كان.. لتبقى الجزائر دوما عزيزة كريمة, وليكون مستقبلها جديرا بالانتماء لماضيها العريق والمجيد.