لم تعرف القارة الافريقية ازمة سياسية طاحنة مثلما فعلت الازمة الصومالية الراهنة, فقد ادى الانهيار الكامل لكل رموز الدولة وابنيتها ومؤسساتها عقب سقوط نظام سياد بري الى حالة من الفوضى تركت الساحة مفتوحة امام تحديات قوى الطبيعة من مجاعة وجفاف, وتصارع القوى الاجتماعية والعشائرية على السلطة, وكان هذا كافيا لتمزيق اوصال المجتمع الصومالي وانقسامه الى اكثر من دويلة, بل وهدد بالفناء شعبا باكمله. ومن الناحية النظرية لم يكن من المفترض حدوث هذا استنادا الى ان النظرة للشعب الصومالي كانت انه يمثل نسيجا فريدا من التجانس والتميز القومي ووحدة اللغة والدين, وكانت تعد ذات هوية قومية متميزة ورغم الاتجاه المتنامي في السياسة الدولية لتحميل انظمة الحكم الافريقية المسؤولية الكاملة بتدهور الاوضاع داخل الصومال إلا انه من غير المنطقي نفي تأثير العوامل الفاعلة في المحيط الخارجي لهذه الانظمة التي لم تكن تتحرك في فراغ, لذا فإن الازمة الصومالية لها ابعاد دولية لا يمكن تجاهلها او اغفالها في التحليل النهائي لهذه الازمة. ويرى المراقبون ان الازمة الصومالية كانت على موعد مع التحولات التي حدثت بعد انتهاء الحرب الباردة ومهام الامم المتحدة في فض المنازعات بين ابناء الدولة الواحدة فقد وجدت المنظمة الدولية نفسها وموظفيها في اتون حرب لاهوادة فيها او اعتبار لاية معايير انسانية او سياسية. فما هو واقع الحرب الاهلية في الصومال وكيف تصارعت القوى السياسية داخله, وكيف ساهم العامل الخارجي في تصعيد الازمة, وما هي وسائل تسوية الصراع, وهل ساهم التدخل الانساني الدولي في تخفيف حدتها على الشعب الصومالي.. واخيرا ما هي افاق المصالحة الوطنية في هذا البلد.؟! الحرب الأهلية في السودان …الكل يحارب الكل ودول الجوار لا تلتزم الحدود .. لعل أبرز الظواهر التي تطبع الصراع السوداني الدائر بين شماله وجنوبه هي الظاهرة التي أسماها الدكتور أحمد يوسف مدير معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بـ (انعدام الرشادة في إدارة الحروب الأهلية) .. فهذه الحروب غالبا ما تبدأ والميزان يميل إلى أحد الطرفين, مما يؤهلها لحسمه في البداية سواء سياسيا أو عسكريا, لكن مع (انعدام الرشادة) تزيد القوى الخفيفة ثقلا بدخول أو انضمام العديد من الأطراف إليها سواء كانت داخلية أو خارجية, الأمر الذي يجعل قوة الطرفين مذبذبة بينهما.. مرة تصعد باحدهما, ومرة تهبط به حسب تدخلات الأطراف الأخرى, وغالبا ما تكون المحصلة النهائية لانعدام الرشادة هذه, المزيد من التدهور للشعوب التي تدفع وحدها فاتورة هذه الحروب. .. وما زال (انعدام الرشادة) هو ابرز الظواهر في الحرب الأهلية في السودان حيث دخلت هذه الحرب في منعطف خطير منذ التسعينات, فقد تعددت أطراف الحرب وتناقضت وتشابكت مواقفها من جهة, وامتدت لتتعدى نطاق الجنوب وتصل إلى الشرق والغرب من جهة ثانية. ويقول الدكتور ابراهيم نصر الدين وكيل معهد البحوث والدراسات الافريقية في هذا الاطار: (ان هذا التعدد والامتداد أدى إلى فتح الباب واسعا أمام كافة الخيارات الصراعية للمشكلة, بما في ذلك الانهيار الكامل للدولة السودانية على غرار الحالة الصومالية أو الليبرالية. أو انفصال الجنوب ومعه الشرق والغرب عنوة, أو استيلاء الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق على السلطة في الخرطوم وتغيير الهوية السودانية كلية.. وفي المقابل فإن الباب ما زال موصودا أمام كافة الخيارات السلمية لتسوية المشكلة سواء ما تمثل في القبول باطار السودان الموحد, أو باطار الحكم الذاتي, أو باطار الفيدرالية أو حتى الكونفدرالية.. ومرجع ذلك ــ كما يقول الدكتور ابراهيم نصر الدين ــ هو صعوبة التوصل إلى أي اجماع وطني سوداني حول أي من الخيارات السلمية السابقة, حيث ان كافة الأطراف المتورطة في الصراع تختلف في توجهاتها ومصالحها, وقاعدتها الاجتماعية التي ترتكن عليها فضلا عن انها لم تحقق أي اجماع وطني سوداني منذ استقلال السودان في أي قضية من القضايا الرئيسية مثل (هوية الدولة, شكل الدولة, طبيعة نظام الحكم, توزيع السلطة والثروة... وغيرها) . .. ويتفق الباحث السوداني الدكتور أبو الحسن فرح على تدخلات الأطراف الداخلية والخارجية في تعقيد مشكلة الحرب الأهلية في السودان, ولكنه يختلف مع عدم قدرة المعارضة على الاتفاق حول الثوابت الوطنية أو تحميلها نتيجة ما يحدث في الواقع الآن, ويقول: انه لا سبيل لحل الصراع في ظل نظام يجعل خيارات السلام ووحدة البلاد محدودة بتصعيد الحرب في الجنوب وتحويلها إلى حرب دينية وتوسيع مجالها لتشمل مناطق أخرى في الشرق والغرب) . .. ومن اجمالي هذه الأطروحات يمكن القول بأن مشكلة جنوب السودان قد انتقلت نقلة نوعية لتصبح مشكلة تتعلق بالوجود السوداني برمته وبكل ما يحمله ذلك من مخاطر على الأمن القومي العربي, وخاصة مصر.. فما هي جذور المشكلة السودانية, وكيف تعاملت الحكومات والأحزاب السودانية معها وما هي خيارات تسوية هذه المشكلة سواء بالصراع أو التوافق.. وما هي أبرز العوامل التي أدت إلى تصعيد المشكلة؟! الجذور .. في الفترة التي سبقت الفتح المصري ــ التركي للسودان كانت منطقة جنوب السودان تعيش في حالة تسيطر عليها الفوضى والحروب القبلية غير ان الحكم المصري الذي بدأ عام 1820 ساعد على استتباب الأمن في ربوع البلاد رغم انتشار تجارة الرقيق على نطاق واسع ولكن ما يجب التأكيد عليه ان هذه التجارة كانت قائمة في السودان قبل الحكم المصري كتجارة داخلية, بل انها ما زالت موجودة حتى الوقت الحاضر لدى بعض القبائل في الجنوب. .. هكذا يبدأ الدكتور ابراهيم نصر الدين رصده لجذور المشكلة في السودان ويضيف قائلا: (انه أي ما قيل عن الحكم المصري السوداني والادعاء بعدم كفاءته, فإن هذا الحكم قد أسهم في وحدة السودان وحافظ عليها, فضلا عن انه القى بتأثيراته العربية الاسلامية على شمال السودان, وان كان وصول بعثات التبشير الأوروبية إلى جنوب السودان لاستخدامه كرأس جسر للوصول إلى مملكة اثيوبيا المسيحية والاستيلاء على كنيستها القبطية قد أسهم في زيادة الهوة بين الشمال والجنوب ثقافيا ودينيا) . .. وفي أعقاب المرحلة الانتقالية بعدما اتفقت مصر وبريطانيا على أن تمنح الاستقلال للسودان في 12 نوفمبر 1953 أدت الممارسات الخاطئة للأحزاب السياسية الشمالية إلى شيوع حالة الفوضى في الجنوب وانعدام الثقة بين الطرفين, ومنذ اعلان استقلال السودان في الأول من يناير عام ,1956 وحتى نوفمبر 58 شهدت تلك الفترة ــ حكم الأزهري ثم عبدالله خليل ــ اتجاه الحكومة إلى التخلص من معارضة الجنوبيين واللجوء إلى محاكمة العديد منهم, ومع الانقلاب العسكري بقيادة عبود في 17 نوفمبر 1958 حتى أكتوبر 1964 سعى النظام إلى فرض (الاندماج الطائفي) بالقوة المسلحة سعيا لاستيعاب الجنوب في اطار الثقافة العربية, الاسلامية, الأمر الذي أدى إلى هروب العديد من القيادات الحزبية الجنوبية إلى الخارج والذين شكلوا تنظيمات سياسية وعسكرية لمقاومة هذه السياسة. وقد شكل ظهور (الانيانيا) وهي النواة التي تشكلت منها كل حركات التمرد في جنوب السودان, عام 1963 بعدا جديدا في الصراع لانها اتخذت طابع الحركة العسكرية فقط ورفضت أي حل سلمي لمشكلة الجنوب. اتجه كل من الشمال والجنوب خلال هذه الفترة إلى السعي لحل المشكلة في ميدان القتال, وظهرت دعاوى لدى تنظيمات جنوبية تطالب بالانفصال. ثم جاء عقد مؤتمر المائدة المستديرة في الخرطوم في الفترة من 16ــ29 مارس عام 1965 بين الأحزاب الشمالية والجنوبية, لكن هذا المؤتمر لم يسفر عن أية نتيجة ايجابية بل زادت مدة الصراعات والهوة بين الطرفين. وفي عام 1969 جاء جعفر النميري على قمة السلطة في السودان, واعترف منذ البداية بوجود المشكلة بل اعترف بوجود فوارق بين الشمال والجنوب, ومن ثم أقر مبدأ الحكم الذاتي الاقليمي لحل مشكلة الجنوب. وفي 27 فبراير ,1972 وعلى خلاف توقعات معظم المراقبين أعلن عن التوصل الى توقيع اتفاق أديس أبابا بين وزير خارجية السودان وبين ممثلي جبهة تحرير جنوبي السودان لحل مشكلة الجنوب في اطار الحكم الذاتي الاقليمي, وتنفيذا لهذا الاتفاق صدر في 3 مارس 1982 قانون الحكم الذاتي الاقليمي للمديريات الجنوبية الثلاث (بحر الغزال .. الاستوائية .. أعالي النيل) , وهكذا تحسنت العلاقة الى حد ما بين الشمال والجنوب, ولم تصل أية توترات بين الحكومة المركزية والاقليم الجنوبي, أو بين الجنوبيين انفسهم الى حد الصراع أو الصدام .. وذلك حتى انفجار الحرب الأهلية من جديد. .. ففي الفترة من 1983 الى 1998 بدت الحكومة السودانية انها غير مقتنعة بخيار (الاندماج الوظيفي) القائم على الحكم الذاتي الاقليمي في اطار السودان الموحد, وان الظروف المتفجرة في الجنوب هي التي دفعتها الى الأخذ بهذا الخيار مؤقتا تمهيداً للعودة مرة أخرى للأخذ بخيار (الاندماج الطائفي) القائم على الاستيعاب, وازاء هذا الاصرار من جانب الحكومة المركزية على فرض الاندماج الطائفي اندلعت اعمال العنف في الجنوب على يد قوات (الانيانيا) التي أخذت تحظى بالتأييد الشعبي في الجنوب واتضح ان (الانيانيا) هي الجناح العسكري لتنظيم سياسي اسمه جبهة تحرير جنوب السودان تم تغييره الى (الجبهة الشعبية لتحرير السودان) . وفي 30 يونيو 1989 وبدعم من الجبهة القومية الاسلامية استطاع الرئيس الحالي عمر حسن البشير القيام بانقلاب ناجح مؤكدا على ان احدى أولوياته هي انهاء الحرب في الجنوب وراح يرفع الراية الاسلامية الجهادية في المواجهة, ومنذ ذلك التاريخ وحتى نهاية 1998 دخلت مشكلة جنوب السودان في منعطف جديد اكثر خطورة حيث تعددت اطراف الصراع, واتسعت نطاق الحرب وتعددت ايضا خيارات التسوية .. وهذه الامور مجتمعة جعلت من الصعب ان تكتشف النوايا الحقيقية للاطراف وتصوراتها لتسوية المشكلة, صحيح ان المواقف المعلنة لكافة الاطراف تكاد تجمع على منح الجنوب حق تقرير المصير بموجب استفتاء يجري اثناء الفترة الانتقالية التي قررها النظام أو التي تتولى فيها جماعات المعارضة للسلطة عقب اسقاط النظام, لكن السؤال المهم هنا يتعلق بمضي حق تقرير المصير, وهل سيكون هذا الحق مطروحا فيما لو تغيرت الظروف الحالية المحيطة بالنظام أو فيما تمكن أحد الفصائل المعارضة من حسم الصراع لصالحه؟! ويشير .. واقع الحال الى ان اعتراف كافة أطراف الأزمة بحق تقرير المصير للجنوب, انما يعبر عن ضعف وعجز كل طرف عن تسوية الأزمة بمفرده ولصالحه, وان الطرفين الرئيسيين في الصراع وهما: الحكومة والفصائل الجنوبية من جانب, والتجمع الوطني الديمقراطي من جانب آخر قد وصلا الى نقطة التعادل أوالتوازن, وهو الأمر الذي دفع بكليهما الى اقرار حق تقرير المصير ودونما تحديد .. فماذا لو تغيرت موازين القوى؟! ويرى الدكتور (ابراهيم نصر الدين) ان الحكومة السودانية استطاعت ان تتفوق تكتيكيا على المعارضة حيث تمكنت من شق صفوف المعارضة الجنوبية حين سعت الى استقطاب دعاة الانفصال ولوحت لهم بحق تقرير المصير, وهذه الفصائل الجنوبية الانفصالية رأت في الحكومة السودانية سندا ودعما لها للتخلص من سيطرة الدينكا المهيمنة على الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة (جون قرنق) وقد وقع هؤلاء المعارضون في الجنوب مع الحكومة ما سمي باتفاقية السلام من الداخل في 21 ابريل 1997. اما التجمع الوطني المعارض ــ كما يرى د. ابراهيم نصر ــ فهو تحالف هش تكتيكي يحمل في طياته الكثير من التناقضات وعوامل عدم التوازن, كما يعتري بعض فصائله عوامل الضعف, ثم ان هناك خللا في توازن القوى داخل التجمع بشكل يثير الريبة لدى الفصائل الضعيفة, ذلك ان الحركة الشعبية لتحرير السودان تشكل الفصيل العسكري الرئيسي داخل التجمع سواء من حيث عدد القوات أو مناطق العمليات في حين ان بقية الفصائل المنضوية تحت لواء التجمع ما زالت ضعيفة عسكريا بشكل لا يسمح لها في حالة انهيار النظام بالحصول على مغانم السلطة والثروة ومن الجدير بالذكر ان عمليات التوحيد العسكري لفصائل التجمع ما زالت متعثرة. ويضيف د. ابراهيم نصر ان الحرب في الوقت الراهن تبدو وكأنها حرب الكل ضد الكل .. فالشمال يحارب الجنوب ــ الحكومة في مواجهة الحركة الشعبية قرنق ــ والشمال يحارب الشمال ــ الحكومة في مواجهة أحزاب المعارضة الشمالية ــ والجنوب يحارب الجنوب ــ الفصائل الجنوبية الانفصالية المتحالفة مع الحكومة في مواجة حركة قرنق .. كما تجاوز نطاق الحرب وميدان العمليات العسكرية حدود جنوب السودان ليصل الى غرب وشرق السودان, وذلك في سعي كافة الجماعات المهمشة ــ جبال النوبة وأبين, جبال الانقسنا وجماعة البجة ــ لرفع المظالم التاريخية من على كاهلها, وكل هؤلاء وأولئك وجدوا الدعم الداخلي, كما وجدوا دعما من دول الجوار بشكل أو بآخر, وهو الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان الحديث عن تسوية داخلية للحرب الأهلية في السودان دون مشاركة مباشرة من دول الجوار والتي تحكمها هي الاخرى العديد من العوامل والمصالح في تقرير توقيت التسوية ومسارها وشكلها. البحث عن سلام .. وبعد هذا الاستعراض للبحث حول جذور مشكلة الحرب الأهلية في السودان وأسباب استمرارها, يرى الباحث السوداني الدكتور أبو الحسن فرح, انه وبالرغم من ان الاستعمار قد زرع اسبابها في الماضي وما زال يروي المشكلة بأسباب تزيد من تعقيدها وتصعيدها فاننا نرى ان السودانيين انفسهم وخلال اكثر من 40 عاما من الاستغلال كانوا ضحية سوء الفهم الذي شمل الصفوة في الشمال والجنوب معا, وسوء فهم النخب هذا هو أحد أهم العوامل في استمرار هذه الحرب التي يصعب حصر أو قياس نتائجها .. حيث كان وما زال الجميع يعلم انها حرب بلا نصر .. لذا علينا الآن مواجهة أخطاء الماضي بشجاعة وتجرد ووضع حلول واقعية ومرضية لتصحيح أخطاء الماضي التي وقعنا فيها, وان نفتح آفاق المستقبل في انشاء دولة موحدة قائمة على أساس المواطنة والعدل والديمقراطية .. دولة تقسم فيها السلطة والثروة على أساس من العدل الاجتماعي الذي يراعي التنوع الاثني والثقافي والديني يتفق فيه على ترتيبات واضحة وعادلة لنظام حكمها المحلي والمركزي وقواته الأمنية والمسلحة التي تضمن تماسك الدولة وتنفيذ العهود والمواثيق وتدفع ببرامج التنمية في اطار من الدعم الاقليمي والعالمي. ويؤكد د. فرح انه لا سبيل للوصول الى ذلك في ظل وجود النظام السوداني الحالي وتوجهاته بتحويل الصراع في السودان الى حرب دينية, كما ان هذا النظام ذاته قد جاء عبر انقلاب قادته أقلية للاستيلاء على الحكم من الأغلبية المنتخبة ديمقراطيا .. ولأن خطورة الأجندة الحزبية الضيقة للجبهة الاسلامية للانقاذ سوف تقود الوضع الى انفصال جنوب السودان, والانفصال الذي لا يأتي عبر ممارسة ديمقراطية وعبر استفتاء حر ونزيه وبعد تنفيذ ما يتفق عليه في مؤتمر مصيري لن يكون مقبولا لدى كافة القوى السياسية في السودان لأن المقصود في النهاية ان يعطي تقرير المصير للوحدة فرصة الاولوية الاولى واذا لم يتحقق ذلك يحدد شكل التعاون والتعامل للدولتين في المستقبل, وغير ذلك تكون المشاكل اكثر حدة ولن تضع الحرب حدا لها) . ويضيف د. فرح: (ان المعارضة استطاعت خلال الفترة الماضية ان تجبر الحكومة على الذهاب وراءها من اجل الحوار, وليس العكس, والمهم هو توسيع الحوار بين الدول ذات الثقل العربي والافريقي والمتأثرة بالموقف السوداني وبعض تلك الدول تقوم بجهود مقدرة للوصول الى حل سلمي للنزاع القائم في السودان مثل مصر وليبيا, وهي تدير حوارات منفصلة مع المعارضة والحكومة دون الوصول الى مبادرات محددة لخلق الارضية المشتركة التي يمكن الوقوف عليها من اجل حل موضوعي ومقبول للمشكلة) . ويشير د. فرح الى ان اشارة التجمع الوطني الى ان مشكلة الجنوب مشكلة قومية الاصل تعني انه لا يمكن تسويتها بشكل منفصل دون النظرة الشمولية لمشكلة السودان كله, وكان خير تعبير عن ذلك ما قاله دكتور قرنق اثناء زيارته لمصر.. نحن ننظر الى السودان كبلد سيظل موحدا, وترتكز هويته على التنوع التاريخي الذي تمثل في حضارات قوية مثل ممالك النوبة المسيحية ثم ظهور الاسلام واقامة الممالك الاسلامية القوية والحكم التركي المصري, ثم المهدية ثم الحكم الثنائي المصري ـ الانجليزي الى ان نال السودان استقلاله عام ,1956 وايضا على التنوع المعاصر قوميا واثنيا وثقافيا ودينيا والذي يشكل جزءا منا ويجب ان نصهر التنوع التاريخي والمعاصر لكي ننشئ امة ونخلق رابطة قومية تتجاوز هذه المحليات وتستفيد منها دون ان تنفي اي من المكونات ونطور رابطة اجتماعية سياسية لها خصوصيتها وتستند على هذين النوعين من التنوع, رابطة نشعر بأنها تضمنا جميعا ونفخر بها وندافع عنها) . ويتفق الباحث المصري الدكتور فرج عبدالفتاح فرج في ضرورة التساوي في توزيع المنافع الاقتصادية العامة بين الشمال والجنوب, حيث ان افتقاد هذا العامل هو احد الاسباب الرئيسية للمطالبة بالانفصال والصدام ليس في جنوب السودان فقط وانما لدى كافة الحركات الانفصالية.. ويقول الباحث د. فرج: ان العالم اليوم يعيش عصر التكتلات الاقتصادية العملاقة, كما ان القادة الافارقة يؤمنون بضرورة انشاء كيان اقتصادي افريقي موحد, وذلك بالتوقيع على معاهدة ابوجا في يونيو ,1991 وعلى ذلك فان الدعوة السائدة في العالم كله اليوم هي دعوة للوحدة, وليس الانفصال, ولكن لا تجد دعوة الانفصال مبرراتها فان الدولة في افريقيا يقع عليها عبء توزيع المنافع العامة بين الاقاليم بما يحقق العدالة بين كافة رعايا الدولة من المواطنين.. لذلك فاننا نرى ان ما ذهبت اليه الحركة المسلحة في الجنوب من تصور في وجود السودان الموحد الفيدرالي الديمقراطي العلماني قد يكون هو الصفة المناسبة لحل اشكالية الجنوب على ان يكون ذلك في ظل توزيع متكافئ للمنافع العامة. ويورد الدكتور فرج في هذا الاطار بعض الاحصاءات حول الحالة الاقتصادية والاجتماعية لعينة من سكان كاجوكجي.. التي اعلن نتائجها (وليم هاوس) عضو منظمة العمل الدولية عام ,1991 وفيها ان عدد ملاك الراديو في هذا المجتمع يصل الى 22% من افراده, وان عدد ملاك الساعات والمنبهات يصل الى 28% والدراجات 51% واستخدام السرير المعدني 62%, والاحذية 82%, واطفال المدارس 40%, والذين لا يأكلون اللحوم لاكثر من شهر 27%, والذين يتمتعون بخدمات صحية 35%.. وكان (وليم هاوس) قد اجرى هذا البحث وتوصل الى تلك النتائج من خلال فحص 106 اسر تمثل عينة مختارة من القرى على اساس احتمالي يعتمد على حجم السكان بحيث يكون لكل أسرة داخل هذه القرى فرصة احتمالية لدخول عينة تتساوى مع باقي الفرص الاحتمالية لكل اسرة من اجمالي عدد الاسر. المصير يقسم المراقبون المصير الذي يمكن ان يتعرض له السودان مستقبلا وفقا لنوعين من السيناريوهات.. الاول: وهو السيناريو الصراعي الذي يعبر عن توازن القوى في غمار الحرب, والثاني: سيناريو التسوية القائمة على الاجتماع الوطني. ويقول د. ابراهيم نصر الدين انه في اطار سيناريو الصراع يمكن تصور عدد من البدائل أهمها: البديل الاول: انقلاب قصر من جانب انصار الجبهة القومية الاسلامية لتفادي انهيار السودان. البديل الثاني: ان يغير النظام السوداني توجهاته كلية, وهو امر يصعب تحقيقه في ظل رفع ذلك النظام لايديولوجية دينية. البديل الثالث: وقوع انقلاب عسكري يطيح بنظام البشير ـ الترابي برموزه وشعاراته ويغير من ممارسته. البديل الرابع: تمكن الحركة الشعبية لتحرير السودان (قرنق) من السيطرة العسكرية الكاملة على الجنوب والانفصال به واعلانه دولة مستقلة من جانب واحد, او ان يقوم النظام السوداني من جانبه باعلان قبوله انفصال الجنوب وتسليم السلطة فيه للحركات الانفصالية المتعاونة معه. البديل الخامس: تمكن فصائل المعارضة السودانية من الاستيلاء على السلطة في الخرطوم بعد حرب مع النظام تعتمد فيها على مساندة دول الجوار, وتستند الى انتفاضة شعبية في الداخل. ونرى ان هذه البدائل بعضها يستحيل تحقيقه والبعض الاخر يمكن تحقيقه, ولكن في كل الحالات الخمس سوف تكون النتائج كارثية على السودان, فهي اما ان تؤدي الى انهيار الدولة كلية على نحو ما حدث في الصومال, او تمكن قوى المعارضة من الاستيلاء على السلطة تحت قيادة قرنق مع ما يمكن ان يعنيه ذلك من طمس الهوية العربية الاسلامية كلية والى الابد.. اما السيناريو الثاني وهو التسوية الرضائية فهو يقتضي اولا اتفاق كافة الاطراف السودانية حكومة ومعارضة, شمالية وجنوبية في مؤتمر دستوري على بديل للتسوية يلقى اجماعا وطنيا, او اتفاق اطراف المعارضة السودانية حال وصولها للحكم على ذلك وهناك العديد من البدائل المطروحة على الساحة لتسوية الصراع في السودان, وهذه البدائل تتدرج من الاخذ بالشكل الموحد للدولة في ظل الاخذ بنوع من اللامركزية التي تتيح قدرا من المشاركة وامكانية لتقاسم السلطة والثروة, وتمر بالاخذ بالشكل الفيدرالي للدولة, وتنتهي بالاتفاق على رابطة كونفيدرالية بين دولتين شمالية وجنوبية, بما يعنيه ذلك بشكل او اخر بقبول خيار تقسيم السودان.. ورغم ان بديل الانفصال يصعب تصور الاتفاق حوله من جانب كافة الاطراف السودانية وبخاصة الشمالية الا انها يمكن ان تجبر على قبوله والتسليم به في حالة الانهيار الكامل للنظام السوداني الحالي دون وجود قوة سياسية فاعلة تملأ الفراغ او في حالة سيطرة الجيش الشعبي لتحرير السودان على الاقليم الجنوبي بكامله وعجز القوى الشمالية عن الاستمرار في المواجهة. ويؤكد الدكتور ابراهيم نصر الدين في الختام ان كافة البدائل السلمية الرضائية للتسوية يصعب التوصل الى اجماع وطني حول اي منها في المستقبل المنظور وان المجال سيظل مفتوحا في المستقبل للبدائل الصراعية وخاصة الانهيار الكامل للدولة السودانية مع احتمالات تدخل قوى اقليمية ودولية, او تمكن الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق من السيطرة على الجنوب وكافة المناطق المهمشة في الشرق والغرب واعلان الانفصال.. او سيطرة الحركة الشعبية على السودان بالكامل وتغيير هويته كليا. ويقول: انه ازاء هذا الوضع الخطير الذي يهدد الوجود السوداني كلية, فان الامال تظل معلقة على قيام مصر بدور توفيقي بين المعارضة والحكومة يسمح بعقد مؤتمر دستوري بين كافة الاطراف المتصارعة لتسوية القضايا الرئيسية, وذلك انطلاقا من الموقف الثابت والمعلن بضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامته الاقليمية وحماية للامن الوطني المصري على الحدود الجنوبية, ورغم صعوبة هذه المهمة الا ان مصر تظل هي المؤهلة للقيام بها انطلاقا من ثقلها الاقليمي من جهة, وبحكم اتصالها بمعظم اطراف الصراع من جهة اخرى. القاهرة ــ أحمد مراد