في هذه الحلقة الجديدة من مذكراته التي تدور معظمها حول الحقبة الساداتية يواصل الدكتور رفعت السعيد امين عام حزب التجمع الوحدوي المصري تركيز الضوء على فئة في المجتمع اسماهم (المكتوبجية) ممن احترفوا كتابة التقارير عنه وعن (زملاء مناضلين) آخرين. ويكشف كيف انتقلت معارك الاتحاد الاشتراكي الداخلية الى بغداد! وكيف ان رجال السادات رفضوا عضوية احد قادة الاتحاد الاشتراكي في وفد مصري الى مؤتمر دولي عقد في بغداد متذرعين بأنه (صنايعي) !! ويروي تفاصيل (الخناقة) حول رئاسة الوفد والتي انتهت بمشادات وعبارات غير لائقة, وكيف ان زملاءه في الوفد وشوا عنه في تقرير للجهات العليا قائلين عن رفعت السعيد انه زعيم في حزب البعث! وقبل ان اتجه الى المطار مسافرا الى بغداد ممثلا للمجلس المصري للسلام في مؤتمر عقد في يناير 1975, اتصل بي تليفونيا الدكتور (ث) وهو استاذ بكلية الحقوق, وقال: انه وزميله الدكتور (ع) الاستاذ بالكلية نفسها, سيسافران ليمثلا الاتحاد الاشتراكي في المؤتمر ذاته, وان د. المحجوب نصحهما بأن يتصلا بي للتنسيق معي اذ لا خبرة لهما بمثل هذه المؤتمرات. وأبديت الترحيب التقليدي المفترض, لكنه باغتني بسؤال: تعرف ولد اسمه محمد عبدالسلام؟ فتحت اجندة الذاكرة اقلب في الاسماء.. وقال لكي يساعدني: عامل في المصانع الحربية. هو ليس ولدا اذن, انه عم عبدالسلام رئيس نقابة عمال الصناعات الحربية, وعضو اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي. وكنا اصدقاء وكان عضوا في المجلس المصري للسلام. سردت من الذاكرة هذه المعلومات, وتلقاها الدكتور (ث) يتأفف قائلا: عارف يا سيدي, على فكرة هو كمان مسافر في نفس الوفد, قالها مستنكرا, أو متأففا, أو هما معا. ولم أعر الأمر اهتماماً, وحزمت حقائبي. .. في المطار قابلت عم محمد.. تبادلنا القبلات, كان صوته الخشن يملأ المكان, ويحتل كل الفراغات, كنت قد تناسيت ــ أو أحاول ــ مكالمة السيد (ث) , فجأة لمحته هو والآخر يحتلان طرف المكان, وأشارا الي. دهشت عندما أبديا دهشتهما من جلوسي وتباسطي مع هذا (الولد) . تاني ولد, يا سيدي ده زعيمك, هو عضو اللجنة المركزية في اتحادكم الاشتراكي. ومن الطبيعي ان يكون رئيس وفدكم. أما أنا فممثل لجهة أخرى هي مجلس السلام. الغريب انهما لم يستطعا استيعاب الأمر, وقال (ع) بلهجة طفولية: احنا مش ممكن نبقى في وفد واحد مع الصنايعي ده, وقررنا عدم التعامل معه, أنت عايز تتعامل معه انت حر, احنا في الأمر اساتذة جامعيين لنا احترامنا, ولم أجادل, فما من نقاش يمكنه ان يمنح عقلية كهذه قدراً قليلاً من الصواب. وفي الطائرة سألني عم محمد ببساطة وسلامة نية: همه الدكاترة قاعدين بعيد ليه؟ مكسوفين والا ايه؟ مش أنت دكتور زيهم روح انده لهم, فلما رفضت, وقف هو فأجلسته بحدة, خشية ان تبدو من أحدهما كلمة جارحة فيلتهب الموقف. بألفاظ مخففة جداً, مخففة الى درجة انها فقدت مذاقها حاولت ان أشرح الموقف, الرجل عاقل وذكي وابن بلد, فهم الأمر على الفور.. جلس قائلا: الحق مش عليهم, الحق على اللي حطني مع الأشكال دي في حزب واحد. ظل يغلي طوال الرحلة, فقدت كابينة الطائرة ضحكته التي تتناثر في كل أرجائها. فرض الحزن الصامت نفسه علينا. حاولت ان أستدرجه الى واحدة من محاوراته الممتعة, لكنه تمنع وقال: أنا مش زعلان علشان نفسي, أنا عارف اني أحسن من ألف زيهم. أنا زعلان علشان مصر. همه دول رجالة السادات والعهد الجديد؟ حزنه العميق هزني من الأعماق.. وقررت أن أمنحه فرصة ضحك عال من جديد.. في المطار كان في استقبالنا (أبو عصام) , عمنا وأستاذنا عزيز شريف سكرتير حركة السلام العراقية وكان آنذاك وزيراً, وكان معه الموظف المسؤول عن الشؤون الادارية في مجلس السلم العراقي.. وكان يعرف صداقتي لرئيسه. قبلات وأحضان أبو عصام الدافئة كانت إشارة واضحة لمنظمي المؤتمر, لكنه لم يترك الأمر للمصادفة, صرح بصوت عال (الدكتور هنا يأمر فيطاع, وأعتبره مسؤولكم في تنظيم المؤتمر فهو الأكثر خبرة والأكثر معرفة بالوفود القادمة) . سمع الدكتور (ث) و(ع) هذه العبارة وتبادلا نظرات مندهشة, وارتسمت ابتسامة عريضة على وجه عم محمد, وبينما كنا ننتظر انهاء الاجراءات في صالة كبار الزوار, انتحى بي جانباً المسؤول عن الترتيبات الادارية, ليعرض ما رتب من أجلنا: حجزنا لك (سويت) كأمر أبو عصام, والوفود كل اثنين في غرفة مزدوجة ما عدا رؤساء الوفود لهم غرفة مفردة, الوفود ستستخدم الباصات, وأنت لك سيارة من القيادة بناء على طلب الرفيق أبو عصام, قلت بلهجة هادئة لكن آمرة: (أريد لعم محمد (أشرت اليه) سويت.. وله أيضاً سيارة خاصة) , كان يحاول أن يبدو متردداً.. عندما حدث الهرج المعتاد لدى وصول واحد من المسؤولين, وكان القادم (ابو عروبة) , وهو الرفيق نعيم حداد, أحد قادة حزب البعث الاساسيين ووزير الشباب آنذاك (كنا أصدقاء كان يحضر أغلب مؤتمرات حركة السلام وكنا نسهر طويلاً معاً. وزارنا في هلسنكي مرات, وأقام هناك في بيتي تاركاً فندقه, وفي بيتي جلس طويلاً مع الرفيق (ع.ع) أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي, في لقاءات سرية يحاولون فيها تحقيق تقارب بين الحزبين, كنت أغلق عليهم باب الحجرة, أناولهما طعاماً وشراباً طوال الليل, ثم يعلو صوتهما فيستدعياني ليعيدا كل ما قالاه في خلوتهما.. حتى اتفقا. وكان الوفاق القصير الاجل الذي أتى بالشيوعيين للمشاركة في الوزارة.. وكان (ع.ع) واحداً من الوزراء). اندفع (ابو عروبة نحوي) , تدافعت قبلاتنا في توافق منتظم, وسألني هل اريد شيئاً؟ قلت: هناك ترتيبات بسيطة نادى على المسؤول بلهجة آمرة تليق بقائد بعثي كبير قال: نفذ ما يأمر به الدكتور, قال المسكين هامساً: سيدي يريد سيارة لعضو في الوفد, وليس هناك سوى باصات, ابو عصام امر له بسيارة من القيادة. لكن ابو عروبة يعرف كيف يجامل اصدقاءه سيارة القيادة لمن يأمر به الدكتور اما الدكتور فسأترك له سيارتي طوال مدة اقامته, قبل ان اجد الفرصة للاعتراض.. كان أحد مرافقيه قد استدعى السائق واعطاه التعليمات:( من الآن انت مع الدكتور) . وهكذا غادرنا المطار في بروتوكول غريب. عم محمد في سيارة مرسيدس سوداء, انا في سيارة ستروين سوداء فاخرة تحمل لوحة رقمها (شباب 1) اي سيارة وزير الشباب ثم اوتوبيس به بقية الوفود. وصلنا الفندق, صعق الدكتوران عندما وجدا عم محمد يحصل على مفتاح سويت وانا كذلك, وانهما سيحشران معاً في غرفة واحدة, حضر (ث) محاولاً التودد, طالباً ان اتدخل لدى (أصدقائي) العراقيين كي ينام كل منهما في غرفة منفصلة واعتذرت. وفي الصباح حضر (ابو زياد) (طارق عزيز وكان وزير الخارجية المسؤول عن المؤتمر) ليتناول الافطار معي وكان ذلك كافياً لكي يهتم بي كل العاملين في الفندق طوال اقامتي وتميزت المائدة التي اجلس عليها دوماً بخدمة خاصة جداً وكان يرافقني دوماً عم محمد, تصاحبه ضحكاته العالية التي كانت تثير غضب الدكتورين. في الافطار وفيما يجلس معي (ابو زياد ادى مدير الفندق فروض الطاعة المفترضة, واتى ليقدم بنفسه تحية خاصة.. طبقاً كبيراً من الكريستال يمتلئ بالتفاح وشرائح الاناناس ثار الغضب الطفولي لدى د. (ث) خاصة عندما استدعيت عم محمد ليجلس معنا نادى احد الجرسونات وقال آمراً:(هات طبق فواكه) نظر له الجرسون شذراً وتركه دون اجابة. كل ذلك وانا لم اقل شيئاً لعم محمد, لكنه فهم بذكائه الفطري اللماح انني رتبت ذلك كله ارضاء له, وتمييزاً ومجاملة وحفاظاً على كرامته.. وكان سعيداً وممتناً. واطلت المشكلة الكبرى عندما همس طارق عزيز في أذني كي القي كلمة الوفد المصري, قلت: هذا مستحيل لا اريد حساسيات, هنا عضو لجنة مركزية للاتحاد الاشتراكي, هو يتحدث كرئيس لوفد الاتحاد الاشتراكي, وانا ألقي كلمة قصيرة باسم مجلس السلام المصري, واقتنع أبو زياد لكنه قال وهو يغمز بعينه: دعه يعد كلمة جيدة, فالرفيق صدام سيرأس الجلسة, وهو الذي سيدعوه لالقاء الكلمة. اسرعت لعم محمد, شرحت له موضوع المؤتمر وطلبت ان يعد كلمة قصيرة واضحة محددة. قال ببساطته: تعال نعدها مع بعض, فأنا لا أفهم في هذه الموضوعات الملخبطة. وانتحينا وأعددنا كلمة جيدة.. أدهشتني معرفته العميقة باللغة وفهمه الذكي اللماح للامور.. كنت احياناً أخطئ في الاعراب كان يصحح لي ضاحكاً: يا دكتور.. سيدنا في الكتاب ضربني على غلطة زي دي. بعد الظهر كان كل شيء على اهبة الاستعداد, انتقل موكب الوفود, وفق البروتوكول السابق, الى قاعة الاجتماعات في جامعة المستنصرية وزعوا علينا جدول الأعمال.. ووقائع الاجتماع, او كما يسمونها هم (فعاليات الاجتماع) وبها (كلمة وفد الاتحاد الاشتراكي العربي بمصر.. الاستاذ محمد عبدالسلام عضو اللجنة المركزية) لمح (ث) هذا السطر وانقض علي محاولا افتراسي, صارخا بصوت عال ان د. رفعت المحجوب كلفه بالقاء كلمة, وان الكلمة اعدت في القاهرة, واقرها د. المحجوب, فكيف يتم تجاهل ذلك ليلقي كلمة الوفد هذا الــ (و..سيلا من الشتائم المسموعة) . لكن عم محمد تظاهر بانه لم يسمع شيئا, كان, كما طلبت منه, يعيد ويعيد قراءة الكلمة ليلقيها كأحسن ما يكون, قابلت ثورة الرجل بهدوء فانا لا اريد للعراقيين أو الوفود الاخرى ان تلاحظ هذا الخلاف الغبي, قلت ببساطة, يا دكتور في المؤتمرات الدولية يلقي كلمة الوفد رئيسه, وانت ترى انهم يعاملونه منذ اللحظة الاولى كرئيس للوفد. تركني (ث) , واندفع نحو المسؤول العراقي عن ادارة الجلسة, هاج, حكى ذات الحكاية, الوجه العراقي لا يتأثر, فقط قال: سيدي هذه مسائل عليا, انا مسؤول اداري, لكنني لمحت المسؤول الاداري وهو يهمس في اذن شخص اتجه مباشرة ليجلس خلف (ث) . بدأت الجلسة .. صدام حسين في المنتصف وإلى جواره عزيز شريف, كتب عزيز شريف شيئا وأتاني سكرتيره: هذا مؤتمر سلام يستحسن ان تتكلم انت اولا ثم ممثل الاتحاد الاشتراكي, كتبت: يا عمنا العزيز, لا اريد حساسيات دع الامور كما هي, هز عزيز شريف رأسه متفهما. بفضل الخبرة المتراكمة, وتحسبا لأي لغط, همست في اذن عم محمد ان يجلس قريبا من المنصة, وفعل, وتمضي وقائع الجلسة وانا اتصور ان الامور قد هدأت, حتى نادى رئيس الجلسة: كلمة ممثل الاتحادي الاشتراكي العربي بمصر, عم محمد اسرع إلى المنصة, فيما يحاول د. (ث) ان يقف ليندفع هو ايضا, فاذا بالجالس خلفه يهبط عليه بيد آمرة وقوية تجبره على الجلوس. فوجئت بالفعل بالالقاء الرصين والخالي من اي خطأ لغوي, ولعلى لا ابالغ اذا قلت ان عم محمد قرأ الكلمة افضل كثيرا مما توقعت, بل افضل كثيرا جدا مما كنت انا سأفعل, انها خبرة الحركة العمالية المصرية المتراكمة, ادركت ساعتها ان عمالنا افضل كثيرا مما نعتقد (بعدها فسر لي الامر, فهناك رصيد قديم من تعليم ازهري لم يكتمل) . ما ان حط بنا الركب في صالة الفندق حتى كان الدكتوران يندفعان نحوي في سباب وهجوم حاد وغير لائق اثار رجال الامن بالفندق, لكنني منعت ايا منهم من الاحتكاك بالدكتورين. كانت العبارات غير اللائقة ــ يجري تقاذفها من الاثنين: احنا عايزين نعرف انت مين بالضبط وعلاقتك ايه بالناس دول؟ انت بتشتغل لحساب مين؟ كل شىء سنتحاسب عليه في مصر, عربية وزير, واحترامات, كل ده ستدفع ثمنه في مصر. تركتهما وصعدت ضاحكا مع عم محمد, الذي كان مفعما بالامتنان. لكن د. (ث) قليل التجربة والخبرة بالعمل السياسي قالها بصراحة: انا اعددت تقريرا عن تصرفات كل منكما سأرفعه للأمين العام, وساعتها يعرف كل منكما قدره, ولأول مرة يتبادل عم محمد معه الحديث قائلا: تقرير منك, وتقرير مني, ونشوف مين يغلب. في الطائرة شكرني عم محمد لاول مرة, لمحت دموعا ممتنة في عينيه, الغريب انه قال في براءة: اوعى تخاف منهم, انا تقاريري هي الاكثر قبولا لاني اعرف إلى من ارفعها. بعد اسبوع فوجئت بمكالمة تليفونية عاتبة من د. رفعت المحجوب, دهش عندما شرحت له ما حدث, ثم زارني عم محمد ضاحكا: الدكتور كتب يتهمك بانك زعيم في حزب البعث العراقي, وحكى حكاية سيارة وزير الشباب كدليل, لكن اطمئن أنا تقريري كان الأكثر قبولاً.. وكل شيء تمام) همست لنفسي كي أطمئنها.. كل شيء تمام.