لم يفاجأ المارة عند منتصف الليل في شارع نابلس بوسط القدس الشرقية بوجود اربعة فلسطينيين يرقدون على الارض مباشرة امام مكتب وزارة الداخلية الاسرائيلية لكي يكونوا اول الداخلين اليه صباح اليوم التالي . فالمشهد اصبح روتينيا وليس سوى نتيجة للعراقيل الادارية التي تضعها السلطات الاسرائيلية امام فلسطينيي القدس الشرقية لدى تجديد بطاقاتهم الشخصية. الحاج عبد السلام ابو صبيح (63 عاما) الراقد ملتصقا بباب المكتب التابع لوزارة الداخلية يريد ان يكون اول الداخلين اليه صبيحة اليوم التالي لانهاء معاملته: فقد تزوج بعد وفاة زوجته الاولى ويريد الحصول على وثيقة زواج. وقال بحسرة (انا من مواليد القدس وجميع افراد عائلتي من القدس ولن اموت سوى في مدينتي هذه) . وهو مثله مثل 200 الف فلسطيني يعيشون في القدس الشرقية يعانون من المضايقات الادارية الاسرائيلية, حيث عليهم ان يثبتوا انهم يقيمون فعلا في القدس الشرقية المحتلة للحصول على الافادات التي يطلبونها. ويمسك ابو صبيح بقوة بالوثائق التي سيقدمها الى السلطات الاسرائيلية في صبيحة الغد للحصول على هوية لزوجته : فواتير كهرباء وهاتف, شهادات ميلاد ووفاة, فواتير لرسوم محلية مدفوعة, صور لهويات وشهادات مدرسية. وتطلب وزارة الداخلية الاسرائيلية من الفلسطينيين تقديم هذه الوثائق للسماح لهم بالاستمرار في السكن في القدس الشرقية حيث ولدت غالبيتهم العظمى. ولا يكف الفلسطينيون عن الشكوى من الممارسات الاسرائيلية في هذا المكتب. فاسرائيل منذ احتلالها للقدس الشرقية عام 1967 واعلانها عاصمتها (الموحدة الابدية) لم تتوقف عن السعي الى افراغ المدينة المقدسة من سكانها العرب. وللتأكد من انهم سيكونون في طليعة الداخلين الى المكتب الاسرائيلي لتقديم اوراقهم يفضل الكثير من الفلسطينيين خصوصا في الصيف النوم في الشارع لتقديم اوراقهم في الصباح الباكر قبل تدفق عشرات الفلسطينيين الاخرين. ويقوم بعض الشبان الفلسطينيين في القدس الشرقية بالوقوف في الطابور ليلا ليبيعوا مكانهم الامامي في صباح اليوم التالي بخمسين دولارا لاي فلسطيني لا يريد الوقوف في آخر صف المنتظرين الطويل. لذلك تنشب احيانا خلافات ومشادات بين الواقفين في الصف الطويل على اسبقية الدخول. ومباشرة وراء ابو صبيح يقف محمد مطر (28 عاما) الذي قام بفرش ورقة كارتون كبيرة على الارض استعدادا لتمضية الليل عليها امام المكتب الاسرائيلي لتقديم اوراقه في الصباح الباكر. وكان مطر تزوج قبل فترة قصيرة من اردنية. وقال (لقد حضرت قبلا وامضيت ليلة مفترشا الارض. الا انهم طلبوا مني اوراقا اضافية فجهزتها وحضرت ثانية) . وتابع قائلا (لا اعرف فعلا ماذا سيطلبون بعد ذلك) . ولا يمكن لسكان القدس الشرقية العرب الحصول على اوراق هوياتهم وشهادات الولادة والزواج والوفاة او رخص الاقامة الا من هذا المكتب. جمال عوض الاربعيني وهو من مخيم شعفاط في القدس الشرقية لا يخفي غضبه من المعاناة التي يتكبدها للحصول على مراده. قال (المرة الاخيرة التي حضرت فيها الى هنا وعدوني بارسال اوراقي بالبريد. الا ان شيئا من هذا لم يحصل وبرروا ذلك بالقول انهم ارسلوها الى عنوان خاطىء, وكان لابد من اعادتها الى المكتب) . وابلغ عوض ان طلبه للحصول على بطاقة هوية لزوجته قد رفض. وتقر السلطات الاسرائيلية بسوء عمل هذا المكتب. وقال متحدث اسرائيلي لوكالة فرانس برس ان هناك مشروعا لتوسيع المكتب المذكور الا ان ذلك لن يتحقق قبل نهاية السنة الجارية. وتطلب اسرائيل من الفلسطينيين سلسلة من الوثائق التي تثبت انهم عاشوا في القدس خلال السنوات السبع الاخيرة على الاقل. واعتبر المتحدث الامر ضروريا (للتأكد من انهم يقيمون في اسرائيل) . الا ان الفلسطينيين يعتبرون الاجراءات الاسرائيلية (تمييزية) , فقد يفقد مثلا الطلاب الذين يتابعون دروسهم في الخارج حقهم في العودة الى مدينتهم للاقامة. ــ أ.ف.ب